تدهور الاقتصاد المصري بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي:
من المساعدات الخليجية إلى فخ الديون (2013–2026)
كتب: سمير الحجاوي
تشهد مصر منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013 تحولات اقتصادية عميقة أعادت تشكيل بنية الاقتصاد المصري وعلاقاته الإقليمية والدولية.

فبعد استيلاء السيسي على السلطة، دخل الاقتصاد المصري مرحلة اتسمت بالاعتماد الكبير على الدعم المالي الخارجي، خصوصاً من دول الخليج العربية، ثم الانتقال تدريجياً إلى نموذج اقتصادي قائم على الاقتراض المكثف والمشروعات الضخمة كثيفة رأس المال.
وقد أسفر هذا المسار خلال عقد واحد عن تضخم غير مسبوق في حجم الديون الخارجية، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم والفقر، إلى جانب تراجع دور القطاع الخاص في الاقتصاد. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مسار الاقتصاد المصري منذ انقلاب 2013 وحتى عام 2024، مع التركيز على طبيعة الدعم الخارجي، وسياسات الإنفاق العام، وأزمة الديون، والتحولات البنيوية في الاقتصاد.
الانقلاب.. بداية الكارثة

شكّل انقلاب عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2013 نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي والاقتصادي لمصر
. فقد أدى استيلاء السيسي على السلطة إلى إعادة ترتيب بنية الحكم، كما فتح الباب أمام نموذج اقتصادي جديد يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي والإنفاق الحكومي
في السنوات الأولى بعد الانقلاب تدفقت إلى مصر مساعدات مالية كبيرة من دول الخليج العربية، خصوصاً السعودية والإمارات والكويت، بهدف دعم النظام الجديد وتثبيت الاستقرار السياسي والاقتصادي. غير أن هذه التدفقات المالية لم تتحول إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأجل، بل استخدمت بدرجة كبيرة في تمويل الإنفاق الحكومي وتثبيت سعر الصرف وتمويل مشاريع كبيرة عديمة الجدوى الاقتصادية.
تبخر 100 مليار دولار من الخليج
ومع مرور الوقت، ومع تراجع المنح الخليجية المباشرة، انتقل الاقتصاد المصري إلى مرحلة جديدة اتسمت بالاعتماد المتزايد على الاقتراض الخارجي وبرامج صندوق النقد الدولي، الأمر الذي أدى إلى تضخم الدين الخارجي وتراجع قيمة العملة وارتفاع مستويات التضخم.

عقب انقلاب السيسي واستيلائه على السلطة دخل الاقتصاد المصري مرحلة انتقالية اتسمت بتدفق الدعم المالي الخارجي. فقد اعتبرت دول الخليج أن استقرار النظام الجديد في مصر يمثل مصلحة استراتيجية لتقويض حكم الاخوان المسلمين واستبعاد “الاسلام السياسي” من الواجهة السياسية في مصر، الأمر الذي دفعها إلى تقديم مساعدات مالية كبيرة.
تشير تقديرات الدراسات الاقتصادية والتقارير الدولية إلى أن إجمالي الدعم الخليجي لمصر منذ عام 2013 قد تراوح بين 92 و100 مليار دولار خلال العقد الأول بعد الانقلاب. وقد شملت هذه التدفقات عدة أشكال من الدعم.
في المرحلة الأولى بين عامي 2013 و2015 تم تقديم منح مالية مباشرة لا ترد، إضافة إلى مساعدات نفطية ووقود. وفي المرحلة الثانية تحولت المساعدات إلى ودائع في البنك المركزي المصري لدعم الاحتياطي النقدي. أما المرحلة الثالثة فقد شهدت انتقال الدعم إلى شكل الاستثمارات وشراء الأصول الاقتصادية المصرية.
ورغم حجم هذه التدفقات المالية الكبيرة، لم ينجح الاقتصاد المصري في تحقيق تحول إنتاجي حقيقي، حيث لم تتجه هذه الموارد نحو تطوير الصناعة أو زيادة الصادرات.
تبديد فرصة عصر المليارات المفتوحة

تشير بيانات البنك المركزي المصري وتقارير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن مصر تسلمت خلال أول عامين فقط ما يتجاوز ثلاثين مليار دولار من المنح والودائع والمساعدات النفطية. وقد شكّلت هذه الأموال أكبر دعم مالي خارجي تتلقاه الدولة المصرية في فترة زمنية قصيرة منذ عقود.
كان من الممكن لهذه السيولة المالية أن تشكّل فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري، عبر إصلاح النظام الضريبي، وتعزيز الإنتاج الصناعي، ودعم التصدير، وتحفيز الاستثمار. إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الموارد وُجّه لتثبيت سعر صرف الجنيه بشكل مصطنع أمام الدولار، ما أدى إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية. كما تم توجيه مبالغ كبيرة لصفقات تسليح ضخمة ومشروعات بنية تحتية عاجلة هدفت في جانب منها إلى تعزيز شرعية النظام السياسي الجديد.
سياسة المشاريع عديمة الجدوى
من أبرز ملامح السياسة الاقتصادية في عهد السيسي التركيز على إطلاق مشاريع قومية ضخمة عديمة الجدوى من الناحية الاقتصادية، من أبرزها مشروع توسعة قناة السويس الذي أُطلق عام 2015 بتكلفة بلغت نحو ثمانية مليارات دولار جُمعت من مدخرات المصريين عبر شهادات استثمار. وقد رُوّج للمشروع على نطاق واسع باعتباره خطوة ستضاعف إيرادات القناة. لكن العائد الاقتصادي للمشروع ظل مرتبطاً بحركة التجارة العالمية أكثر من ارتباطه بالتوسعة نفسها.
مدينة الصحراء المنسية
إلى جانب ذلك أطلقت الدولة مشروع العاصمة الإدارية الجديدة وعدداً كبيراً من المدن الجديدة في الصحراء. وقد أنفقت الدولة مئات المليارات من الجنيهات على هذه المشاريع العقارية. ويرى العديد من الاقتصاديين أن هذه المشاريع لم تسهم في تعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد المصري، إذ لم تؤد إلى زيادة الصادرات أو تقليل الواردات، بينما استهلكت كميات كبيرة من العملة الأجنبية.

تصاعد الديون الخارجية
مع تراجع الدعم المالي المباشر من الخليج بعد السنوات الأولى للانقلاب، أصبحت الديون الخارجية المصدر الرئيسي لتمويل الاقتصاد المصري.
تشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن الدين الخارجي ارتفع من نحو 43.2 مليار دولار في يونيو 2013 إلى نحو 168 مليار دولار في الفترة بين 2023 و2026. وهذا يعني أن حجم الدين الخارجي تضاعف عدة مرات خلال عقد واحد فقط.
وقد أدى هذا الارتفاع الكبير في الديون إلى زيادة كبيرة في تكلفة خدمة الدين، بحيث أصبحت فوائد وأقساط الديون تستهلك أكثر من 60 في المئة من الموازنة العامة للدولة.وبذلك أصبحت قدرة الحكومة على الإنفاق على الخدمات العامة مثل التعليم والصحة محدودة بشكل متزايد.
تعويم الجنيه والتضخم

خضع الجنيه المصري منذ عام 2016 لعدة موجات من التعويم في إطار برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بصندوق النقد الدولي. كان أول تعويم كبير في نوفمبر 2016 عندما فقد الجنيه نحو نصف قيمته أمام الدولار. ثم تكررت موجات التعويم في الأعوام 2022 و2023 و2024. ونتيجة لذلك خسر الجنيه أكثر من 85 في المئة من قيمته مقارنة بما كان عليه قبل عام 2016.
وقد أدى انهيار العملة إلى موجات تضخم كبيرة، حيث ارتفعت أسعار الغذاء والسلع الأساسية بشكل حاد. وفي بعض الفترات تجاوز تضخم أسعار الغذاء 70 في المئة. وقد أدى هذا الوضع إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وزيادة معدلات الفقر.
عسكرة الاقتصاد وتهميش القطاع الخاص

لم يكن التدهور الاقتصادي نتيجة نقص الموارد فقط، بل كان أيضاً نتيجة لتغيير عميق في قواعد الاقتصاد المصري. فقد توسعت المؤسسة العسكرية بشكل كبير في النشاط الاقتصادي خلال عهد السيسي.
امتدت هذه الإمبراطورية الاقتصادية لتشمل قطاعات متعددة مثل المناجم والمحاجر والإنشاءات والصناعات الغذائية والطرق والطاقة وحتى الإعلام. وقد حصلت الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية على امتيازات تنظيمية وضريبية واسعة، ما منحها قدرة تنافسية غير متكافئة مقارنة بالشركات الخاصة.
هذا الوضع خلق بيئة اقتصادية طاردة للاستثمار الخاص المحلي والأجنبي، حيث غابت المنافسة العادلة، ما دفع كثيراً من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين إلى نقل استثماراتهم إلى الخارج، خاصة إلى مراكز اقتصادية مثل دبي والرياض.ويرى العديد من الخبراء أن هذا الوضع أدى إلى إضعاف الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي وإلى خروج بعض رؤوس الأموال المصرية إلى الخارج.
التحول من المساعدات إلى بيع الأصول
مع تفاقم أزمة العملة الأجنبية في السنوات الأخيرة لجأت الحكومة المصرية إلى بيع الأصول كوسيلة لتوفير السيولة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك صفقة رأس الحكمة التي أُعلنت عام 2024 مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة ساحلية كبيرة. كما اتجهت الحكومة إلى بيع حصص في عدد من الشركات المملوكة للدولة في قطاعات مثل الاتصالات والبنوك والأسمدة. ويمثل هذا التحول انتقالاً واضحاً من مرحلة الاعتماد على المنح والمساعدات إلى مرحلة الاعتماد على بيع الأصول والاستثمارات الأجنبية.
الخليج.. من “المساعدات” إلى “الاستحواذ”
بحلول عام 2024 أدرك الحلفاء الخليجيون أن تقديم الودائع والمساعدات المالية لم يعد حلاً مستداماً للأزمة الاقتصادية في مصر. لذلك بدأت الاستراتيجية الخليجية تتحول تدريجياً من

