استراتيجية الاحتواء الذكي السعودية للإمارات

 

البابور العربي – تقرير خاص

تشير التطورات الإقليمية خلال الأعوام الأخيرة إلى أن المملكة العربية السعودية لم تتعامل مع التباينات المتزايدة مع دولة الإمارات بوصفها صراعاً صفرياً أو مواجهة مباشرة، بل اختارت مساراً أكثر تعقيداً وهدوءاً يمكن توصيفه بـ “استراتيجية الاحتواء الذكي”. تقوم هذه الاستراتيجية على إدارة التنافس لا تفجيره، وتحجيم النفوذ المنافس دون تحويله إلى عداوة علنية، والحفاظ على التماسك الخليجي العام مع حماية المصالح السعودية الجوهرية.

ينطلق هذا النهج من إدراك سعودي عميق بأن الصدام المباشر مع الإمارات، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو إعلامياً، يحمل كلفة إقليمية ودولية مرتفعة، وقد يضر بصورة المملكة كقوة استقرار ومسؤولية. لذلك، فضّلت الرياض توظيف أدواتها الناعمة والخشنة بصورة غير تصادمية، عبر إعادة هندسة البيئة الإقليمية بطريقة تقلّص هامش المناورة الإماراتي تدريجياً، دون اللجوء إلى إجراءات عدائية أو عقابية صريحة.

أولى ركائز الاحتواء الذكي تتمثل في تحويل مفهوم “الشرعية” إلى أداة ضغط معيارية. فبدلاً من مواجهة النفوذ الإماراتي بوصفه نفوذاً منافساً فحسب، عملت السعودية على ترسيخ خطاب إقليمي ودولي يقوم على دعم الحكومات المركزية المعترف بها ورفض الكيانات الموازية والميليشيات الخارجة عن إطار الدولة. هذا الخطاب لا يستهدف الإمارات مباشرة، لكنه يضع نموذج النفوذ القائم على الوكلاء في موقع دفاعي أخلاقي وقانوني، ويمنح السعودية أفضلية رمزية في الساحة الدبلوماسية.

الركيزة الثانية تتمثل في دبلوماسية الاستثمار المشروط. فالسعودية، من خلال قوتها المالية الضخمة ومشاريعها التنموية الإقليمية، لم تعد تقدم الدعم والاستثمار بصيغة المنح غير المقيدة، بل ربطته بإصلاحات مؤسسية، مثل توحيد المؤسسات الأمنية، ومنع تعدد مراكز القوة العسكرية، وتعزيز سلطة الدولة المركزية. هذا الأسلوب لا يهاجم النفوذ الإماراتي بشكل مباشر، لكنه يقلّص البيئة التي تسمح بتمدده عبر الفصائل والكيانات المحلية شبه المستقلة.

أما الركيزة الثالثة فتتمثل في المنافسة الجيو-اقتصادية الهادئة. فبدلاً من الدخول في صراع علني على النفوذ في الموانئ والممرات البحرية، ركزت السعودية على بناء بدائل لوجستية واستثمارية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي والخليج، بما يمنح الدول الساحلية خيارات أوسع في شراكاتها الاقتصادية. هذه الاستراتيجية لا تسعى إلى إقصاء الإمارات، بل إلى كسر احتكارها لبعض النقاط الحيوية، وتحويل النفوذ من هيمنة أحادية إلى توازن متعدد المراكز.

وفي السياق نفسه، عملت الرياض على تعزيز قواعد الامتثال المالي الدولي بالتعاون مع شركائها الغربيين والمؤسسات المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل النزاعات. من خلال دعم معايير الشفافية والعناية الواجبة في ما يتعلق بتدفقات السلاح والتمويل، ارتفعت كلفة أي دعم غير رسمي لفصائل مسلحة أو كيانات غير حكومية. مرة أخرى، لا يُطرح هذا كإجراء موجه ضد الإمارات، لكنه يضعف نموذج النفوذ غير المباشر الذي يعتمد على شبكات غير رسمية.

الاحتواء الذكي السعودي يتجلى أيضاً في إدارة الخلاف داخل الأطر الخليجية بدل تفجيره خارجها. فالسعودية حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة داخل مجلس التعاون، وتجنبت تحويل الخلافات إلى أزمات مؤسسية كبرى. الهدف هنا ليس إنكار التباين، بل منعه من التحول إلى انقسام بنيوي يهدد وحدة الخليج ويمنح أطرافاً خارجية فرصة للتدخل.

سياسياً، تتجنب الرياض خطاب التصعيد الإعلامي ضد أبوظبي، لأنها تدرك أن الحرب الخطابية قد تضر بسمعتها الاستثمارية والدبلوماسية، وتضعف قدرتها على لعب دور “الضامن الإقليمي”. وبدلاً من ذلك، تعتمد لغة رسمية هادئة تركز على المصالح المشتركة، مع استمرار العمل في الخلفية على إعادة ضبط موازين النفوذ.

تعكس هذه المقاربة فهماً سعودياً مفاده أن الإمارات ليست خصماً وجودياً، بل شريكاً منافساً داخل منظومة إقليمية واحدة. لذلك، فإن الهدف ليس “محاصرتها” أو “عزلها”، بل إعادة توجيه سلوكها الإقليمي نحو مسارات أقل تصادمية مع المصالح السعودية، وأكثر انسجاماً مع نموذج الدولة المركزية والاستقرار طويل الأمد.

على المستوى الاستراتيجي الأعمق، يخدم الاحتواء الذكي السعودية في حماية مشاريعها الكبرى، وعلى رأسها رؤية 2030، التي تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، وممرات تجارية آمنة، واستثمارات دولية واثقة. أي تصعيد حاد مع الإمارات قد يخلق حالة عدم يقين إقليمي تضر بهذه الأهداف، بينما يسمح الاحتواء الهادئ بتحقيق توازن بين المنافسة والحفاظ على الاستقرار.

في المحصلة، لا تقوم استراتيجية الاحتواء السعودي الذكي على المواجهة أو الإقصاء، بل على إعادة تصميم البيئة الإقليمية بحيث يصبح نموذج النفوذ غير المباشر أقل فاعلية وأعلى كلفة، في مقابل تعزيز نموذج الدولة المركزية والاستقرار المؤسسي. وهي استراتيجية تراهن على الزمن، وعلى ثقل السعودية الاقتصادي والدبلوماسي، وعلى قدرتها على تحويل رؤيتها إلى معيار إقليمي مقبول دولياً.

بهذا المعنى، فإن الاحتواء السعودي ليس مجرد سياسة ظرفية تجاه الإمارات، بل جزء من رؤية أوسع لإدارة التنافس في عالم إقليمي يتجه نحو التعددية القطبية، حيث لا تُحسم الصراعات بالقوة الصلبة وحدها، بل بإدارة الشبكات، والمعايير، والمصالح طويلة الأمد.

الاماراتالسعوديةاليمنخلافصراعمحمد بن زايدمحمد بن سلماننزاع
Comments (0)
Add Comment