سمير الحجاوي يكتب: اربطوا مجنون واشنطن

قراءة في تناقضات ترامب

تحول الخطاب السياسي إلى فوضى

مجنون واشنطن: سلطة بلا ضبط

حرب خارج المؤسسات

التناقض كأداة صدمة

ذهول الحلفاء

من يصنع القرار؟

الكلمات كسلاح

إلغاء دور الكونغرس

أزمة النظام الأمريكي

أربعة وجوه للخطاب

وهم النصر وفوضى الحرب

نهاية معلنة وحرب مستمرة

من التفاوض إلى الاستسلام

تهديد حضاري شامل

تصعيد ثم تراجع

مفاوضات تحت الضغط

فائض الرسائل وتشويش المعنى

غموض الهدف الحقيقي

ازدواج الخطاب

ضغط الداخل يغيّر الخطاب

إدارة مأزق الحرب

قوة غير مستقرة

سيولة استراتيجية خطيرة

إرباك عالمي شامل

 

 

تحليل سمير الحجاوي

لم يعد ما يصدر عن دونالد ترامب تجاه إيران مجرد خطاب سياسي حاد، بل بات أقرب إلى مشهد صادم تتكسر فيه قواعد الدولة، وتضطرب فيه حدود القرار، ويختلط فيه الاندفاع الشخصي ببنية سلطة تبدو عاجزة عن ضبط نفسها. تتناقض في اسلوب حكمها بين الاقوال والافعال، والتصعيد الحاد ثم التراجع المفاجئ.

لا شك أننا أمام لحظة أزمة نظام أمريكي ومعضلة صناعة قرار اهوج غير منضبط، وليس ازمة تصريحات لرئيس امريكي يتخبط الى درجة يمكن ان نطلق عليه وصف “مجنون واشنطن” المسكون بالانا والنرجسية وحب السيطرة والظهور الى درجة انه في لحظة من اللحظات اعلن نفسه “مسيحا جديدا” ونشر صورة على حسابه في موقع “تروث سوشال” تؤكد ذلك.. رئيس يحرك الحرب بسرعة أكبر من قدرته على التبرير، وتسبق افعاله أي إطار قانوني أو مؤسسي يضبطها.

سلطة بلا ضبط

الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران لم تُشَن وفق المسارات المعهودة؛ لا تفويض واضح من الكونغرس، ولا غطاء من مجلس الأمن، بل اندفاع أحادي يكشف أن الطبقة الحاكمة في واشنطن بقيادة ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث، احادية التصرف، كلية التحكم، وقادرة على إطلاق حرب بهذا الحجم دون إجماع أو حتى نقاش مكتمل في الكونغرس ومجمل الطبقة السياسية في واشنطن، وهي الطبقة التي تبدو عاجزة عن فعل اي شيء لكبح جماخ دونالد ترامب وادارته. الامر الذي يعبر عن وجود اختلال عميق في نظام الحكم الامريكي الحالي، ويؤكد تحكم “الدولة العميقة الصهيونية والمتصهينة” التي يقودها اللوبي اليهودي والتيار المسيحي المتصهين “ المسيحية الصهيونية” والتي يؤيدها ملايين الانجيليين الصهاينة، والذين يوالون الكيان الاسرائيلي بشكل مطلق

القفر بين نقيضين

في قلب هذا الاضطراب، يظهر خطاب يتقافز بين النقيضين: نصر مُعلن قبل أن تكتمل المعركة، وحرب يُقال إنها انتهت ثم تتوسع، ثم طلب استسلام غير مشروط كشرط لوقف الحرب، ثم مفاوضات “جيدة جدًا” تُعرض في اليوم التالي يواكبها شن حرب عسكرية وقصف ايران.. خطاب لا يستقر، مضطرب مشوش، يقوم أساسًا على إبقاء الجميع في حالة ترقب وصدمة.

ذهول الحلفاء 

الأكثر إثارة أن هذا الاندفاع لم يكن جماعيًا حتى داخل المعسكر الغربي نفسه (امريكا واوروبا). فقد بدت ملامح الذهول واضحة لدى حلفاء حلف شمال الأطلسي، الذين وجدوا أنفسهم أمام حرب غير قانونية لم يشاركوا في صياغة قرارها، ولم يُستشاروا في توقيتها. أما في الخليج العربي، حيث تُفترض أعلى درجات التنسيق الأمني، فقد بدا المشهد أكثر التباسًا، وكأن القرار اتُّخذ خارج دوائر الشراكة التقليدية. وظهر ان هذه الدول العربية الخليجية هي “آخر من يعلم” عن هذه الحرب، والتي تجاهلها الرئيس الامريكي ترامب، ولم يكلف خاطره ان يضعها في الصورة حتى تتخذ حذرها على الاقل,

في المقابل، فأن الطرف الوحيد الذي لم يُفاجأ، بل كان جزءًا من التخطيط والتنسيق في الحرب على ايران، هو العدو الاسرائيلي، ما يعيد طرح السؤال الأخطر: أين يُصنع القرار فعلًا؟ ومن يحدد إيقاع الحرب واتجاهها؟

تصريحات ترامب المتناقضة، تعكس تصدع منطق السياسة في واشنطن. التي يتقدم فيها الخطاب على الاستراتيجية، وتتحول فيها الكلمات إلى أدوات صراع لا تقل خطورة عن الصواريخ.

من يصنع القرار 

وهذا يجعلنا نقرأ تصريحات ترامب بوصفها تعبيرا عن حالة التخبط التي تسود البيت الأبيض، باعتبارها حالة فاقدة للعقل والرشد، مع حقيقة الغاء دور الكونغرس الامريكي، بمجلسيه النواب والشيوخ، واستخدام الاعضاء الجمهوريين في المجلسين كادوات لتوفير درع حماية لـ”مجنون واشنطن” الذي يسكن في البيت الابيض، والذي لا يتردد باعلان نفسه مسيحا جديدا، باعتباره مرسل من الرب لشن الحرب ضد ايران، وتوسيع “إسرائيل الصغيرة الى إسرائيل الكبرى”

تكشف تصريحات ترامب عمق الارتباك الذي يحيط بمستقبل القوة، والعقلانية، والنظام في امريكا، وبالتالي النظام الدولي كله الذي يهيمن عليه البيت الابيض في واشنطن، في زمن تتسارع فيه القرارات وتتفكك معاييرها في نفس الوقت

الخطاب  المتقلب 

من هنا يمكن قراءة تصريحات دونالد ترامب عن إيران منذ بداية الحرب في 28 فبراير 2026 حتى اليوم ( 19 أبريل 2026 ) بوصفها خطابًا متقلبًا يجمع بين أربعة أنماط متزامنة: خطاب الحسم السريع، وخطاب الإبادة أو التدمير الشامل، وخطاب الإملاء السياسي، ثم خطاب الصفقة والتفاوض.

المشكلة الأساسية ليست فقط في حدّة اللغة، بل في أن هذه الأنماط لم تتعاقب بهدوء، بل تداخلت وتزاحمت في فترات قصيرة جدًا، بحيث كان ترامب يعلن اقتراب النصر ثم يوسّع أهداف الحرب، أو يهدد بتدمير حضاري شامل ثم يعود إلى هدنة أو مفاوضات خلال ساعات. وهذا ما يجعل خطابه عن إيران لا يبدو مجرد تصعيد لفظي، بل نموذجًا واضحًا لسياسة اتصال قائمة على الصدمة، والضغط النفسي، وإرباك الخصم، وفي الوقت نفسه إرباك الحلفاء والرأي العام والأسواق. وادخال الجميع في حالة “الجنون”

أهداف ترامب الخيالية  

منذ الأيام الأولى، قدّم ترامب الحرب بوصفها عملية ذات أهداف واضحة ونهائية. في 2 مارس آذار، نقل البيت الأبيض عنه قوله: “أهدافنا واضحة”، ثم عدّدها بصيغة هجومية مباشرة: تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، و”إفناء وسحق” البحرية الإيرانية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ووقف دعمها لحلفائها الإقليميين.

هذه اللغة من قبل  ترامب لا تشير إلى هدف محدود أو ردع موضعي، بل إلى إعادة تشكيل شاملة لقدرات الدولة الإيرانية. من هذه اللحظة، لم تعد الحرب في خطاب ترامب مجرد رد على تهديد محدد، بل مشروعًا لتفكيك عناصر القوة الإيرانية عسكريًا واستراتيجيًا.

لكن أول تناقض كبير ظهر سريعًا في مسألة تعريف النصر نفسه. ففي 11 مارس قال ترامب: “لقد فزنا”، ثم أضاف: “في الساعة الأولى كان الأمر قد انتهى”. ومع ذلك، في اللحظة نفسها تقريبًا، قال أيضًا: “لا نريد أن نغادر مبكرًا.. وعلينا أن نُكمل المهمة”.وهنا يظهر التناقض الجوهري: إذا كانت الحرب قد حُسمت “في الساعة الأولى”، فلماذا الاستمرار؟ وإذا كانت الولايات المتحدة “فازت”، فلماذا الحاجة إلى البقاء من أجل “إنهاء العمل”؟

هذا ليس تناقضًا لغويًا بسيطًا، بل يكشف أن ترامب كان يستخدم كلمة “النصر” بوصفها أداة نفسية داخلية أكثر من كونها توصيفًا عسكريًا دقيقًا. لقد أراد أن يقدّم الحرب لجمهوره باعتبارها ناجحة، لكنه لم يكن مستعدًا سياسيًا أو عسكريًا لتحويل هذا الإعلان إلى نهاية فعلية للقتال.

هذا التناقض في تعريف النصر اتصل بتناقض ثانٍ في الزمن السياسي للحرب. ففي 31 مارس آذار قال إن الولايات المتحدة قد تنهي حملتها العسكرية خلال “أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع”، ثم في 1 أبريل نيسان قدّم البيت الأبيض العملية كأن أهدافها تكاد تتحقق “قريبًا جدًا”، مع استمرار الضربات. هنا يتكرر النمط نفسه: تقريب نهاية الحرب خطابيًا مع إبقاء أبواب التصعيد مفتوحة عمليًا. والنتيجة أن خطاب ترامب كان ينتج انطباعًا مزدوجًا: من جهة، طمأنة القاعدة الداخلية بأن النهاية قريبة؛ ومن جهة أخرى، تهيئة نفسية لاستمرار الحرب وتمددها إذا لزم الأمر. هذا النمط شائع في الحروب الطويلة حين تشعر القيادة بالحاجة إلى إدارة التوقعات لا إدارة الوقائع فقط.

الاستسلام غير المشروط 

أما أكثر تجليات الارتباك حدة فظهرت في الانتقال من منطق التفاوض إلى منطق الاستسلام. ففي 6 مارس آذاركتب ترامب: “لن تكون هناك صفقة مع إيران إلا الاستسلام غير المشروط”. هذه العبارة لا تضع شروطًا تفاوضية، بل تلغي التفاوض أصلًا وتحوّل نهايته إلى استسلام كامل. والأهم أنه لم يكتف بذلك، بل أضاف حديثًا عن اختيار “قائد عظيم ومقبول” لإيران بعد الاستسلام.

لا يعود الحديث هناعن وقف حرب أو تفكيك برنامج نووي، بل عن إعادة هندسة النظام السياسي الإيراني من الخارج. ما يفسر لماذا بدا خطابه في تلك المرحلة غير قابل للجسر دبلوماسيًا: لأنه رفع سقف النهاية إلى حد يصعب معه التراجع دون كلفة رمزية.

التراجع دون اعتراف 

بعد هذا السقف المطلق، بدأ ترامب نفسه بالتراجع عنه دون الاعتراف الصريح بذلك. ففي 14 مارس آذار رفض جهودًا لبدء محادثات وقف إطلاق النار، واعتُبر غير مهتم بها في تلك اللحظة، وبعد تسعة أيام فقط، في 23 مارس آذار، تحدث عن وجود “نقاط اتفاق كبرى” مع إيران. وبعدها بيوم، 24 مارس آذار ، قال إن الولايات المتحدة تتحدث إلى “الأشخاص المناسبين” داخل إيران، وإن الإيرانيين يريدون الوصول إلى صفقة “بشدة”.

