البابور الموقع العربي

الخليج العربي في قلب صراع المصالح الكبرى

236

سمير الحجاوي 

لن تكون دول الخليج العربي، مجرد ضحية جانبية، في حال تحوّلت الحرب إلى استنزاف طويل، بل ستصبح مركز الضغط الرئيسي الذي يُقاس عبره نجاح أو فشل استراتيجيات التصعيد والردع والاحتواء. فالإقليم ليس مهماً فقط لأنه ينتج الطاقة ويصدرها، بل لأنه يعتمد في حياته اليومية على بنية مائية وأمنية شديدة الترابط الى جانب الطاقة من النفط والغاز، ولأنه يقع في قلب شبكة التحالفات التي تسعى واشنطن إلى الحفاظ عليها وتستخدمها طهران في المقابل لرفع كلفة الصراع. وعليه، فإن استقرار الخليج يتحول من ملف إقليمي إلى متغير حاسم في تحديد مسار الحرب بأكملها، بل وفي قياس قدرة النظام الدولي على تحمّلها.

والسؤال الكبير هو: كيف يتحول الخليج، اذا تحولت الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران الى حرب استنزاف طويلة، وكيف يمكن ان يساهم في تشكيل مسار الصراع؟ الإجابة  بالطبع لا تكمن في عامل واحد منفصل، بل في ترابط أربعة أنظمة: الطاقة، والمياه، والأمن، والتحالفات.

من المعروف ان الجغرافيا لا تصبح “مركز ضغط” لمجرد وقوعها قرب مسرح الحرب، بل عندما تؤدي وظيفتين متزامنتين وهما: أن تكون حيوية لاستمرار النظام القائم، وأن تكون هشّة بما يكفي لأن يتحول استهدافها إلى أداة فعالة لإعادة توزيع الكلفة.

وينطبق هذا التعريف بوضوح على الخليج العربي، إذ يجمع بين كونه عقدة مركزية في تجارة الطاقة العالمية، وكونه من أكثر أقاليم العالم اعتماداً على بنية تحتية حساسة مثل التحلية، وموانئ التصدير، وشبكات الكهرباء، والمرافق الرقمية، والقواعد العسكرية الأجنبية. وهذا التداخل يجعل الخليج ليس فقط ساحة استقبال لتداعيات الحرب، بل أداة ضغط ممكنة على الخصوم والحلفاء معاً.

تتعامل ايران مع الخليج بهذه الصفة، وتاخذ هذه العناصر بعين الاعتبار؛ فتهديداتها في مارس/آذار 2026 لم تقتصر على النفط، بل شملت محطات التحلية وتكنولوجيا المعلومات والبنية التحتية المدنية. وهذا التحول في بنك الأهداف يعني أن الضغط لم يعد موجهاً إلى شرايين الاقتصاد العالمي فقط، بل إلى الشروط اليومية لاستمرار الحياة في دول الخليج. ومن هنا، يصبح استقرار الخليج مؤشراً عملياً على مدى قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على حماية النظام الإقليمي الذي يستندون إليه. وهذا يدفعنا لمناقشة تفاصيل كل نظام من الانظمة التي تتحكم بمصير الخليج العربي:

 

أولاً: الطاقة

تكمن مركزية الخليج أولاً في أنه يحتضن أهم ممر للطاقة عبر البحر في العالم. عقدة اختناق للنظام الاقتصادي العالمي، وحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تدفق عبر مضيق هرمز في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل النفطية، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي لهذه السوائل، كما مر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

تتجه الغالبية الكبرى من هذه التدفقات إلى آسيا، ولا سيما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فيما تبقى مسارات الالتفاف عبر الأنابيب في السعودية والإمارات محدودة وغير كافية لتعويض إغلاق كامل أو تعطيل طويل للمضيق.

وعندما يتعرض هذا الممر للاختناق، لا يكون الأثر محصوراً في المنتجين الخليجيين، بل يمتد فوراً إلى بنية الأسعار العالمية، والتضخم، وتكاليف النقل والتأمين، ثم إلى سلاسل الإمداد الصناعية. وقد أظهرت تغطيات مارس/آذار 2026 أن ارتفاع الأسعار وتعطل الشحن انعكسا على عمليات تصدير وإنتاج في أكثر من دولة خليجية، وأن بعض الشركات اضطر إلى تعديل إنتاج الغاز المسال أو إعلان القوة القاهرة أو خفض الإنتاج بسبب تعذر التصدير البحري أو ارتفاع المخاطر التشغيلية. وهكذا، يصبح الخليج في حرب الاستنزاف ليس مجرد مصدر نفط، بل مركز نقل للأزمة إلى النظام الاقتصادي العالمي كله.

