البابور الموقع العربي

الولايات المتحدة أحبطت آمال الديمقراطية في السودان

129

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا أعده مراسل شؤون الدبلوماسية والأمن القومي، روبي غريمر، أشار فيه إلى الكيفية التي أحبطت فيها الولايات المتحدة آمال الديمقراطية في السودان. فالبلد الذي كان عصب التغيير في شرق أفريقيا، يواجه اليوم حربا أهلية.

في البداية، تحدث الكاتب عن لقاء المبعوث الأمريكي في حينه جيفري فيلتمان، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 مع قادة السودان العسكريين والمدنيين، حيث أكد له العسكريون التزامهم بالعملية الانتقالية، وأنهم لن يستولوا على السلطة بالقوة. وغادر فيلتمان الخرطوم صباح 25 تشرين الأول/ أكتوبر، ليتلقى وهو في الجو رسالة عن اعتقال العسكريين رئيس الوزراء الانتقالي عبد الله حمدوك وعددا من القادة المدنيين.

وردّت الولايات المتحدة بتبني سلسلة من الإجراءات المثيرة للجدل على مدى الـ18 شهرا الماضية. فمن ناحية، واصلت علاقتها مع العسكريين، ومن جهة أخرى، حاولت دفع السودان نحو الديمقراطية. وبعد أشهر من المفاوضات، أثمرت الجهود أملا بتحول ديمقراطي، واعتقد مسؤولون في إدارة بايدن أنهم اقتربوا من الحل.

لكن الاتفاق انهار بعد المواجهات بين القوات السودانية المسلحة بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، وتلك التي يقودها الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي” التي تعرف بقوات الدعم السريع. وأدى انهيار عملية التحول الديمقراطي في السودان لردة فعل سلبية وغضب بين الدبلوماسيين والمسؤولين في واشنطن، الذين شعروا أن الإدارة الأمريكية قوّت الجنرالين في وسط الأزمة الحالية، وفاقمت التوترات بينهما وهي تدفع باتجاه حل سياسي، وتجاهلت القوى المدنية الداعية للديمقراطية.

وقال مسؤول أمريكي رفض الكشف عن هويته: “ربما كنا قادرين على منع النزاع” و”لكن يبدو أننا لم نحاول بل وجرّأنا حميدتي والبرهان من خلال إصدار الكثير من التهديدات الفارغة”. وفي كل هذا، يقول المسؤول: “تركنا اللاعبين المؤيدين للديمقراطية جانبا”.

وحوّل القتال بين البرهان وحميدتي الخرطوم إلى ساحة حرب، عرّضت حياة الملايين للنار وخطر الغارات الجوية والقنابل المدفعية وقذائف الهاون. ودفع القتال السودان نحو الانهيار، وقوّض، ربما للأبد، المشروع الممول غربيا لجلب الديمقراطية لبلد عانى من الاستبداد والنزاعات الأهلية خلال نصف قرن.

ونظرا لفشل عدد من محاولات وقف إطلاق النار، بات المسؤولون الغربيون والمحللون يخشون من نزاع قد يقود إلى حرب أهلية، يزيد من الأزمة الإنسانية ويعرّض أمن البحر الأحمر الإستراتيجي الذي تمر عبره 10% من التجارة العالمية للخطر.

وفي مقابلات مع عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين الغربيين وناشطين سودانيين، قالوا إن السياسة الأمريكية تجاه السودان كانت قاصرة واحتكرتها مجموعة من المسؤولين الذي أسكتوا البقية وأبعدوا المؤسسات الأخرى عن المفاوضات، ورفضوا المعارضة لمسار السياسة الأمريكية من السودان.

وقال مسؤول أمريكي سابق: “منذ البداية، كان هناك رفض متعمد للآراء التي تساءلت عن المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة، وإن كانت وصفة للنجاح أو الفشل” و”تم  تجاهل هذه التحذيرات. وبدلا من ذلك، بنت الولايات المتحدة قصر أحلام من العملية السلمية التي تحطمت الآن على الشعب السوداني”.

وقال المسؤولون السابقون والحاليون الذي رفضوا الكشف عن هوياتهم، إن واشنطن أهملت التوترات في الخرطوم، واحتمال اندلاع نزاع، وتركت المسؤولين والعاملين الأمريكيين في الخرطوم عالقين في الحرب، دون خطط لتأمينهم.

في الخرطوم، قال هؤلاء المسؤولون والمحللون السودانيون، إن هذه السياسة تضررت بسبب عدم توفر العدد الكافي من الموظفين وبدون سفير في الأوقات الحرجة. وقال كاميرون هدسون، من المركز للدراسات الإستراتيجية والدولية: “يبدو أننا فقدنا ذاكرة مؤسساتية في السودان”. وأضاف هدسون الذي عمل سابقا في وزارة الخارجية: “كان الجنرالات يكذبون علينا لعقود، وأي شخص عمل في السودان، واجه هذا الأمر مرة بعد المرة”.

ورفضت وزارة الخارجية هذا التوصيف، وقالت: “تركز تواصلنا بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2021  وسيطرة العسكر على السلطة، على دعم الفاعلين المدنيين السودانيين في عملية يقودها السودانيون وإعادة تشكيل حكومة بقيادة مدنية”. وأضافت “لم تضغط الولايات المتحدة باتجاه أي صفقة محددة، ولكنها تحاول بناء إجماع وضغط على الفاعلين للتوصل إلى اتفاق بشأن حكومة مدنية وعودة الانتقال الديمقراطي”.

