سمير الحجاوي يكتب: همسة في أذن إدارة الجزيرة

كتب: سمير الحجاوي 

اتابع الجزيرة على مدار الساعة باستثناء ساعات النوم والعبادة، وهناك مجموعة من النقاط التي تستحق المناقشة، ولكنني ساقتصر على نقطة واحدة فقط وهي “الطاولة النقاشية المستديرة” المستحدثة والتي يشارك فيها عدد كبير من الضيوف معا، مع التأكيد أن الملاحظات التي اقدمها عبارة عن ملاحظات مهنية خالصة تسنتد الى خبرة تتجاوز 3 عقود في الاعلام والتخطيط الاعلامي.
يمكن القول أن الصيغة الحالية للطاولة المستديرة تفتقر إلى الانضباط التحريري والبصري، وتنتج ازدحامًا صوتيًا ومشهدًا أقرب إلى الفوضى منه إلى النقاش التلفزيوني المنظم، ما يضعف القيمة التحليلية ويؤثر سلبًا على صورة البرنامج والقناة.
التجربة بصيغتها الراهنة تبدو غير ناجحة مهنيًا، لأنها تستبدل العمق بالضجيج، وتحوّل النقاش من مساحة إنتاج معنى إلى مساحة تزاحم صوتي وبصري مرهق للمشاهد.
يجب وقفها نهائيا لانها اشبه ما يكون بسوق خضار، وإذا أردنا تقييمها مهنيًا لا انفعاليًا، فيمكن القول بوضوح إن فكرة الطاولة النقاشية المستديرة بصيغتها الحالية في الجزيرة تبدو فاشلة جدًا، ليس لأن “الفكرة” من حيث المبدأ خاطئة، بل لأن تنفيذها التلفزيوني والتحريري ضعيف، ومربك، وغير منضبط. والتوصيف الأقرب مهنيًا فعلًا هو أنها تتحول أحيانًا إلى مشهد ضجيج جماعي أكثر من كونها منصة تحليل أو نقاش نوعي.

لماذا تبدو فاشلة؟
أولًا: لأنها تلغي القيمة الأساسية للنقاش التلفزيوني
فأي نقاش ناجح على الشاشة يجب أن يحقق 4 أشياء: وضوح الفكرة، و تمايز الآراء، وضبط الإيقاع، وإنتاج معنى للمشاهد
لكن حين يجلس عدد كبير من المتحدثين حول طاولة واحدة، ويتداخلون بسرعة، فإن النتيجة غالبًا تصبح: أصوات متقاطعة، ومقاطعات متكررة، وتكرار في الكلام، وضياع الفكرة الأساسية، وهنا يتحول البرنامج من نقاش إلى ازدحام صوتي.

ثانيًا: لأنها تُضعف هيبة المذيع بدل أن تعززها
في هذا النوع من الترتيب، غالبًا لا يعود المذيع: مديرًا للحوار، ولا ضابطًا للإيقاع، ولا منتجًا للمعنى، بل يصبح فقط: موزع أدوار، أو “شرطي مرور” متأخر، أو أحيانًا مجرد شاهد على الفوضى، وهذا يضر جدًا بصورة البرنامج، لأن المشاهد يشعر أن: لا أحد يسيطر على الطاولة.

ثالثًا: لأنها تخلق انطباعًا بصريًا ونفسيًا قريبًا من الفوضى
في الشاشة التلفزيونية، الشكل ليس تفصيلًا. حين تضع عددًا كبيرًا من الضيوف في طاولة مستديرة، مع: تعدد زوايا، حركات وجه متزامنة، وردود فعل سريعة، ومقاطعات، وتوترات متبادلة، فأنت لا تنتج “غنىً بصريًا”، بل غالبًا تنتج: تشويشًا بصريًا وذهنيًا. ولهذا يشعر المشاهد، ولو دون أن يعبّر نظريًا، أن المشهد: أقرب إلى سوق كلامي منه إلى منصة تحليلية رصينة.