 

ثانياً: المياه

إذا كان النفط هو الوجه الأشهر لأهمية الخليج، فإن المياه هي وجه هشاشته الأعمق. فدول مجلس التعاون تُعد من أكثر مناطق العالم اعتماداً على التحلية، والحرب بطبيعة الحال تنقل المياه في الخليج من الندرة الطبيعية إلى الهشاشة الاستراتيجية.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن دول المجلس مسؤولة عن ما يقرب من نصف القدرة العالمية للتحلية، كما يشير البنك إلى الريادة الهيكلية للمنطقة في هذا القطاع. ويؤكد البنك الدولي أيضاً أن هذه البنية ترتبط مباشرة بما يسمى “ترابط الماء والطاقة”؛ أي أن توفير المياه يعتمد بدرجة كبيرة على توفر الطاقة وشبكات الكهرباء والتشغيل المستمر.

ان الاعتماد على التحلية ليس هامشياً في الخليج، بل يتصل مباشرة بمياه الشرب الحضرية. فقد ذكر تقرير الأمانة العامة لمجلس التعاون أن المياه المحلاة تمثل 80% من إجمالي مياه الشرب في السعودية، فيما تشير تقديرات حديثة إلى أن كثيراً من دول الخليج تؤمّن قريباً من 90% من مياه الشرب عبر التحلية.

وتكتسب هذه الأرقام دلالة استراتيجية مضاعفة في وقت تتضمن فيه التهديدات المعلنة استهداف محطات التحلية ذاتها. فهنا لا يكون الحديث عن خسائر اقتصادية فقط، بل عن قابلية نشوء أزمات معيشية وصحية واجتماعية خلال فترة زمنية قصيرة إذا تعرضت محطات التحلية أو الكهرباء الداعمة لها لاضطراب كبير.

ومن ثم، فإن الحرب الطويلة تغيّر معنى “أمن الخليج”. فبدلاً من أن يكون الأمن محصوراً في حماية الحدود والمنشآت النفطية، يصبح مرتبطاً بأمن الماء اليومي للسكان. وهذا يفسر لماذا يُعدّ استهداف التحلية تهديداً استراتيجياً أعلى أثراً من كثير من الضربات العسكرية التقليدية، لأنه يضرب مباشرة قدرة الدولة على الاستمرار في تقديم الخدمة الأساسية التي تقوم عليها الشرعية والاستقرار الاجتماعي في البيئات الخليجية الحضرية.

 

ثالثاً:الأمن

خلال السنوات الماضية، ازداد الوعي الدولي بأن البنية التحتية الحيوية في الخليج قابلة للاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية. الامر الذي يكشف هشاشة البنية الحيوية وحدود الردع.

في مارس/آذار 2026، أكدت تقارير متعددة أن منشآت طاقة خليجية تعرضت فعلاً لأضرار أو تعطيلات، وأن الدفاعات الجوية في المنطقة تواجه ضغطاً متزايداً مع اتساع استخدام المسيّرات والذخائر منخفضة الكلفة، في مقابل أنظمة اعتراض مرتفعة الكلفة ومحدودة المخزون النسبي.

وتواصل الطائرات المسيرة الإيرانية اختراق أجواء دول مجلس التعاون، ما يعكس استمرار التهديد حتى مع تراجع كثافة بعض الهجمات.

هذا الوضع يكشف مفارقة مهمة: كلما ارتفعت كثافة الحماية العسكرية، زادت أهمية الأهداف التي تتطلب تلك الحماية، وبالتالي زادت حساسية الإقليم لأي اختراق ناجح. ومن هنا، يصبح الخليج مركز ضغط لأن استهدافه يرسل رسائل تتجاوز الخسارة المباشرة؛ فهو يختبر صدقية الردع الأمريكي، وكفاءة شبكات الدفاع المشتركة، وقدرة الدول الخليجية على الصمود في وجه الاستنزاف. وإذا تحول الصراع إلى نمط متكرر من الضربات المحدودة والمتفرقة، فإن ذلك لا يفضي فقط إلى خسائر مادية، بل إلى تآكل تدريجي في الثقة العامة بصلابة البيئة الأمنية.

 

رابعاً: التحالفات

تعتمد البنية الأمنية الخليجية، بدرجات متفاوتة، على الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة. غير أن الحروب الممتدة تضع هذا النمط من الاعتماد تحت اختبار مزدوج: اختبار القدرة الأمريكية على الحماية، واختبار استعداد الدول الخليجية لتحمّل كلفة الارتباط بهذه الحماية. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الهجمات المتكررة على بنى خليجية، إلى جانب تردد بعض الحلفاء الغربيين أو تباينهم حيال مسارات التصعيد، أثارت بالفعل تساؤلات داخل الإقليم حول مدى موثوقية المظلة الأمريكية في لحظات الضغط المرتفع، ومخاطر الانكشاف.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً لأن دول الخليج لا تستطيع بسهولة الانفصال عن واشنطن أمنياً، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل أن اقترابها الشديد من العمليات الأمريكية قد يرفع احتمال استهدافها المباشر.