هذا التحول من “الاستسلام غير المشروط” إلى “نقاط اتفاق كبرى” ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل انتقال من منطق الإملاء الكامل إلى منطق المساومة. وهو انتقال جرى من دون شرح علني لكيفية تغير الشروط أو سبب تغيرها. لذلك بدا الخطاب مرتبكًا؛ ليس لأنه تليّن فقط، بل لأنه اظهر “ليونة” دون الاعتراف بأنه تراجع عن أقصى شروطه السابقة.

الحرب بوصفها صفقة 

ارتباك ترامب لا يمكن فصله عن طبيعة شخصية السياسية وخطابه التفاوضي المعروف: يبدأ من أقصى نقطة ممكنة، ثم يتعامل مع أي تراجع عنها بوصفه جزءًا من صناعة الصفقة. لكن تطبيق هذا الأسلوب على الحرب لا يشبه تطبيقه على التجارة أو العقارات. ففي الحروب، كل عبارة عن “الاستسلام غير المشروط” أو “اختيار قائد جديد” أو “الانتهاء في أسبوعين” تخلق توقعات عسكرية وسياسية واستراتيجية. وعندما تتبدل بسرعة، لا تبدو كتكتيك تفاوضي ناجح، بل كعلامة على غياب تعريف ثابت للغاية النهائية للحرب. ولهذا فان أسباب الحرب وأهدافها وجدولها الزمني في خطاب ترامب كانت شهدت تحولات دراماتيكية “مجنونة” مع مرور الأيام.

الليلة ستموت حضارة كاملة

الذروة الأخطر في هذا الخطاب جاءت في 7 أبريل نيسان، عندما كتب ترامب: “الليلة ستموت حضارة كاملة ولن تعود أبدًا”. هذه العبارة ليست مجرد تهديد عسكري؛ إنها انتقال من لغة تدمير القدرات إلى لغة التدمير الحضاري. ولهذا اكتسبت صفة الصدمة العالمية، فحين يهدد رئيس أمريكي بأن “حضارة كاملة” قد تموت، فإنه لا يتحدث عن مواقع عسكرية أو قيادة سياسية فقط، بل يستدعي خيالًا كارثيًا واسعًا يتجاوز حتى منطق الردع التقليدي. الامر الذي يكشف أن خطاب ترامب يعتمد على المبالغة الوجودية: تحويل الأزمة إلى لحظة نهاية تاريخية، بما يضاعف الضغط النفسي لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة التراجع لاحقًا.

ابتزاز ايران والحلفاء والأعداء 

التناقض الثالث، وربما الأكثر فجاجة: في اليوم نفسه تقريبًا الذي هدّد فيه بموت “حضارة كاملة”، يوافق على هدنة لمدة أسبوعين. رويترز قبل انتهاء المهلة بساعتين، وبذلك تراجع عمليًا عن تهديده السابق. ما يكشف أن خطابه كان يتحرك بين أقصى التهديد وأقرب التراجع في نافذة زمنية ضيقة جدًا.

التحليل الأعمق هو أن ترامب لم يكن يستخدم التصعيد من أجل التعبير عن قرار نهائي، بل من أجل خلق ذروة نفسية تسمح له بعد ذلك بتقديم أي تراجع تكتيكي على أنه إنجاز تفاوضي. لكن هذا الأسلوب نفسه ينتج تشويشًا شديدًا: هل التهديدات كانت جادة أصلًا، أم أداة ابتزاز تفاوضي؟ وإذا كانت أداة ابتزاز، فكيف يثق الخصم لاحقًا في أي عرض أو مهلة؟

هذا النمط استمر في منتصف أبريل نيسان أيضًا. ففي 18 من هذا الشهر قال ترامب إن هناك “محادثات جيدة جدًا” مع إيران، لكنه قال كذلك إن إيران لا تستطيع “ابتزاز” الولايات المتحدة، وإنه قد ينهي الهدنة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مع استمرار الحصار على الموانئ الإيرانية.

