الأبواق التي صنعت ترامب تنقلب عليه .. هل بدأت لحظة النهاية؟
القاعدة التي حملت ترامب إلى البيت الأبيض بدأت بهدمه من الداخل
ترامب يفقد أخطر سلاح صنعه بنفسه
تمرد داخل معسكر ترامب: إعلام MAGA يبدأ بتفكيك الرجل الذي صنعه
البابور العربي – تقرير
تشهد المنظومة الإعلامية التي شكّلت العمود الفقري لصعود دونالد ترامب السياسي واحدة من أخطر لحظات التصدع الداخلي منذ نشأة حركة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA)، بعدما تحوّل عدد من أبرز الأصوات الإعلامية والفكرية التي دافعت عنه لسنوات إلى جبهة معارضة مفتوحة، تهاجم الرئيس الأمريكي بعنف غير مسبوق، وتتهمه بخيانة المشروع الذي أوصله إلى البيت الأبيض. ويبدو أن تهديداته الأخيرة ضد إيران، ولا سيما حديثه عن تدمير “الحضارة الإيرانية بأكملها”، لم تكن مجرد لحظة تصعيد خارجي، بل كانت الشرارة التي فجّرت أزمة كامنة داخل قلب الترامبية نفسها.
طوال السنوات الماضية، لم تكن قوة ترامب قائمة فقط على الحزب الجمهوري أو على مؤسساته التقليدية، بل على شبكة إعلامية موازية قامت بدور التعبئة والتحريض والتبرير، وضمت صناع بودكاست، ومقدمي بث مباشر، ومعلقين يمينيين، ومؤثرين رقميين، ونجومًا في فضاء المحافظين الجدد. هذه المنظومة لم تكن مجرد أدوات ترويج، بل كانت الناقل الحقيقي لرسالة ترامب إلى قاعدته الشعبية، والوسيط الذي حوّل شعاراته إلى هوية سياسية وثقافية كاملة. ومع بداية ولايته الثانية، كان هذا التحالف يبدو متماسكًا وقويًا، بعدما شعر رموزه بأنهم شاركوا فعليًا في إعادته إلى السلطة، وأنه سيدين لهم سياسيًا ورمزيًا. لكن هذا التماسك بدأ الآن في الانهيار.
التحول الأوضح جاء من داخل الصف الأول للمؤثرين اليمينيين. فقد خرج تاكر كارلسون، أحد أبرز وجوه الإعلام المحافظ في الولايات المتحدة، بمونولوج طويل استمر 43 دقيقة، قدّم فيه هجومًا أخلاقيًا وسياسيًا مباشرًا على خطاب ترامب تجاه إيران، واعتبر أن لغة الرئيس الأمريكي لم تعد مجرد لغة قوة أو ردع، بل تحوّلت إلى خطاب “شرير” وفاسد أخلاقيًا. كارلسون لم يكتفِ بالانتقاد السياسي، بل عبّر عن غضب شخصي من منشور ترامب الذي هدّد فيه بإرسال “الجحيم” إلى إيران، داعيًا المسؤولين الأمريكيين إلى رفض أي أوامر قد تفضي إلى قتل المدنيين. هذه اللغة لم تكن مجرد اختلاف في التقدير، بل مؤشرًا على انكسار عاطفي وأيديولوجي بين ترامب وبعض أكثر الأصوات التي دافعت عنه بإخلاص طوال سنوات.
الأمر لم يتوقف عند كارلسون. فقد بدا أليكس جونز، أحد أشهر منظّري المؤامرة في أقصى اليمين الأمريكي، في حالة انهيار عاطفي على الهواء، وهو يصف ترامب بأنه “خطر خرف” يجب عزله من منصبه. أما مارجوري تايلور غرين، التي كانت من أكثر السياسيين الجمهوريين التصاقًا بترامب وولاءً له داخل الكونغرس، فقد ذهبت إلى وصف خطابه بأنه “شر وجنون”، مطالبة بعزله عبر التعديل الخامس والعشرين. كذلك انضمت كانديس أوينز، التي كانت لسنوات من أشد الموالين لترامب، إلى جوقة المهاجمين، حين وصفته بأنه “مجنون إبادة جماعية”، وطالبت الكونغرس والجيش بالتدخل. هذه اللغة ليست فقط قاسية، بل كاشفة عن انفصال نفسي وسياسي بين رأس الحركة وبعض من كانوا جزءًا من بنيتها التعبوية والإعلامية.
لكن الأخطر من ذلك أن التمرد لم يعد مقتصرًا على التيار العقائدي الصلب داخل MAGA، بل امتد إلى دوائر التأثير الرقمي الأوسع، خصوصًا أولئك الذين لعبوا دورًا أساسيًا في تطبيع صورة ترامب لدى فئات الشباب والرجال الأصغر سنًا خلال حملة 2024. فقد وصف جو روغان، صاحب واحد من أكثر برامج البودكاست تأثيرًا في الولايات المتحدة، الحرب على إيران بأنها “جنون” لا يتفق مع ما وعد به ترامب ناخبيه، مؤكدًا أن كثيرًا من أنصاره يشعرون اليوم بأنهم “تعرضوا للخيانة”. أما ثيو فون، الكوميدي الذي استضاف ترامب خلال الحملة، فقد ذهب إلى حد القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل — لا إيران — هما الطرف الإرهابي في هذه المعادلة. بينما شنّ تيم ديلون هجومًا حادًا، معتبرًا أن وعد ترامب بـ”أمريكا أولًا” لم يكن سوى “أكبر خدعة في التاريخ”. حتى بعض صناع المحتوى الأكثر تطرفًا، مثل سنيكو، بدأوا يتحدثون عن ندمهم على دعم ترامب، بل ويطالبون بعزله.