ولذا فإن الخليج في حرب الاستنزاف لا يتحرك فقط كحليف، بل كوسيط قلق، وشريك مضطر، وهدف محتمل. وهذه الوضعية المركبة هي بالضبط ما يجعله مركز ضغط: لأنه المكان الذي تتقاطع فيه متطلبات الحماية مع مخاطر التورط ومع حسابات البقاء الداخلي.

 

حرب الاستنزاف

في الحروب القصيرة نسبياً، قد تبقى وظيفة الخليج لوجستية أو اقتصادية. أما في حروب الاستنزاف، فإن أهميته ترتفع لأنه يتحول إلى مساحة يتراكم فيها الألم الاستراتيجي للطرفين. فإذا استمر تعطيل هرمز أو بقي المرور فيه مكلفاً وخطراً، خسر النظام العالمي استقراراً أساسياً للطاقة. وإذا تعرضت محطات التحلية أو الطاقة أو المرافق الرقمية لهجمات أو تهديدات مستمرة، ارتفعت الكلفة السياسية والاجتماعية على الحكومات الخليجية. وإذا اضطرت الولايات المتحدة إلى توسيع الانتشار العسكري لحماية هذه الشبكات، ارتفعت كلفة الحرب عليها وعلى حلفائها. بذلك، يصبح الخليج المكان الذي تترجم فيه الحرب إلى أثمان يومية ملموسة لا يمكن تجاوزها بالخطاب السياسي وحده.

 

شروط الاستقرار

من هذه الزاوية، فإن استقرار الخليج لا يكون “نتيجة” للصراع فحسب، بل “شرطاً” من شروط إدارته. فإذا نجحت دول الخليج في حماية بنيتها الأساسية، والحفاظ على حد أدنى من تدفق الطاقة والمياه والخدمات، فإنها تقلّص فاعلية استراتيجية الاستنزاف. أما إذا تعرض هذا الاستقرار للاهتزاز المستمر، فإن الصراع يتجه إلى توسيع نطاقه وإطالة أمده ورفع كلفته العالمية. لهذا السبب يغدو الخليج مركز الضغط الرئيسي، لا لأنه الحلقة الأضعف بالضرورة، بل لأنه الحلقة الأكثر حملاً لوظائف حيوية متزامنة.

 

مركز الضغط الرئيسي

تُظهر المعطيات الميدانية أن دول الخليج ستصبح مركز الضغط الرئيسي في حرب الاستنزاف — ليست صياغة بلاغية، بل توصيفاً يمكن دعمه عمليا على مستوى الجغرافيا والاقتصاد والبنية التحتية والتحالفات. فالإقليم يجمع بين اعتماد عالمي على ممراته للطاقة من النفط والغاز، واعتماد داخلي مرتفع على التحلية، وهشاشة نسبية أمام الحروب منخفضة الكلفة وعالية التكرار، وارتباط هيكلي بالمظلة الأمريكية. كما أن تطورات الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران في مارس/آذار 2026 قدمت أمثلة عملية على هذا التداخل، سواء عبر تعطل الشحن والإنتاج، أو عبر التهديد المباشر للمياه والطاقة، أو عبر النقاشات المتزايدة بشأن قدرة الحلفاء على تحمّل الحرب أو احتوائها.

 

عناصر القوة الخليجية 

ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذا التحليل باعتباره حكماً حتمياً بانهيار استقرار الخليج أو عجزه. فالدول الخليجية تملك كذلك عناصر قدرة مهمة، من بينها الموارد المالية، وخبرات تشغيل المرافق الكبرى، ومسارات بديلة محدودة لبعض الصادرات، وشبكات شراكات متعددة، فضلاً عن اتجاه متزايد نحو تعزيز الدفاعات والتكامل المؤسسي في بعض الملفات. لكن هذه العناصر، مهما بلغت أهميتها، لا تلغي حقيقة أن الحرب الطويلة تعيد تعريف نقطة الضعف الأساسية في الخليج: إنها ليست فقط المنشأة التي يمكن إصابتها، بل الترابط العالي بين الماء والطاقة والأمن والاقتصاد.

 

سمير الحجاوي 

مدرب التخطيط الاستراتيجي المبنى عل النتائج، وبناء الخطط التفصيلية  

إعلامي وكاتب ومؤلف 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار