القوة وحدها لا تكفي.. معضلة إيران الإستراتيجية

 

رغم الضربات الأمريكية–الإسرائيلية.. إيران لا تزال تحتفظ بقدرة عسكرية على التعطيل والاستنزاف

البابور العربي – متابعات 

رغم الضربات المكثفة التي تعرضت لها إيران خلال الأسابيع الأولى من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية، فإن التقديرات العسكرية والسياسية في واشنطن لا تتعامل مع طهران بوصفها قوة منهارة بالكامل، بل كدولة ما تزال تملك قدرات كافية لإطالة أمد المواجهة وتعقيد أي تدخل بري محتمل.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه البنتاغون إعداد سيناريوهات عسكرية لما تصفه بعض التقارير الأمريكية بـ “الضربة النهائية” ضد إيران، وهي خيارات قد تشمل عمليات برية محدودة أو واسعة، إلى جانب تكثيف القصف الجوي والبحري، في حال تعثرت الجهود الدبلوماسية أو استمر إغلاق مضيق هرمز.

وتكشف المعطيات المتداولة في واشنطن أن الإدارة الأمريكية، رغم حديثها المتكرر عن فرص التفاوض واحتواء الحرب، تدرس في الوقت نفسه إرسال ما لا يقل عن 10 آلاف جندي قتالي إضافي إلى الشرق الأوسط، بما يعزز المؤشرات إلى أن خيار التصعيد الميداني لا يزال حاضرًا بقوة في حسابات القرار الأمريكي.

قيادة مستهدفة.. لكن النظام لم يفقد القدرة على القتال
في واحدة من أكثر الضربات تأثيرًا منذ اندلاع الحرب، قالت إسرائيل إن هجماتها الأولى أدت إلى مقتل سبعة من كبار مسؤولي الدفاع والاستخبارات الإيرانيين، كما استهدفت 30 من كبار القادة العسكريين والمدنيين، بينهم قائد الحرس الثوري محمد باكبور، قبل أن تعلن لاحقًا مقتل قائد البحرية الإيرانية علي رضا تنغسيري.

ورغم أن هذه الضربات وجهت ضربة قاسية لهرم القيادة العسكرية الإيرانية، فإنها لم تؤدِّ إلى شلل كامل في بنية النظام أو تعطيل قدرته على إدارة الحرب. فالتقديرات الغربية تشير إلى أن إيران ما تزال تملك هياكل قيادة بديلة وشبكات تشغيل موزعة تتيح لها مواصلة الرد، ولو بوتيرة أقل أو بأساليب غير تقليدية.

صواريخ ومسيّرات.. تراجع في الوتيرة لا يعني انتهاء التهديد
وتفاخر واشنطن وتل أبيب بانخفاض وتيرة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وبنجاحهما في ضرب عدد كبير من الأهداف العسكرية داخل إيران، لكن محللين أمريكيين يحذرون من أن انخفاض الإطلاق لا يعني بالضرورة انهيار القدرة العسكرية الإيرانية، بل قد يعكس إعادة تموضع تكتيكيًا أو احتفاظًا باحتياطات لمراحل لاحقة.

وفي هذا السياق، تقول وزارة الدفاع الأمريكية إن أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي الإيرانية “تضررت بشدة”، مضيفة أن القيادة المركزية الأمريكية دمّرت أو عطلت أكثر من 66% من منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية الإيرانية. كما تقول إسرائيل إنها دمّرت أو عطلت 330 منصة إطلاق من أصل 470 منصة صواريخ باليستية تُقدَّر أنها كانت بحوزة إيران.

لكن، وعلى الرغم من هذا التآكل الكبير، فإن الرد الإيراني لم يتوقف. وتشير تقديرات مراكز أبحاث أمريكية إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بمخزون مؤذٍ من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلًا عن أن بعض أنواع المسيّرات، وعلى رأسها “شاهد”، تتميز بأنها رخيصة وسهلة الإنتاج وأصعب في الاكتشاف والإسقاط من الصواريخ التقليدية.

القوات البرية.. الرقم الذي يقلق واشنطن
في قلب أي سيناريو بري محتمل، تقف القوات البرية الإيرانية بوصفها أحد أكثر عناصر القوة صعوبة في المواجهة المباشرة. ووفق التقديرات الأمريكية، فإن القوات البرية التابعة للحرس الثوري الإيراني وحدها يتجاوز عددها 150 ألف جندي، إلى جانب قوات الباسيج شبه العسكرية والجيش الإيراني النظامي الأكبر حجمًا.

