سمير الحجاوي يكتب: الخليج العربي.. توازنات القوة العابرة للقارات

سمير الحجاوي

يستدعي الاجتماع الاستثنائي الذي عُقد في الرياض بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ووزيرة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية في المملكة المتحدة، إيفيت كوبر، قراءة تحليلية تتجاوز المستوى الدبلوماسي التقليدي إلى مستوى التحليل الاستراتيجي الأعمق. ويبرز في هذا السياق النص الذي ورد فيه:

“كما شدد على أن أمن واستقرار منطقة الخليج يمثلان ركائز أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، ويرتبطان ارتباطاً وثيقاً بأمن المملكة المتحدة والأمن الدولي، مشيدا بالمساهمات المهمة التي تقدمها المملكة المتحدة في دعم أمن المنطقة، ومعربا عن تقديره لقرار المملكة المتحدة الأخير، بشأن تعزيز القدرات الدفاعية في المنطقة، بما في ذلك من خلال مشاركة طائرات التايفون التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في العمليات الدفاعية”.

تحولات استراتيجية عميقة 

تعكس هذه الفقرة في البيان تحولات عميقة في الخطاب الاستراتيجي المرتبط بأمن الخليج، فهو يؤدي أربع وظائف أساسية في الوقت نفسه: إعادة تعريف أمن الخليج بوصفه مصلحة عالمية، وربطه مباشرة بالأمن القومي البريطاني، ومنح شرعية سياسية للحضور العسكري البريطاني في المنطقة، إضافة إلى توجيه رسالة ردع ضمنية في سياق التوترات الإقليمية مع إيران.

يعتمد النص الوارد في البيان على بنية لغوية مركبة تجمع بين الاقتصاد والأمن، وبين المستويين الإقليمي والدولي، وبين المرجعيات القانونية والأبعاد العسكرية. وهذه الصياغة ليست محايدة من منظور التحليل الاستراتيجي، بل تمثل نموذجاً واضحاً لما يمكن وصفه بإنتاج الشرعية عبر الخطاب السياسي. فهي تخاطب عدة مستويات في آن واحد: المستوى الإقليمي عبر التأكيد على أهمية الشراكة الأمنية مع بريطانيا، والمستوى الداخلي البريطاني عبر تبرير الانخراط العسكري باعتباره جزءاً من حماية الأمن القومي، والمستوى الدولي عبر ربط استقرار الخليج باستقرار الاقتصاد العالمي، وأخيراً المستوى الردعي نحو إيران عبر إيصال رسالة مفادها أن أي تصعيد لن يظل محصوراً ضمن نطاق المواجهة الإقليمية.

 أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي 

يكتسب الربط بين “أمن واستقرار منطقة الخليج” و”استقرار الاقتصاد العالمي” أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه يعيد إنتاج معادلة جيوسياسية راسخة في الفكر الاستراتيجي الغربي. فالموقع المركزي للخليج في منظومة الطاقة العالمية يجعل استقراره شرطاً أساسياً لاستقرار الاقتصاد الدولي. وبهذا المعنى، ينتقل أمن المنطقة من كونه شأناً إقليمياً إلى كونه مسألة ترتبط مباشرة ببنية النظام الاقتصادي العالمي. وتتيح هذه المقاربة للقوى الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا، تقديم انخراطها الأمني في الخليج بوصفه مساهمة في حماية الاستقرار الاقتصادي الدولي، وليس مجرد تدخل في توازنات إقليمية.

الخليج ومعادلة الأمن البريطاني

غير أن البعد الأكثر دلالة يظهر في الربط المباشر بين أمن الخليج وأمن المملكة المتحدة. فهذه الصياغة تنقل العلاقة من مستوى التضامن السياسي إلى مستوى المصلحة القومية البريطانية المباشرة، بحيث يصبح استقرار الخليج جزءاً من معادلة الأمن القومي البريطاني. ومن منظور الدراسات الاستراتيجية، يترتب على ذلك إضفاء شرعية إضافية على أي حضور عسكري أو استخباراتي بريطاني في المنطقة، لأنه يعاد تقديمه بوصفه إجراءً دفاعياً لحماية المصالح الوطنية، لا مجرد دعم لحلفاء إقليميين.

 الشرعية الدولية والقبول الإقليمي 

في السياق ذاته، فإن الإشارة إلى “المساهمات المهمة التي تقدمها المملكة المتحدة في دعم أمن المنطقة” تتجاوز وظيفتها البروتوكولية المعتادة. فهذه الصياغة تؤدي دوراً مهماً في تثبيت شرعية الحضور البريطاني باعتباره شراكة أمنية معترفاً بها إقليمياً، وليس مجرد تدخل خارجي. ومن خلال هذا الإطار، يُقدَّم الدور البريطاني بوصفه جزءاً من منظومة أمن إقليمي قائمة على التعاون مع دول الخليج نفسها، وهو ما يمنحه غطاءً سياسياً مزدوجاً يجمع بين الشرعية الدولية والقبول الإقليمي.

ويتضح الطابع العملي لهذا الدور في الإشارة إلى قرار لندن تعزيز قدراتها الدفاعية في المنطقة. فهذه العبارة تدل على انتقال الانخراط البريطاني من مستوى الدعم السياسي إلى مستوى الحضور العسكري الفعلي، كما تمنح صانع القرار البريطاني هامشاً واسعاً من المرونة الاستراتيجية، إذ تفتح المجال أمام مجموعة متنوعة من الإجراءات المحتملة، مثل تعزيز الدفاعات الجوية، وتكثيف النشاط الاستخباراتي، والمشاركة في حماية الممرات البحرية، أو توسيع نطاق التعاون العملياتي مع الجيوش الخليجية.

أما ذكر مشاركة طائرات التايفون التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، فيحمل دلالة ردعية واضحة. فهذه الطائرات تمثل إحدى أهم ركائز التفوق الجوي البريطاني، والإشارة إليها تعني عملياً استعداد لندن للمشاركة المباشرة في منظومة الدفاع الجوي في المنطقة. وبهذا المعنى، يمكن فهم هذه الإشارة بوصفها إعلاناً ضمنياً عن مظلة ردع غربية تتجاوز القدرات الدفاعية المحلية لدول الخليج.

استعادة الدور البريطاني 

من منظور استراتيجي أوسع، يكشف هذا الخطاب عن محاولة بريطانية لإعادة تثبيت موقعها كفاعل أمني رئيسي في الخليج بعد عقود من تراجع حضورها المباشر منذ انسحابها العسكري شرق السويس عام 1971. فمع التحولات المتسارعة في النظام الدولي، وسعي لندن إلى إعادة تعريف دورها العالمي بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، يبدو الخليج أحد المجالات الحيوية التي تسعى من خلالها بريطانيا إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي. ولا يعني ذلك بالضرورة تقليص الدور الأمريكي، بل يشير إلى محاولة لاستعادة دور مستقل نسبياً ضمن المنظومة الأمنية الغربية في المنطقة.

إعادة تعريف أمن الخليج

ومن زاوية تحليلية مستمدة من أدبيات ما بعد الاستعمار، يمكن النظر إلى هذا المشهد بوصفه استمراراً لأنماط تاريخية في إدارة الأمن الإقليمي في الخليج. فالقوى الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة، لا تظهر في هذا السياق بوصفها أطرافاً خارجية محايدة، بل بوصفها ضامناً رئيسياً للأمن الإقليمي. وفي المقابل، يُعاد تعريف أمن الخليج ضمن منظومة تعتمد بدرجة كبيرة على القدرات العسكرية والتكنولوجية الغربية. وعلى الرغم من أن هذا الترتيب يجري اليوم ضمن إطار تحالفات رسمية وبموافقة الدول المعنية، فإنه يعكس استمرار بنية غير متكافئة في توزيع القوة على المستوى الإقليمي.

الأمن المستورد

تكشف هذه المعادلة عن مفارقة بنيوية في النظام الأمني الخليجي. فمن جهة، تسعى دول المنطقة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية، ومن جهة أخرى يظل الاستقرار الإقليمي مرتبطاً بدرجة كبيرة بضمانات أمنية خارجية تقدمها القوى الكبرى. وفي هذا الإطار، يمكن وصف النمط السائد بأنه أقرب إلى نموذج “الأمن المستورد” أو الأمن المشترك مع القوى الدولية، أكثر من كونه منظومة أمن إقليمي مستقلة ومتكاملة.

هذا التطور لا يمثل مجرد صياغة دبلوماسية عابرة، بل يعكس بنية أوسع من التوازنات الاستراتيجية التي تحكم أمن الخليج في المرحلة الراهنة والمستقبل، حيث يتقاطع الأمن الإقليمي مع مصالح القوى الكبرى وحسابات الاقتصاد العالمي في نظام دولي يشهد تحولات عميقة ومتسارعة.

 

وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ووزير الخارجية البريطانية ايفيت كوبر
اسرائيلالامن الخليجيالتعاونالحربالخليجالخليج العربيالخليجيالعربيالكيان الاسرائيليامنايرانبريطانياتحولات استراتيجيةحربدولمجلس
Comments (0)
Add Comment