هل تُفكّك الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران الشرق الأوسط؟
تقرير: سمير الحجاوي
مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يطرح مراقبون وخبراء سؤالاً استراتيجياً يتجاوز حدود الحرب نفسها: هل يمكن أن تقود هذه المواجهة إلى تفكك الشرق الأوسط وإعادة تشكيل خريطته السياسية؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً في ظل دخول عوامل متعددة في الصراع، ليس فقط الجيوسياسية والاقتصادية، بل أيضاً العوامل الأيديولوجية والدينية، وهو ما سبق أن حذّر منه عدد من أبرز المفكرين والاستراتيجيين الذين درسوا بنية الصراع في المنطقة، وفي مقدمتهم هنري كيسنجر ومحمد حسنين هيكل وعبد الله النفيسي.
كيسنجر يحذر من انهيار الدول
يرى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر أن أخطر ما يهدد الشرق الأوسط ليس فقط الحروب بين الدول، بل انهيار الدول نفسها. ففي كتابه «النظام العالمي» الصادر عام 2014 كتب أن «تفكك الدول في الشرق الأوسط يمثل خطراً أكبر من الصراع بين الدول». ويشير كيسنجر إلى أن المنطقة لم تتمكن حتى الآن من بناء نظام إقليمي مستقر منذ انهيار الترتيبات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، مؤكداً أن «الشرق الأوسط لم ينجح بعد في إنشاء نظام إقليمي مستقر على غرار ما حدث في أوروبا بعد معاهدة وستفاليا».
ويضيف كيسنجر أن الصراع في المنطقة يتجاوز التنافس التقليدي بين الدول، إذ يشهد الشرق الأوسط «صراعاً بين مفهوم الدولة القومية ومفهوم الثورة الأيديولوجية العابرة للحدود». ويرى أن هذا البعد الأيديولوجي يجعل النزاعات أكثر تعقيداً ويصعب احتواؤها ضمن إطار سياسي تقليدي.
هيكل: الشرق الأوسط عقدة مصالح دولية
أما محمد حسنين هيكل فقد قدّم قراءة تاريخية أوسع للصراعات في المنطقة تقوم على فكرة تشابك المصالح الدولية. ففي كتابه «مدافع آية الله: قصة إيران والثورة» كتب أن «السياسة ليست أخلاقاً مطلقة، لكنها ليست أيضاً انعداماً للأخلاق»، في إشارة إلى أن المصالح الاستراتيجية غالباً ما تكون العامل الحاسم في إدارة الصراعات الدولية.
كما أكد هيكل في تحليلاته أن «الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة جغرافية، بل عقدة مصالح دولية»، وهو ما يفسر استمرار التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة، خاصة في ظل أهميتها الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية.
النفيسي: الحرب العقائدية
إلى جانب البعد الجيوسياسي، يرى عدد من المحللين أن الصراع المتصاعد بين إسرائيل وإيران قد يفتح الباب أمام دخول العامل الديني بقوة في المعادلة الإقليمية. فإسرائيل تقدم نفسها بوصفها دولة يهودية في قلب منطقة عربية وإسلامية، بينما تقدم إيران مشروعها السياسي في كثير من الأحيان بوصفه مشروعاً ذا بعد عقائدي مرتبط بالثورة الإسلامية.
وفي هذا السياق حذّر كيسنجر من أن الصراع في الشرق الأوسط يحمل طابعاً حضارياً وأيديولوجياً يتجاوز حدود السياسة التقليدية، مشيراً إلى أن التوترات في المنطقة كثيراً ما تتغذى من عوامل الهوية الدينية والطائفية.
صراع المشاريع الكبرى
أما المفكر الكويتي عبد الله النفيسي فيرى أن ما يجري في الشرق الأوسط يتجاوز النزاعات التقليدية بين الدول ليصل إلى ما يسميه «صراع المشاريع الكبرى». ففي إحدى محاضراته حول الاستراتيجية الأمريكية في الخليج قال إن «الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ليس لحماية الأنظمة بقدر ما هو لحماية المصالح الاستراتيجية».
ويضيف النفيسي أن «المنطقة العربية تعيش صراع مشاريع كبرى وليس مجرد صراع حدود»، في إشارة إلى التنافس بين مشاريع إقليمية مختلفة، بعضها سياسي وبعضها أيديولوجي أو ديني.
المنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل
في ضوء هذه التحليلات يرى مراقبون أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد تكون جزءاً من تحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فبين تحذيرات كيسنجر من انهيار الدول، وتحليل هيكل لتشابك المصالح الدولية، ورؤية النفيسي لصراع المشاريع الكبرى، يبرز احتمال دخول المنطقة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات السياسية.
ومع دخول العامل الديني والأيديولوجي إلى ساحة الصراع، يخشى محللون من أن تتحول المواجهة إلى صراع طويل متعدد الأبعاد، يجمع بين التنافس الجيوسياسي والاقتصادي والعقائدي، وهو ما قد يزيد من مخاطر اتساع الحرب ويجعل مستقبل الشرق الأوسط أكثر غموضاً وتعقيداً.