واشتملت على “دبلوماسية متتابعة والعمل مع المدنيين لنزع فتيل التوتر بين القوات السودانية المسلحة وقوات الدعم السريع التي ظهرت عدة مرات في الأيام التي سبقت 15 نيسان/ أبريل 2023” عند اندلاع القتال.

ومع ذلك فقد كانت السياسة من السودان لإدارة وضعت نصب عينها دعم الديمقراطية والتصدي للديكتاتورية، هي فشل ذريع، حتى في ظل عملية إجلاء ناجحة لكل موظفي الحكومة والمواطنين الأمريكيين من السودان. ويخشى المسؤولون هؤلاء من تردد صدى الأزمة بعيدا عن حدود السودان، في حالة لم يوافق المتحاربون على وقف إطلاق للنار، ويتخوفون من مخاطر دخول القوى الأجنبية المتنافسة في النزاع وتحويله إلى حرب بالوكالة.

وفي مقابلات مع عدد واسع من الناشطين السودانيين وقادة المجتمع المدني، عبروا عن فقدانهم الثقة بالولايات المتحدة كمركز للديمقراطية وداعم لآمال السودانيين الديمقراطية. وتحدث معظهم بدون الكشف عن هويتهم نظرا لوجودهم في الخرطوم.

فبعد الثورة التي أطاحت بعمر البشير، عاد السودان إلى المجتمع الدولي واستثمرت الولايات مصادر دبلوماسية ومالية في العهد الجديد. وكان السودان في الطريق نحو قصة نجاح. وقادت الحركة مكونات المجتمع المدني وأطاحت بواحدة من أطول الديكتاتوريات في العالم، وفي خطاب للرئيس جو بايدن عام 2021، وصف فيه المعركة في العالم بأنها بين الديكتاتورية والديمقراطية.

واتخذ بايدن من السودان مثالا، عندما قال إن “عالم الديمقراطية في كل مكان”. وبعد شهر من خطابه هذا، قام البرهان وحميدتي بانقلابهما، وردّت إدارة بايدن بتجميد 700 مليون دولار من المساعدات الأمريكية، وبعد عام أصدرت قيودا على منح التأشيرات للجنرالات وأي شخص له علاقة بالانقلاب.

وقام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بتجميد 6 مليارات كمساعدات مالية للسودان. إلا أن المسؤولين الأمريكيين اعتقدوا أن الإدارة لم تذهب بعيدا في انتقامها من منفذي الانقلاب، وطالب البعض بفرض عقوبات تأديبية على البرهان وحميدتي، وإظهار الدعم للقوى المدنية.

ورأى البعض، بمن فيهم مساعدة وزير الخارجية الأمريكية، مولي في، ومبعوثة بايدن إلى أفريقيا، أن العقوبات لن تكون فاعلة، وربما أضعفت التأثير الأمريكي على البرهان وحميدتي. وقال مسؤول: “كان هناك أمر يجب فعله، وهو التوضيح للشعب السوداني أننا مع الديمقراطية ومعاقبة حميدتي والبرهان على الانقلاب الصارخ”.

وقال فيلتمان إنه كان مع فرض عقوبات على البرهان وحميدتي أثناء فترة عمله، لكنه لم يكن متأكدا إن كانت ستمنع النزاع، وأضاف: “هل فكرت بأن تمنعهما العقوبات من أخذ 46 مليون نسمة رهينة لتعطشهما الشخصي للسلطة؟ لا”.

وكانت هناك عوامل أثرت على السياسة الأمريكية في السودان، منها انشغال واشنطن بالحرب الأهلية في إثيوبيا، وعدم توفر طاقم قوي في السفارة الأمريكية بالخرطوم، بحيث لم يصل سفير متفرغ إلا بعد 3 أعوام من الإطاحة بالبشير.

وقال مسؤول إن السفارة الامريكية لم يكن لديها الطاقم المهني، وعندما وصل السفير والقائم بالأعمال، شعرا بالإحباط نظرا لغياب الدعم من واشنطن. وقال خمسة مسؤولين أمريكين، وناشطون سودانيون، إنه حتى بعد وصول السفير الأمريكي إلى الخرطوم نهاية 2022، لم يبذل المسؤولون الأمريكيون الجهد للتواصل مع القوى المدنية.

ورفضت الأصوات المعارضة المطالبة بفرض عقوبات على حميدتي والبرهان. في وقت عمل الجنرالان على توسيع تأثيرهما في الداخل والخارج، حيث وجدا داعمين لهما من القوى الإقليمية، مصر من ناحية البرهان، وروسيا والإمارات من جهة حميدتي، وعززت قوات الدعم السريع من علاقاتها مع مجموعة المرتزقة “فاغنر”.

وفي نفس الوقت الذي زار فيه حميدتي روسيا في 23 شباط/ فبراير 2022، تم تداول مذكرة داخل وزارة الخارجية الأمريكية، حذرت فيها من توسع المنافسة بين حميدتي والبرهان.

وعبّرت القوى المدنية عن خيبة أملها من النهج الأمريكي في السودان.

القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار