تقرير: سمير الحجاوي
تكشف الأرقام الرسمية الأردنية أن الحرب والتوترات الإقليمية لم تعد مجرد حدث خارجي يراقبه الأردن من بعيد، بل تحولت إلى عبء مالي مباشر يضغط على الخزينة العامة ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصًا في ملف الطاقة. فقد أعلن وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني أن الكلفة المباشرة للأحداث الإقليمية على الأردن بلغت نحو 150 مليون دينار (211 مليون دولار) خلال شهر واحد، مشيرًا إلى أن معظم هذه الكلفة تركز في قطاع الطاقة، وأن هذا الرقم لا يشمل الخسائر أو الأعباء غير المباشرة. (قناة المملكة)
هذا الرقم بحد ذاته مهم لأنه يضع تقديرًا رسميًا واضحًا لحجم النزيف المالي في فترة زمنية قصيرة. وعندما تُحتسب الكلفة على أساس يومي تقريبي، فإن 150 مليون دينار في شهر واحد تعني متوسطًا يقارب 5 ملايين دينار يوميًا، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي فرضته الحرب على الاقتصاد الأردني في فترة وجيزة. (قناة المملكة)
الطاقة: مركز الكلفة الأعلى
الشق الأثقل في فاتورة الحرب على الأردن يقع بوضوح في ملف الطاقة. فوزير الطاقة والثروة المعدنية صالح الخرابشة أوضح أن التحول من الغاز عبر الأنابيب إلى الغاز الطبيعي المسال أدى إلى ارتفاع كبير في كلفة توليد الكهرباء. ووفق تصريحاته، فإن الكلفة الإضافية اليومية التي تتحملها الخزينة في قطاع الطاقة نتيجة استمرار الحرب تتراوح بين 2.5 و3 ملايين دينار يوميًا تبعًا لمستويات الطلب، موضحًا أن الأردن لجأ إلى استخدام زيت الوقود في بعض المحطات، مثل محطة العقبة الحرارية، وإلى الديزل عند ارتفاع الطلب على الكهرباء. كما أشار إلى أن سعر الغاز المستخدم لتوليد الكهرباء قبل الأحداث كان يقارب 7 دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية، بينما دفعت التطورات الحكومة إلى استخدام الغاز الطبيعي المسال الذي ارتفع سعره عالميًا إلى نحو 28 دولارًا، أي ما يقارب أربعة أضعاف السعر السابق. (بترا – وكالة الأنباء الأردنية)
وهذا يعني أن الحرب لا ترفع فقط كلفة التزويد، بل تغيّر أيضًا نوع الوقود المستخدم في التوليد، وهو ما يضاعف الضغوط على شركة الكهرباء الوطنية والخزينة. فكل انتقال من مصدر أقل كلفة إلى مصدر بديل أكثر تكلفة ينعكس فورًا على الإنفاق العام، ويجعل الدولة في سباق يومي لتأمين الإمدادات ومنع انقطاع التيار، حتى لو كان الثمن المالي مرتفعًا جدًا. (وكالة عمون الاخبارية)
السيناريو الأسوأ: الديزل
ضمن أكثر المؤشرات المالية إثارة للقلق، أكد الخرابشة أن الكلفة قد ترتفع أكثر في حال الاضطرار إلى استخدام الديزل بدلًا من الغاز المسال، إذ يمكن أن تصل كلفة التوليد إلى نحو 3 ملايين دينار يوميًا. وهذه النقطة بالغة الأهمية لأنها تكشف أن الرقم اليومي الحالي ليس سقفًا نهائيًا، بل إن الحرب تفتح الباب أمام مستويات أعلى من الاستنزاف إذا تدهورت سلاسل التوريد أو ارتفع الطلب أو تفاقمت اضطرابات السوق العالمية.
ومن هنا، فإن فاتورة الطاقة الأردنية لم تعد مجرد انعكاس لتقلب الأسعار العالمية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بتطورات الحرب: كل تعطل في الإمدادات، وكل قفزة في أسعار الغاز أو النفط، وكل اضطراب في النقل البحري، يعني انتقالًا تلقائيًا إلى بدائل أعلى ثمنًا، وبالتالي تضخمًا سريعًا في الإنفاق الحكومي. (وكالة عمون الاخبارية)
هل يملك الأردن هامش أمان؟
على الرغم من هذا الضغط، تحاول الحكومة التأكيد أن لديها هامشًا من المناورة. فقد أعلن الخرابشة أن المملكة تمتلك مخزونًا مخصصًا لتوليد الطاقة الكهربائية يكفي لنحو شهر في حال انقطاع الإمدادات، إلى جانب مخزون استراتيجي من المشتقات النفطية يتراوح بين 30 و60 يومًا بحسب نوع المشتق. كما أكد أن هذا المخزون الاستراتيجي لم يُستخدم حتى الآن، وأن سلاسل التزويد ما تزال تعمل وفق العطاءات طويلة الأمد، وأن خيار الفصل المبرمج للكهرباء غير مطروح حاليًا. (بتر)
هذا يعني أن الأردن لا يواجه حتى اللحظة أزمة إمداد فورية بقدر ما يواجه أزمة كلفة. بمعنى آخر، المشكلة الرئيسية ليست انعدام الوقود الآن، بل غلاء الوقود البديل واستدامة تحمل الخزينة لتبعاته إذا استمرت الحرب أو اتسع نطاقها. وهذه معادلة خطيرة لأن الدول قد تتمكن من الصمود فنيًا لبعض الوقت، لكنها تتعرض في المقابل لاستنزاف مالي متراكم يضغط على الموازنة وعلى قدرة الدولة على تمويل أولويات أخرى. (قناة المملكة)
من الطاقة إلى المالية العامة
حين ترتفع كلفة الطاقة بهذا الشكل، فإن الأثر لا يبقى محصورًا داخل قطاع الكهرباء. فكل دينار إضافي تدفعه الدولة لتوليد الكهرباء أو استيراد الوقود ينعكس على العجز المالي، وعلى قدرة الحكومة على ضبط الإنفاق، وعلى احتمالات زيادة الضغط على الدين العام. وهذا ينسجم مع التقدير الاقتصادي الذي أشرتَ إليه في المادة المرسلة عن الدكتور محمد أبو حمور، والذي يفيد بأن ارتفاع أسعار الطاقة والمتطلبات الأمنية أو تباطؤ النشاط الاقتصادي قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق أو تراجع الإيرادات، بما يفاقم عجز الموازنة ويزيد الضغوط على الدين العام.
وتدعم المعطيات الرسمية هذا الاتجاه؛ فحين تتحدث الحكومة عن 150 مليون دينار كلفة مباشرة في شهر واحد، وحين يتحدث وزير الطاقة عن 2.5 إلى 3 ملايين دينار يوميًا ككلفة إضافية على الخزينة في قطاع الطاقة، فإننا نكون أمام مسار واضح: الحرب تستنزف المالية العامة من بوابة الطاقة أولًا، ثم من بوابة الأمن والتجارة والنمو الاقتصادي لاحقًا. (قناة المملكة)
الكلفة غير المباشرة
المومني شدد بوضوح على أن 150 مليون دينار تمثل النفقات المباشرة فقط، ولم تشمل التحديات والتكاليف غير المباشرة. وهذه العبارة ربما تكون أهم من الرقم نفسه، لأنها تعني أن الفاتورة الحقيقية أعلى من ذلك بكثير. فالكلف غير المباشرة تشمل عادةً ارتفاع كلف الشحن، وتباطؤ النشاط الاقتصادي، والتأثير على التجارة، والضغط على الأسعار، واحتمال تراجع الثقة والاستثمار، فضلًا عن الأعباء الأمنية المصاحبة لأي توتر إقليمي طويل. (قناة المملكة)
ولهذا فإن الرقم الرسمي المعلن يجب قراءته باعتباره حدًا أدنى للفاتورة، لا الحد الكامل لها. فالمباشر معروف ويمكن حسابه نسبيًا، أما غير المباشر فيتسلل عبر الاقتصاد كله: إلى الأسواق، وسلاسل التوريد، والنقل، والاستيراد، وقدرة المستهلك، وكلفة الإنتاج المحلي. وهذا ما يجعل الحرب عبئًا مركبًا، لا مجرد بند طارئ في فاتورة الوقود. (قناة المملكة)
الإجراءات الحكومية لاحتواء الأثر
بحسب تصريحات المومني، اتخذت الحكومة إجراءات لتقليل أثر الحرب، من بينها تشغيل السفينة العائمة في ميناء العقبة لضمان استمرار إمدادات الطاقة، والسماح بتدفق السلع إلى السوق الأردني بشكل أفضل، ورفع الحصرية عن ميناء العقبة، وإعفاء الرسوم والضرائب المرتبطة بالزيادات الجديدة الناجمة عن الأحداث الإقليمية، إلى جانب التوافق مع سوريا لتسهيل النقل والتنسيق بين ميناء العقبة وميناء اللاذقية لضمان تدفق السلع القادمة من البحر المتوسط وليس فقط من البحر الأحمر. وتظهر هذه الإجراءات أن الحكومة تحاول إدارة الأزمة ليس فقط من زاوية الطاقة، بل أيضًا من زاوية حماية سلاسل التوريد وتقليل أثر كلف الشحن على السوق المحلي. (قناة المملكة)
هذا مهم لأن الاقتصاد الأردني ليس اقتصادًا نفطيًا كبيرًا قادرًا على امتصاص الصدمات بسهولة، بل اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والاستقرار اللوجستي والأسعار العالمية. وبالتالي، فإن أي حرب في الإقليم سرعان ما تنتقل من الجبهة العسكرية إلى جيب المستهلك وإلى الموازنة العامة وإلى كلفة الإنتاج والنقل. (قناة المملكة)
ماذا يعني ذلك سياسيًا واقتصاديًا؟
لا يشارك الأردن في الحرب عسكريًا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكنه يدفع ثمنها اقتصاديًا بشكل يومي. ومع ارتفاع التكاليف، فإن الأردن يقع عمليًا في وضع إدارة أزمة اقتصادية مفتوحة بسبب زيادة تحمل الخزينة المزيد من الأعباء المالية الطارئة وزيادة الإنفاق لتغطية الفجوة السعرية، وهذا النمط من الإنفاق يفرض تحديًا مزدوجًا: الأول هو تأمين الاستقرار الداخلي ومنع انتقال الأزمة إلى انقطاع أو اختلال في الخدمات، والثاني هو منع تحوّل كلفة الحرب إلى أزمة مالية ممتدة تؤثر في الموازنة والدين العام والنمو.
لذلك فإن الحرب، من منظور أردني، ليست فقط تهديدًا أمنيًا إقليميًا، بل اختبار لقدرة الدولة على الصمود المالي واللوجستي تحت ضغط خارجي لا تتحكم به، رغم أن الأردن لا يواجه أزمة كهرباء حتى الآن، لكنه يواجه أزمة كلفة مرشحة للتضخم كلما طال أمد الحرب أو اتسعت رقعتها.