سمير الحجاوي
تلوح في الأفق، وللمرة الأولى منذ قيام الكيان الإسرائيلي الصهيوني، إمكانية أن يواجه سيناريو تاريخيًا غير مسبوق يتمثل في تآكل أسسه الاستراتيجية إلى الحد الذي قد يفضي في نهاية المطاف إلى اختفائه من الخريطة السياسية للمنطقة.
وفي ظل هذا الإدراك المتنامي داخل دوائر القرار الاستراتيجي الإسرائيلي، يمكن قراءة الحروب المتزامنة التي يخوضها هذا الكيان في الوقت الراهن – سواء في قطاع غزة، أو لبنان، أو إيران – بوصفها تعبيرًا عن مرحلة قلق وجودي عميق، تتجاوز في طبيعتها منطق الصراعات التقليدية على النفوذ أو الأمن.
ولهذا ينظر الكيان الإسرائيلي إلى حربه ضد إيران باعتبارها حرب وجود ذات نتيجة صفرية؛ أي معركة لا مكان فيها لبقاء النظام الإيراني، الذي يُنظر إليه بوصفه آخر معقل متمرد يشكل خطرًا وجوديًا على المشروع الصهيوني من وجهة نظر قادته. وفي هذا السياق تُقدَّم هذه الحرب باعتبارها معركة لا بد منها لإخضاع غزة وحزب الله في لبنان، وإدخالهما في دائرة الردع والطاعة الإسرائيلية.
ومن هنا فإن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، التي اندلعت بعد هجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، ليست مجرد عملية عسكرية محدودة الأهداف، بل تحولت إلى محاولة إسرائيلية لاستعادة معادلة الردع التي تعرضت لهزة غير مسبوقة. كما تمثل في جوهرها محاولة يائسة لإنقاذ الكيان من هزيمة وجودية قد تفضي، في نهاية المطاف، إلى اختفائه من الخريطة، وذلك بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وعند النظر إلى المشهد الممتد من غزة إلى لبنان وصولًا إلى إيران، يتضح أن الإقليم دخل مرحلة تجميع لبؤر التوتر وتحويلها إلى حريق جيوسياسي واسع، أو حرب كبرى، قد تمتد لتجر إليها العراق وسوريا واليمن ودول الخليج العربية.
ففي لبنان تمثل حرب التدمير الإسرائيلية، واحتمالات توسيعها، جزءًا من معركة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في شمال فلسطين المحتلة.
أما الحرب ضد إيران، فتمثل في العقيدة الأمنية الإسرائيلية محاولة لضرب البنية الاستراتيجية التي ترى تل أبيب أنها تشكل التهديد الأعمق لمشروعها الإقليمي.
وعند قراءة هذه المسارات الثلاثة – غزة ولبنان وإيران – ضمن إطار تحليلي واحد، يتضح أن المنطقة تشهد انتقالًا من مرحلة الصراعات المتفرقة إلى مرحلة المواجهة الإقليمية المركبة متعددة الجبهات.
ففي مثل هذه اللحظات التاريخية، تميل الكيانات السياسية التي تشعر بأن مشروعها التاريخي يقترب من مرحلة الأفول إلى تبني استراتيجيات تصعيد قصوى، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الإقليمي والدولي.
ومن هذا المنظور يمكن فهم التصعيد العسكري المتزامن في غزة ولبنان وإيران بوصفه محاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بالقوة، في سياق سعي محموم لاستعادة التوازنات الاستراتيجية الإسرائيلية التي أخذت بالتآكل خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ هجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023.
غير أن التاريخ السياسي يبين أن مثل هذه اللحظات المفصلية غالبًا ما تكون محملة بدرجات عالية من المخاطرة الاستراتيجية، حيث قد يتحول التصعيد الذي يُراد منه تثبيت النظام القائم إلى عامل يُسرّع التحولات البنيوية التي تهدد هذا النظام ذاته.
وعلى هذا الأساس، فإن الحروب المتزامنة التي يخوضها الكيان الإسرائيلي الصهيوني في غزة ولبنان وإيران لا يمكن فهمها بوصفها مجرد حلقات منفصلة في سلسلة صراعات، بل باعتبارها تعبيرًا عن مرحلة تاريخية حرجة قد تعيد رسم ملامح الصراع في الشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي خلال السنوات القادمة.