ترامب جمع في جملة سياسية واحدة بين لغة التقدم الدبلوماسي ولغة التهديد بإعادة الحرب. وهذا ليس مجرد ازدواج في النبرة، بل هو بنية خطابية ثابتة عند ترامب: لا يسمح للسلام بأن يظهر بوصفه تنازلًا، ولا يسمح للحرب أن تبدو مأزقًا، فيمزج الاثنين معًا في خطاب واحد. والنتيجة أن التفاوض ذاته يصبح مغمورًا بالتهديد، والتهديد يصبح مشروطًا بإمكانية صفقة قريبة.

تقنيات ترامب المتداخلة:

من زاوية الخطاب السياسي، يمكن القول إن ترامب كان يستخدم ثلاث تقنيات متداخلة:

الأولى: هي التضخيم، كما في “انتهت في الساعة الأولى” و”حضارة كاملة ستموت الليلة”.

الثانية: هي المرونة غير المعلنة، إذ يغيّر شروطه من استسلام كامل إلى تفاهمات جزئية دون أن يسمّي ذلك تراجعًا.

الثالثة: هي إبقاء جميع المسارات مفتوحة لفظيًا: النصر، الحرب الطويلة، الهدنة، المفاوضات، اختيار قيادة جديدة، كلها تبقى ممكنة في الوقت نفسه.

هذه التقنيات قد تكون نافعة في شد انتباه الإعلام والسيطرة على دورة الأخبار، لكنها في سياق حرب معقدة تنتج ما يمكن وصفه بـ فائض الإشارة: كثرة الرسائل إلى حدّ يجعل الرسالة نفسها غير مستقرة، وهو الامر الذي يعرفه جيدا خبراء الاعلام والاستراتيجية.

غموض الغايات وتعثر الحسم 

على مستوى المضمون الاستراتيجي، كشفت تناقضات ترامب غموضًا حول السؤال الاساسي: ما الذي يريده فعلًا من إيران؟ هل يريد منعًا نوويًا فقط؟ أم تدميرًا عسكريًا شاملًا؟ أم تغييرًا للنظام؟ أم إذلالًا تفاوضيًا عبر “الاستسلام غير المشروط”؟ أم اتفاقًا طويل الأجل مع النظام نفسه؟

خطاباته وتصريحاته وتغريداته تظهر أنه تبنى كل هذه الأهداف بدرجات مختلفة وفي أوقات مختلفة. وهذا مهم، لأن الحرب التي لا تملك غاية سياسية مستقرة تتحول غالبًا إلى حرب تتوسع أهدافها كلما تعثر حسمها. وهنا بالضبط يظهر الفرق بين وضوح الشعارات وغموض الغايات: شعار “أهدافنا واضحة” كان قويًا بلاغيًا، لكن مجرى التصريحات اللاحق أظهر أن الوضوح كان أقل مما زُعم.

ترامب يخوض حربين 

على الصعيد النفسي، تشير هذه التناقضات إلى أن ترامب كان يخاطب جمهورين في وقت واحد. كان يخاطب الداخل الأمريكي بلغة النصر السريع والحسم والقوة، كي لا تبدو الحرب عبئًا سياسيًا مفتوحًا من جهة. ويخاطب إيران بلغة الصدمة والإنذار والمهلات القصيرة، من جهة اخرى، كي تبدو الولايات المتحدة مستعدة للذهاب إلى أقصى مدى. لكنه حين يخاطب جمهورين بمنطقين مختلفين في الوقت نفسه، تتولد التناقضات تلقائيًا. فالجمهور الداخلي يريد نهاية قريبة ومنخفضة الكلفة، بينما خطاب الإكراه للخصم يحتاج إلى استعداد معلن للتصعيد وربما التورط الطويل. لذلك جاءت تصريحات ترامب وكأنها تحاول الجمع بين حرب قصيرة في المخيال الداخلي وحرب قصوى في المخيال الخارجي، وهو جمع غير مستقر بطبيعته.