“دعم الحليف السياسي” إلى “الاستثمار المباشر وشراء الأصول”. وقد كانت صفقة «رأس الحكمة» ابقيمة 35 مليار دولار مع الإمارات بمثابة الإعلان الرسمي عن هذا التحول. فقد مثلت الصفقة أكبر استثمار أجنبي في تاريخ مصر، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن تحول الدولة المصرية من لاعب إقليمي كبير إلى اقتصاد يضطر إلى بيع أصول سيادية ومواقع استراتيجية للحصول على السيولة المالية اللازمة للخروج من أزماته.
التبعية لصندوق النقد الدولي
خضعت مصر لعدة برامج “إصلاح اقتصادي” مع صندوق النقد الدولي، كان أبرزها برنامج عام 2016. وقد تضمنت هذه البرامج إجراءات قاسية مثل تعويم الجنيه ورفع الدعم عن الوقود والطاقة وتقليص الإنفاق الحكومي. وأدت موجات التعويم المتتالية إلى فقدان الجنيه المصري أكثر من 85 في المئة من قيمته الشرائية مقارنة بما كان عليه قبل عام 2016. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على المستوى الاجتماعي، حيث ارتفعت معدلات التضخم بشكل كبير وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين، بينما تجاوزت نسبة الفقر الرسمية حاجز الثلاثين في المئة، مع تقديرات غير رسمية تشير إلى أن نسبة من يعيشون في حالة هشاشة اقتصادية قد تقترب من ستين في المئة.
البحث في جيوب الفقراء واتساع دائرة الجباية

في ظل العجز المتزايد في الموازنة العامة وتضخم خدمة الدين، بدأت الحكومة المصرية تتجه إلى توسيع القاعدة الضريبية بشكل غير مسبوق. ولم يقتصر ذلك على الشركات الكبرى، بل امتد إلى قطاعات اجتماعية كانت تقليدياً خارج النظام الضريبي.
فقد بدأت الدولة في إعداد تشريعات وإجراءات تهدف إلى فرض ضرائب ورسوم على فئات واسعة من الاقتصاد غير الرسمي، بما في ذلك الباعة المتجولون والحرفيون وأصحاب الورش الصغيرة والعاملون في الصناعات المنزلية وأصحاب المهن الحرة.
كما توسعت الدولة في تطبيق الفاتورة الإلكترونية والضرائب الرقمية وتتبع المعاملات المالية بهدف إدخال ملايين الأنشطة الصغيرة إلى المنظومة الضريبية. ورغم أن توسيع القاعدة الضريبية قد يكون خطوة إصلاحية في بعض السياقات، فإن تطبيقه في ظل ركود اقتصادي وارتفاع معدلات الفقر أثار مخاوف من أن يتحول إلى عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة.
وقد اعتبر كثير من الاقتصاديين أن هذا التوسع في الجباية يعكس مأزقاً مالياً عميقاً، حيث أصبحت الدولة تعتمد بصورة متزايدة على تحصيل الضرائب والرسوم لتعويض نقص الموارد الإنتاجية.
إغراق المصريين في الفقر والبطالة

يظهر تحليل مسار الاقتصاد المصري منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي واستيلائه على السلطة عام 2013 أن البلاد انتقلت من مرحلة الاعتماد على الدعم المالي الخارجي إلى مرحلة الاعتماد على الديون والاستثمارات الأجنبية. فقد أدت السياسات الاقتصادية المعتمدة خلال العقد الماضي إلى تضخم كبير في حجم الديون الخارجية تجاوزت 168 مليار دولار، وانخفاض حاد في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم والفقر. كما أدت هيمنة الدولة والمؤسسة العسكرية على النشاط الاقتصادي إلى إضعاف دور القطاع الخاص، وهو ما أثر سلباً على القدرة الإنتاجية للاقتصاد. وبذلك أصبح الاقتصاد المصري يواجه تحدياً بنيوياً قاتلا يغرق مصر والمصريين في الفقر والبطالة والتبعية.
هذا هو الحصاد المر لسنوات حكم الانقلابي عبد الفتاح السيسي، والذي يمهد الطريق امام سنوات طويلة من الشقاء للمصريين