صحيح أن هذه القوات تعاني من تفاوت في التدريب وتقادم في بعض المعدات، لكن حجمها، وانتشارها، وطبيعة الأرض الإيرانية، كلها عوامل تجعل أي توغل بري أمريكي أو إسرائيلي عملية عالية الكلفة والتعقيد، خصوصًا إذا اقترنت بحرب استنزاف وصواريخ ومسيّرات وهجمات بحرية متزامنة.

جزيرة خرج.. من عقدة نفط إلى عقدة عسكرية
من بين أبرز النقاط الساخنة في النقاشات العسكرية الجارية داخل واشنطن، تبرز جزيرة خرج، التي تمثل المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، باعتبارها هدفًا محوريًا في أي عملية عسكرية لاحقة.

وتشير تقارير أمريكية إلى أن إيران بدأت تعزيز وجودها العسكري والدفاعي في الجزيرة، عبر إرسال مزيد من القوات وأنظمة الدفاع الجوي، تحسبًا لهجوم قد يستهدف شل قدرتها النفطية أو السيطرة على نقطة استراتيجية حساسة في الخليج.

وتكتسب الجزيرة أهمية مضاعفة لأنها تقع في منطقة تجعل القوات الأمريكية، إذا تحركت برًا أو بحريًا باتجاهها، عرضة لطيف واسع من التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، نظرًا لقربها من البر الإيراني الرئيسي.

البحرية الإيرانية.. من القوة التقليدية إلى حرب الإزعاج
تؤكد الولايات المتحدة أنها وجهت ضربات موجعة للبحرية الإيرانية، إذ أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن أكثر من 150 قطعة بحرية إيرانية أُغرقت منذ بدء الحملة العسكرية، كما استهدفت القوات الأمريكية سفنًا إيرانية متخصصة بزرع الألغام، ودمرت 16 منها قرب مضيق هرمز في 10 مارس/آذار.

ومع ذلك، فإن تدمير جزء كبير من القطع البحرية الإيرانية لا يعني انتهاء الخطر البحري الإيراني. فإيران تعتمد منذ سنوات على تكتيكات الحرب غير المتكافئة في الخليج، عبر: مئات الزوارق السريعة الصغيرة، والألغام البحرية، والتحصينات الساحلية، والشبكات الدفاعية تحت الأرض
وهذه الأدوات لا تمنح طهران تفوقًا بحريًا تقليديًا، لكنها تمنحها قدرة عالية على الإرباك وتعطيل الملاحة ورفع كلفة أي تحرك أمريكي في الخليج، خاصة في محيط مضيق هرمز.

مضيق هرمز.. سلاح إيران الأخطر
تُجمع التقديرات العسكرية على أن مضيق هرمز لا يزال يمثل أقوى أوراق الضغط الإيرانية في هذه الحرب. فحتى لو فقدت طهران جزءًا كبيرًا من بنيتها العسكرية التقليدية، فإن قدرتها على تعطيل أو تهديد الملاحة في المضيق تمنحها تأثيرًا يتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

ولهذا، لا يُنظر إلى المعركة مع إيران فقط باعتبارها مواجهة مع جيش أو منظومة صاروخية، بل أيضًا مع استراتيجية تعطيل إقليمي تشمل: النفط، والغاز، الممرات البحرية، سلاسل الإمداد، الاستقرار الاقتصادي في الخليج
وهذا ما يجعل أي قرار أمريكي بالتصعيد، خصوصًا إذا شمل عمليات برية أو محاولة السيطرة على جزر وممرات استراتيجية، قرارًا محفوفًا بإمكانية فتح حرب أوسع وأكثر كلفة.

خلاصة المشهد
الخلاصة التي تتشكل داخل واشنطن وتل أبيب ليست أن إيران قوية كما كانت، بل إنها ما تزال خطيرة بما يكفي لجعل أي مرحلة مقبلة من الحرب أكثر تعقيدًا من مجرد حملة قصف أو اغتيالات نوعية.

فإيران اليوم:

فقدت جزءًا مهمًا من قيادتها العسكرية
تضررت قدراتها الصاروخية والبحرية
تراجعت بعض قدراتها الجوية والدفاعية

لكنها في المقابل ما تزال تحتفظ بـ:

قوات برية كبيرة
مخزون مؤذٍ من الصواريخ والمسيّرات
قدرة على تعطيل الملاحة
بنية عسكرية تحت الأرض
استراتيجية استنزاف طويلة النفس

وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران أكثر؟ بل أصبح: هل تستطيع إنهاء الحرب من دون أن تغرق في مواجهة أطول وأكثر تعقيدًا؟

 

المصدر: اكسيوس 

 

الحرب الامريكية الاسرائيليةالخليج العربيالقوةامريكاايرانلا تكفيمضيق هرمزوحدها
Comments (0)
Add Comment