نوبات التشدد والانفتاح 

كما أن ضغط الوقائع ساهم في هذا الارتباك، ويربط بين تعثر الخروج من الحرب وبين ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط السياسية الداخلية. وعندما تواجه القيادة كلفة داخلية متزايدة، لكنها لا تريد الاعتراف بأن الحرب دخلت مأزقًا، فإنها تلجأ غالبًا إلى تناوب بين التشدد اللفظي والانفتاح التفاوضي.

وهذا ما فعله ترامب تقريبًا: كلما تصاعدت كلفة الاستمرار، عاد ليتحدث عن اتفاق قريب أو محادثات “جيدة جدًا”؛ وكلما خشي أن يُقرأ ذلك بوصفه تراجعًا، عاد إلى التهديد والاستسلام والإبادة الحضارية. هذا التذبذب ليس عرضًا جانبيًا، بل هو في جوهره محاولة لإدارة مأزق مزدوج: مأزق الحرب ومأزق الصورة السياسية معًا.

خطاب غير مستقر 

ما يقوله ترامب عن إيران منذ بداية الحرب حتى الآن يمكن وصفه بأنه خطاب قوة غير مستقرة. هو شديد، هجومي، ومشحون بعبارات قصوى، لكنه يفتقر إلى الثبات في تعريف الغاية، وفي شروط النهاية، وفي تقدير الزمن، وفي حدود التفاوض. ومن هنا ينبع التشويش: ليس فقط لأن العبارات متناقضة، بل لأن كل عبارة تكاد تنقض الإطار الذي بنت عليه العبارة السابقة. يقول “انتصرنا” ثم يواصل الحرب. ويقول “لا صفقة إلا بالاستسلام غير المشروط” ثم يتحدث عن “نقاط اتفاق كبرى”. ويهدد بأن “حضارة كاملة ستموت الليلة” ثم يوافق على هدنة خلال ساعات. ويتحدث عن محادثات “جيدة جدًا” بينما يلوّح بإنهاء الهدنة واستئناف الضغط. هذا التناقض والتحول والقفز ليس مجرد تذبذب في الانفعال، بل بنية سياسية كاملة قوامها الإكراه اللفظي مع قابلية دائمة للتراجع التكتيكي.

السيولة الاستراتيجية العمياء 

تناقضات ترامب هي جوهر هذا خطاباته غير المنضبطة. لإنه لا يراها  عيبًا بالضرورة، بل أداة. يرفع السقف إلى أقصى حد، ثم يهبط منه جزئيًا، ثم يعاود رفعه. بهذه الطريقة يبقى هو مركز المشهد، ويبقى الجميع في حالة انتظار لرسالته التالية. لكن في حالة إيران، أدت هذه الطريقة إلى ارتباك حقيقي في فهم ماذا يريد سيد البيت الابيض او ” المسيح الجديد”

إن التحليل الأدق لخطاب ترامب لا يقف عن حدود عدوانيته واعلانه عن رغبته بالابادة والتدمير واعادة ايران الى “العصر الحجري”، بل يمكنني وصفه  بخطاب “السيولة الاستراتيجية” التي تحتوي على كثير من الالفاظ والتعابير القوية، وكثير من الغموض في النهايات، والاهداف المتوخاة، ما يضع الجميع، اصدقاء واعداء، في خانة من الارباك والتشويش وعدم الفهم، أوما يمكن ان يطلق عليه “العمى الشامل” الذي يمكن ان يدمر العالم.

هذه السيولة العمياء عند ترامب خطيرة الى درجة يمكن أن تمهد السبيل لحقبة من الخراب والدمار تؤهله للحصول على لقب “مجنون واشنطن”.. وهو مجنون يحتاج، على اية حال، الى ربط ولجم، وما عدا ذلك فسيدمر اصدقاءه وحلفاءه قبل اعدائه.

 

اربطوااربطوا مجنون واشنطناسرائيلالخليج العربيالعدو الاسرائيليالكيان الاسرائيليامريكاايرانترامبتناقضاتحربخطابمجنونواشنطن
Comments (0)
Add Comment