البابور الموقع العربي

عزيز.. رواية استثنائية لكاتبٍ استثنائي

124

د. أسامة علي محمد الطيب

حين تقرأ رواية من الروايات التي تنتمي إلى (أدب السجون)، يدور بخاطرك أن المؤلف سوف يغرقك في الظلمة والأبواب الضخمة، وصكّ النوافذ لحظات الإغلاق، والألم والجراح وآهات المظلومين. وأنه سوف يملؤك اكتئابًا وتشاؤمًا

إلا أنني فوجئت حين فرغت من قراءة رواية (عزيز) للأديب الإرتري المدهش هاشم محمود، بسلاسة اللغة، ومتعة الأسلوب، وتسلسل الأحداث التي أخذتني إلى سجون إرتريا، ذلك البلد الذي نجهل الكثير عنه..

و”عزيز” بطل الرواية، شابٌّ ذو ثأثير علي المجتمع، ووالده عالم جليل صاحب بصمة دينية، وقد أخذ عنه وطنيته الصادقة وغيرته على وطنه وشعبه، وهو مثقف ورياضي بل يعمل بالمعهد الديني مساعدًا لوالده.

وقد اعتُقل وهو يقدم خدمة للمجتمع كان مشاركًا بمؤتمر دولي، فما بين نيروبي وكرن آلاف الاميال ولكن الهمة العالية تسعي دومًا لتحقيق النجاح مهما كان الثمن.

عقد ونيف عاشها عزيز بين سجون الساحل العشوائية ومخافر الشرطة المتعددة بكل من كرن وعد خالا وأسمرا وهبرو، ذاق خلالها ألوان التعذيب، وتحمل من الأذى ما لا يُطاق، ولكن المولي انتقم من الظالم الثعبان وعزل غيره، ومسيلمة يموت كمدا من نجاح رواية عزيز .

الجميع تآمروا علي إخفاء الحقيقة، ولكن الأقدار ساقت بعضَهم إلي الموت بآلام شديدة وقروح أصابت حراج السكر المتعفن. وسماسرة المعلومات يعيشون كذبًا وزورًا وبهتانًا، ويكتسبون من كذبهم بأن عزيز يوجد بالموقع هذا ويحتاج إلى كذا وكذا ؟

أين المروءة يا قوم؟ بالله هذا سلوك سوي؟

الأطفال حول جدهم يجلسون صباحاً ومساءً علي امل وصول والدهم الذي اختطف من مطار أسمرًا فلا وصل نيروبي ولا عاد الي كرن .

ثم الفرحة الكبري بزيارة الشيخ المربي بسجن عدي خالا، موقف مهيب يدمع له من لايملك ذرةً من شفقة.

العزيز اسمًا وصفةً هنا بين السجناء دون محاكمة، وبلا جُرمٍ اقترفه، واضعًا بصمته وسط الحضور. حقًّا لقد كان صاحب رسالة، فأصبح رمزًا للخير والسلام والمحبة من الجميع .

رواية مثيرة ومتميزة، أمَّا العبرة منها فتبدو واضحة جلية: أن صاحب الحق ينتصر ولو بعد حين .

ولا بدَّ أن نذكر هنا أن هاشم محمود تفوق على كثيرين من مجايليه بلغته الواضحة ورسالتة الصادقة وهدفه النبيل؛ فلم يمل إلي التعقيدات اللغوية ولا إلي الأسلوب الجاف المصطنع؛ بل كان مرنًا وطبيعيًّا في كل شيء.

وأعتقد أن هذه الرواية لها ما بعدها، وقد أحدثت صدي واسعًا في معرض الكتاب بالقاهرة، حيث نفدت طبعتها الأولى، وصدرت منها طبعة ثانية عن دار النخبة للنشر والتوزيع في مصر.

أما في دار ابن رشيق الأردنية، فقد شاركت بمعرض مسقط الدولي للكتاب، وكانت موضع اهتمام الزوار الذين أقبلوا على اقتنائها بصورة غير مسبوقة، وقد نفدت النسخ التي شاركت بها الدار كلها.

إنه نجاح مستحق لعمل جبار !

دكتور / أسامة علي محمد الطيب

مستشفى القوات المسلحة بالجنوب – السعودية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار