البابور العربي – تقرير
تحشد الولايات المتحدة الأمريكية المزيد من القوات، استعدادًا على ما يبدو لغزو بري لإيران، رغم وجود نحو 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة بالفعل، في وقت تواصل فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحديث عن مسار تفاوضي لاحتواء المواجهة مع طهران.
وتتواصل التحركات العسكرية الأمريكية الواسعة في منطقة الخليج العربي، وتشمل هذه التحركات نشر سفن حربية برمائية، وزوارق إنزال، وآلاف من مشاة البحرية والبحارة، الامر الذي يؤكد التكهنات بشأن احتمال إقدام الولايات المتحدة على عملية برية للسيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، الواقعة قبالة الساحل الإيراني في الخليج، والتي تُعد الشريان النفطي الأهم لطهران، إذ تمر عبرها قرابة 90% من صادرات إيران من النفط الخام.
وأفادت شبكة CNN، نقلًا عن مسؤولين ومصادر مطلعة، بأن واشنطن دفعت أو تستعد لدفع نحو 10 آلاف جندي إضافي إلى الشرق الأوسط، ضمن تحركات عسكرية متسارعة تشمل قوات برية ووحدات بحرية وبرمائية، في مؤشر على اتساع نطاق الاستعدادات الأمريكية في المنطقة.
ألف جندي من الفرقة 82 المحمولة جوًا
وبحسب المصادر، تستعد الولايات المتحدة لنشر أكثر من ألف جندي من الفرقة 82 المحمولة جوًا التابعة للجيش الأمريكي خلال الأيام المقبلة، مع احتمال إرسال مزيد من القوات إذا اقتضت التطورات الميدانية ذلك. وأضافت أن هذه القوة تضم كتيبة من الفريق القتالي للواء الأول.
وفي السياق ذاته، نقلت الشبكة عن مسؤولين أمريكيين أن وزارة الدفاع الأمريكية غيّرت مسار وتسريع نشر “الوحدة الاستكشافية الحادية عشرة لمشاة البحرية” ومجموعة “بوكسر البرمائية الجاهزة” باتجاه الشرق الأوسط، دون تأكيد ما إذا كان الانتشار سيشمل كامل القوة أو عناصر محددة منها.
9000 جندي من مشاة البحرية والبحارة
وتضم هذه المجموعة نحو 4500 عنصر من مشاة البحرية والبحارة، وتوفر قدرات قتالية ولوجستية وجوية، إضافة إلى وحدات مؤهلة لتنفيذ عمليات خاصة.
كما يجري، وفق التقرير، نشر مجموعة برمائية ثانية إلى المنطقة، تضم آلافًا من عناصر الوحدة الاستكشافية الحادية والثلاثين لمشاة البحرية المتمركزة في أوكيناوا اليابانية، ( تقدر بنحو 4500 جندي) في وقت تم فيه رصد السفينة الحربية البرمائية الأمريكية “يو إس إس طرابلس” وهي تقترب من سنغافورة خلال الأسبوع الماضي.
50 ألف جندي أمريكي في المنطقة
وكانت القيادة المركزية الأمريكية قد أعلنت أن نحو 50 ألف جندي أمريكي موجودون بالفعل في منطقة الشرق الأوسط، وذلك قبل احتساب أي تعزيزات إضافية تم إرسالها مؤخرًا أو يجري تجهيزها للنشر.
ويأتي هذا الحشد العسكري في وقت تؤكد فيه واشنطن أنها تعمل على إجراء محادثات مع إيران واحتواء الحرب، غير أن حجم التعزيزات العسكرية وطبيعة الوحدات التي يجري تحريكها يشيران إلى أن الولايات المتحدة تستعد لخيارات ميدانية أوسع تتجاوز مجرد الضغط السياسي أو الردع المحدود.
هل تخطط واشنطن للاستيلاء على جزيرة خرج؟
في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “الحرب قد كُسبت” مع إيران، ولوّح بإرجاء استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لإفساح المجال أمام المسار التفاوضي، تتواصل في المقابل تحركات عسكرية أمريكية واسعة في المنطقة، شملت نشر سفن حربية برمائية، وزوارق إنزال، وآلاف من مشاة البحرية والبحارة.
وقد أثارت هذه التحركات موجة متصاعدة من التكهنات بشأن احتمال إقدام الولايات المتحدة على عملية برية للسيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، الواقعة قبالة الساحل الإيراني في الخليج، والتي تُعد الشريان النفطي الأهم لطهران، إذ تمر عبرها قرابة 90% من صادرات إيران من النفط الخام.
ورغم أن السيطرة على الجزيرة – إذا حدثت – قد تمثل ضربة اقتصادية قاسية لإيران، فإن خبراء ومسؤولين عسكريين سابقين شككوا في ما إذا كانت هذه الخطوة ستمنح واشنطن نفوذًا استراتيجيًا كافيًا لإجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز، في ظل أزمة طاقة عالمية متصاعدة ومخاطر عسكرية هائلة.