هذا التحول لا يبدو معزولًا أو طارئًا، بل يأتي في سياق تراكم طويل من الشكوك والانشقاقات داخل حركة MAGA نفسها. فمنذ أكثر من عام، بدأت قطاعات من اليمين الشعبوي الأمريكي تشك في أن ترامب لم يعد يمثّل قاعدته بقدر ما بات أداة في يد مصالح أقوى وأكثر رسوخًا داخل الدولة العميقة الاقتصادية والسياسية. وهذه الشكوك لم تولد من ملف إيران وحده، بل تغذت أيضًا على ملفات داخلية حساسة، مثل طريقة تعامل إدارته مع ملف إبستين، والاتهامات المتزايدة بوجود فساد وتداول داخلي للمعلومات داخل دوائر السلطة القريبة منه. ولهذا السبب رحب مات وولش، أحد أبرز الأصوات المحافظة، بإقالة المدعية العامة بام بوندي، واعتبرها متأخرة، في حين كتب مايك سيرنوفيتش أن الفساد داخل إدارة ترامب “أحبطه بطريقة لم يستطع أعداؤه فعلها”.
مع ذلك، فإن هذا التمرد الإعلامي، على خطورته، لا يعني بالضرورة أن القاعدة الشعبية الجمهورية قد انقلبت بالكامل على ترامب. فبحسب استطلاع جديد أجرته وول ستريت جورنال، لا يزال نحو ثلثي الجمهوريين يعبّرون عن ثقتهم في طريقة تعامل ترامب مع إيران، حتى مع تراجع الثقة الأوسع لدى الجمهور الأمريكي العام. وهذا يكشف عن مفارقة مهمة: فبينما بدأت النخبة الإعلامية الترامبية بالتشقق والتفكك، ما تزال القاعدة الانتخابية الصلبة متمسكة بالرجل إلى حد بعيد. وربما يفسر هذا ما قالته ميغين كيلي حين لخّصت المزاج المحافظ بعبارة قاسية لكنها معبّرة: “حتى لو ألقى ترامب قنبلة نووية، فسأظل أصوّت للجمهوريين بدلًا من الديمقراطيين.”
في المقابل، يحاول البيت الأبيض احتواء هذا التصدع عبر إعادة تأطير الأزمة بوصفها دليلًا على الحسم القيادي لا على الانحراف السياسي. فقد أكد المتحدث باسم البيت الأبيض أن ما يهم الأمريكيين هو أن يكون لديهم رئيس يتخذ قرارات حاسمة لحمايتهم، معتبرًا أن عملية “إبيك فيوري” ضد إيران تجسّد هذا المعنى. كما شدد على أن ترامب خاض حملته على أساس منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وأن قراراته لا تُبنى على استطلاعات رأي متقلبة، بل على ما يعتبره مصلحة قومية أمريكية عليا. بهذا المعنى، تحاول الإدارة القول إن ترامب لم يخن قاعدته، بل نفّذ وعوده من منظور القوة لا من منظور الانعزال. لكن هذا التبرير لا يبدو مقنعًا لقطاعات واسعة من منظومة MAGA التي تأسست أصلًا على رفض الحروب الخارجية والتورط الإمبراطوري الأمريكي.
التهديد الحقيقي هنا لا يكمن فقط في عدد الأصوات المنشقة، بل في طبيعتها وموقعها. فترامب اعتاد دائمًا النجاة من خصومه عبر نزع الشرعية عنهم، ووصفهم بأنهم “جمهوريون بالاسم فقط” أو “مذعورون” أو مجرد خاسرين. لكن هذا الأسلوب يصبح أقل فاعلية عندما يكون المنتقدون ليسوا خصومًا من الخارج، بل أشخاصًا شاركوا في بناء الرواية، وصناعة الزخم، وتأسيس البنية الإعلامية للحركة نفسها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فحين تبدأ الأبواق التي صنعت الزعيم في مساءلته، لا يعود السؤال فقط: هل خسر ترامب بعض المؤثرين؟ بل يصبح: هل بدأ المشروع الترامبي نفسه يفقد تماسكه الداخلي؟
في المحصلة، لا يبدو أن ما يجري مجرد موجة غضب عابرة على خلفية حرب أو تصريح ناري، بل قد يكون بداية أزمة بنيوية أعمق داخل حركة MAGA، أزمة تتعلق بهويتها، ووعدها المؤسس، ومعنى “أمريكا أولًا” ذاته. فإذا كان ترامب قد بنى حركته على رفض الحروب الخارجية، ومحاربة النخب، وتمثيل الغضب الشعبي، فإن ما يحدث اليوم يوحي بأن كثيرين داخل معسكره بدأوا يعتقدون أنه لم يعد يمثلهم بقدر ما بات يمثل شيئًا آخر. وهذا، إن ترسّخ، قد يكون أخطر ما واجهه ترامب منذ دخوله الحياة السياسية.
المصدر: اكسيوس