رابعًا: لأنها تخلط بين “التعدد” و”الفوضى”
يبدو أن الفكرة الأصلية ربما كانت: نريد تنوعًا في الآراء، وحيوية، واشتباكًا مباشرًا. لكن ما حدث عمليًا هو: أن “التعدد” لم يتحول إلى غنى معرفي، بل إلى: تكرار وتزاحم، وتنافس على الوقت والصوت.
أي أن الإنتاج ظنّ أن: كثرة الأشخاص = كثافة نقاش، وهذا غير صحيح. وفي التلفزيون، أحيانًا ضيفان قويان أفضل من ستة متحدثين يصرخون.

خامسًا: لأنها تضر بصورة الجزيرة نفسها
الجزيرة تاريخيًا بنت جزءًا كبيرًا من مكانتها على: الهيبة، والجدية، قوة إدارة الحوار، الإحساس بالتماسك المهني لكن هذه الطاولة، بصيغتها الحالية، قد تعطي انطباعًا معاكسًا: أن القناة: تبحث عن الحركة بدل العمق، عن الضجيج بدل البناء، وعن الشكل “الحيوي” بدل القيمة التحريرية، وهذا خطر، لأن الجزيرة لا يناسبها أن تبدو كأنها: تقلد برامج جدل رخيصة أو فورمات صاخبة من قنوات أقل وزنًا.

ما هي السلبيات الأساسية جدًا؟
1) ضياع الرسالة
المشاهد يخرج أحيانًا دون أن يعرف: ما القضية تحديدًا؟ ما الخلاصة؟ من أقنعه؟ وما الذي أضيف فعلًا؟

2) تسطيح النقاش
بدل التحليل العميق، تحصل على: ردود سريعة، وجمل قصيرة، ومواقف انفعالية، وشعارات أكثر من أفكار

3) استنزاف وقت الحلقة
لأن كل شخص يريد: أن يتكلم، ويرد، ويعقّب، ويدافع عن نفسه، تضيع الحلقة في “إدارة الأشخاص” بدل “إدارة الفكرة”.

4) إفقاد الضيف قيمته
حين يكثر الضيوف، يفقد كل ضيف: مساحته، وعمقه، وحضوره، وقيمته التحليلية، فيصبح حتى الضيف الجيد صوته أقل من مستواه الحقيقي.

5) إرهاق المشاهد
وهذه نقطة مهمة جدًا. فالمشاهد لا يحب أن يشعر أنه: يلاحق الكلام، ويحاول فهم من يتحدث، أو يعيش حالة توتر سمعي وبصري مستمر، لانك إذا أتعبت المشاهد، سيغادر.

هل يجب وقفها نهائيًا؟
بصيغتها الحالية: نعم، من الأفضل جدًا وقفها أو تجميدها فورًا. ليس لأن فكرة “الطاولة” مستحيلة، بل لأن: النسخة الحالية لا تنتج قيمة تحريرية حقيقية تبرر استمرارها.
القرار المهني الأصح ليس: “نوقفها ونعيد التفكير من الصفر”، لأن بعض الأفكار التلفزيونية لا تحتاج “ترقيعًا”، بل تحتاج: إلغاءً وإعادة تصميم كامل.
البديل الأفضل للجزيرة من خلال خبرتي الذانية

ما هي الخيارات الأخرى إذا أرادت الجزيرة نقاشًا أقوى عميقا مثمرا مفيدا له معنى.. هناك العديد من النماذج 
1) ثنائية قوية
مذيع + ضيفان فقط، وهذا غالبًا أفضل كثيرًا: أوضح، وأعمق، وأهدأ، وأكثر هيبة

2) طاولة مصغّرة جدًا في حالات استثنائية
3 أشخاص فقط كحد أقصى مع: محور واحد، وسؤال واحد واضح، ووقت مضبوط

3) حوار تحليلي متسلسل
بدل وضع الجميع معًا، يتم: إدخال كل ضيف في وقته، لمناقشة محور محدد لبناء الصورة تدريجيًا وهذا أكثر مهنية بكثير.

ادارةاذناعلامالجزيرةحوارسمير الحجاويطاولة نقاشيةقناةمهنيةهمسة
Comments (0)
Add Comment