ما هي جزيرة خرج ولماذا تمثل هدفًا استراتيجيًا؟
تُعد جزيرة خرج شريطًا صغيرًا من اليابسة يمتد لنحو 8 كيلومترات قبالة الساحل الإيراني، وتبلغ مساحتها نحو 20 كيلومترًا مربعًا، إلا أن أهميتها تتجاوز حجمها الجغرافي بكثير.
وقد وصفها مسؤولون أمريكيون بأنها “نقطة الارتكاز لجميع إمدادات النفط الإيرانية”، بفضل ما تحتويه من أرصفة بحرية طويلة تمتد داخل مياه عميقة قادرة على استقبال ناقلات النفط العملاقة، ما يجعلها مركزًا حيويًا لتخزين وتصدير النفط الإيراني.
وتؤكد وثيقة رفعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) السرية عنها، وتعود إلى عام 1984، أن المنشآت النفطية في الجزيرة تُعد “الأكثر حيوية ضمن منظومة النفط الإيرانية”، وأن استمرار تشغيلها يمثل عنصرًا جوهريًا في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الإيراني.
ورغم امتلاك إيران بعض المسارات البديلة لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، فإن هذه البدائل ما تزال محدودة الكفاءة ولم تخضع لاختبارات تشغيلية واسعة. فعلى سبيل المثال، افتتحت إيران في عام 2021 محطة جاسك النفطية الواقعة على خليج عمان شرق المضيق، إلا أن وكالة الطاقة الدولية اعتبرت أن هذا المسار لا يمثل بديلًا عمليًا وفعالًا لتصدير النفط الإيراني على نطاق واسع.
وتُقدّر السعة التخزينية للجزيرة بنحو 30 مليون برميل، فيما أشارت بيانات نقلتها رويترز عن شركة Kpler المتخصصة في تتبع التجارة العالمية، إلى أن مخزون النفط الخام الموجود حاليًا في الجزيرة يبلغ قرابة 18 مليون برميل.
لماذا يُطرح سيناريو الهجوم البري الآن؟
أعاد النشر العسكري الأمريكي الأخير إلى الواجهة سيناريو الإنزال البرمائي على الجزيرة، خصوصًا بعد إرسال وحدتين من مشاة البحرية الاستكشافية (MEU) إلى منطقة الشرق الأوسط، وهما وحدتان متخصصتان في العمليات البرمائية السريعة، والإنزال الهجومي، والغارات المباغتة انطلاقًا من السفن الحربية.
وقد أظهرت تدريبات سابقة لهذه الوحدات قدرات كبيرة تشمل تحليق المروحيات الهجومية، وانتشار القوات على الشواطئ، وتنفيذ عمليات اقتحام من البحر، ما يجعلها من أكثر التشكيلات العسكرية الأمريكية استعدادًا لتنفيذ مهمة من هذا النوع.
وفي هذا السياق، قال جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لقوات الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إن السفن التابعة لوحدات مشاة البحرية الاستكشافية “تمتلك قدرات قتالية هائلة”، لكنه حذر من أن أي عملية من هذا النوع ستواجه تعقيدات عسكرية بالغة الخطورة.
وأوضح ستافريديس أن على القوات الأمريكية أولًا عبور مضيق هرمز والوصول إلى الجزء الشمالي من الخليج، وهو مسرح عمليات محفوف بالمخاطر، في ظل وجود طائرات إيرانية مسيّرة، وصواريخ باليستية، وألغام بحرية قد تعرّض أي تحرك برمائي لخطر شديد.
وأضاف: “بمجرد تمركز مشاة البحرية قبالة جزيرة خرج، سيحتاجون إلى فرض سيطرة جوية وبحرية مطلقة على نطاق يمتد لمسافة 100 ميل على الأقل حول الجزيرة”.
مخاطر العملية: من الصواريخ إلى المدنيين
تكمن إحدى أخطر التهديدات في احتمال تعرض السفن البرمائية الأمريكية لهجمات إيرانية مباشرة، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو الزوارق السريعة.
لكن المخاطر لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، إذ إن الجزيرة تضم آلاف السكان والعاملين في قطاع النفط، ما يثير تساؤلات حساسة حول مصير المدنيين في حال تنفيذ عملية عسكرية واسعة، وحول قدرة القوات الأمريكية على احتواء السكان أو إجلائهم دون الوقوع في فوضى ميدانية معقدة.
كما أثار ستافريديس تساؤلات حول القيمة السياسية الفعلية لاحتلال الجزيرة، قائلًا: “إذا كانت الفكرة هي استخدام هذه العملية كورقة مساومة لإجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز، فليس من الواضح ما إذا كان القادة المتبقون في النظام الإيراني سيرضخون لهذا التهديد”. وأضاف: “قد يرفضون تمامًا التخلي عن أي شيء في مقابل جزيرة خرج”.
من جانبه، حذر ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، من أن أي مهمة عسكرية على الجزيرة قد تؤدي إلى استنزاف إضافي لمخزونات الصواريخ الأمريكية، فضلًا عن احتمال أن تُفهم إقليميًا ودوليًا باعتبارها محاولة أمريكية للسيطرة على النفط الإيراني.
كيف استعدت إيران لهذا السيناريو؟
تشير المعطيات المتوافرة إلى أن إيران لم تتعامل مع هذه التحركات الأمريكية باعتبارها مجرد ضغط نفسي أو استعراض قوة، بل بدأت بالفعل تعزيز دفاعاتها في الجزيرة تحسبًا لهجوم محتمل.
فقد صرح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن “أعداء إيران، بدعم من إحدى دول المنطقة، يستعدون لاحتلال إحدى جزر البلاد”، دون أن يذكر اسم الجزيرة صراحة، لكنه أشار بوضوح إلى أن كافة التحركات الأمريكية تخضع للمراقبة الكاملة.
وقال قاليباف في منشور على منصة إكس: “إذا تجاوزوا الخطوط الحمراء، فإن كافة البنى التحتية الحيوية لتلك الدولة الإقليمية ستتحول، دون أي قيود، إلى أهداف لهجمات لا هوادة فيها”.
وبحسب مصادر مطلعة على تقارير الاستخبارات الأمريكية، فإن إيران قامت خلال الأسابيع الأخيرة بنقل أفراد عسكريين إضافيين إلى الجزيرة وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، ونشر صواريخ أرض–جو محمولة على الكتف (MANPADS)، وزرع ألغام مضادة للأفراد والمدرعات، وتحصين المناطق الساحلية تحسبًا لعمليات إنزال بحري، وتشير هذه الاستعدادات إلى أن أي محاولة للسيطرة على الجزيرة لن تكون عملية خاطفة أو منخفضة الكلفة، بل قد تتحول إلى اشتباك معقد ومفتوح يحمل احتمالات توسع إقليمي سريع.
هل سبق أن استهدفت واشنطن الجزيرة؟
نعم. فقد أعلن ترامب في وقت سابق من الشهر الجاري أن الولايات المتحدة قصفت “كل هدف عسكري” على الجزيرة، ولوّح باستهداف البنية التحتية النفطية فيها إذا واصلت إيران عرقلة الملاحة في مضيق هرمز.
كما أظهرت لقطات مصورة نُشرت عبر منصة Truth Social، وتم التحقق من موقعها الجغرافي بواسطة CNN، ضربات أمريكية استهدفت مرافق المطار في الجزيرة، وظهرت فيها انفجارات ضخمة وأعمدة دخان كثيف.
لكن اللافت أن ترامب لم يتعامل مع سيناريو السيطرة على الجزيرة باعتباره جديدًا، بل يعود حديثه عنه إلى عقود سابقة. ففي مقابلة تعود إلى عام 1988 مع صحيفة الغارديان البريطانية، قال ترامب: “لو أُطلقت رصاصة واحدة على أحد رجالنا أو سفننا، سأقتحم جزيرة خرج وأسيطر عليها”.
ماذا يعني احتلال الجزيرة؟
تعتقد بعض الأوساط داخل البيت الأبيض أن السيطرة على جزيرة خرج قد تؤدي إلى شل قدرة إيران على تصدير النفط، وبالتالي خنق الحرس الثوري اقتصاديًا وتسريع نهاية الحرب. لكن هذا التصور لا يحظى بإجماع داخل الإدارة الأمريكية، إذ يتحفظ عدد من المسؤولين على هذه الخطوة بسبب ما تتطلبه من قوات برية كبيرة، وغطاء جوي وبحري مستمر، واستعداد لتحمل كلفة بشرية وسياسية مرتفعة.
وبالتالي، فإن احتلال الجزيرة – إذا وقع – لن يكون مجرد عملية تكتيكية محدودة، بل خطوة قد تفتح الباب أمام حرب أوسع وأطول وأكثر كلفة.
كيف تنظر دول الخليج إلى هذا السيناريو؟
بحسب مصدر خليجي رفيع، فإن حلفاء واشنطن في الخليج يمارسون ضغوطًا غير معلنة على إدارة ترامب لعدم الذهاب نحو عملية برية لاحتلال جزيرة خرج، خشية أن يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعة الرد الإيراني.
وأوضح المصدر أن القلق الخليجي يتركز على احتمال أن يؤدي احتلال الجزيرة إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وما قد يستتبعه ذلك من رد انتقامي إيراني يستهدف البنية التحتية الحيوية في دول الخليج، بما في ذلك منشآت الطاقة والموانئ والمرافق الاقتصادية الحساسة.
مقامرة عسكرية كبرى
تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة أن جزيرة خرج لم تعد مجرد منشأة نفطية إيرانية معزولة، بل تحولت إلى عقدة استراتيجية في قلب المواجهة بين واشنطن وطهران. غير أن أي محاولة للسيطرة عليها لا تبدو خطوة سهلة أو مضمونة النتائج، بل مقامرة عسكرية وسياسية كبرى، قد تمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط مؤثرة، لكنها في المقابل قد تشعل حربًا إقليمية مفتوحة تتجاوز بكثير حدود الجزيرة نفسها.
المصدر: سي ان ان + وكالات + مواقع