البابور الموقع العربي

التطبيع تحت أوهام بقرة إسرائيل الحلوب

106

عبد التواب بركات

كشف ديفيد بن غوريون، أول رئيس للوزراء في إسرائيل وأحد أهمّ رواد جيل الآباء المؤسسين للكيان الصهيوني، أن عزلة إسرائيل الاقتصادية والدبلوماسية في وسط محيط مكون من 22 دولة عربية متفقة جميعها على رفض وجودها ومحاربتها هي أخطر التحديات الاستراتيجية التي تواجه دولة الاحتلال الوليدة.

وظلت إسرائيل معزولة عربياً رغم توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع الرئيس أنور السادات في سنة 1978، ولم تنجح في اختراق المحيط العربي من خلال مصر التي وجدت نفسها، بسبب الاتفاقية، مقاطعة عربياً وفي عزلة مشابهة لعزلة إسرائيل. وبعد عشر سنوات، حاول شيمون بيريز، رئيس الوزراء الأسبق وثعلب السياسة الإسرائيلية ووزير الخارجية في تلك الفترة، كسر العزلة بإبرام اتفاق سلام مع ملك الأردن، الحسين بن طلال، في مقابل تنازل إسرائيل عن الضفة الغربية للأردن، ولكن إسحاق شامير، رئيس الوزراء آنذاك، أبطل الصفقة.

لم يفقد بيريز الأمل، ونجح بدعم من إسحاق رابين، رئيس الوزراء الراحل، في نسج خيوط اتفاق أوسلو في سنة 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية التي تولت إدارة الضفة الغربية وغزة كبداية لحل الدولتين. وكانت أوسلو مبرراً لهندسة بيريز معاهدة سلام وادي عربة بين الأردن وإسرائيل في سنة 1994. لكن فشل أوسلو وما بعدها في الوصول إلى حل الدولتين حال دون تطبيع شعبي كما تريده إسرائيل مع مصر والأردن.

استخدم رئيس الوزراء الحالي، بنيامين نتنياهو، ملكاته الدبلوماسية المتفردة، ودعم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في تحقيق استراتيجية بن غوريون بدمج إسرائيل في محيطها العربي والإقليمي دون التقيد بحل القضية الفلسطينية وتحقيق شرط الدولتين. واستخدم نتنياهو الخبرة الزراعية الإسرائيلية في الترويج للفوائد التي ستعود على الدول العربية والإقليمية المنخرطة في سياسة التطبيع.

وزعم نتنياهو أن البقرة الإسرائيلية تنتج أكبر كمية من الحليب على مستوى العالم. وفي أوج الخلاف بين مصر وإثيوبيا بسبب أزمة سد النهضة، زار نتنياهو إثيوبيا في جولته الإفريقية، وقال إن إسرائيل ستدعم إثيوبيا بالتكنولوجيا الإسرائيلية للاستفادة من مواردها المائية في تطوير الزراعة.

وزعم في كلمة أمام البرلمان الإثيوبي أن إسرائيل لديها استراتيجية وإرادة ستجعل من إثيوبيا أكبر دولة منتجة للألبان في العالم. وأكد أن إسرائيل حلت مشكلتي المياه والزراعة، وأن البقرة الإسرائيلية هي البقرة التي تنتج أكبر كمية من الحليب عالمياً، وهو متحمس لمشاركة هذه التكنولوجيات مع أصدقائه الأفارقة. وهي رسالة لإثيوبيا ولغيرها من دول الإقليم لتسريع وتيرة التطبيع لجني ثماره. ولكن بعد مرور 8 سنوات، أين تكنولوجيا الحليب الإسرائيلية، وبرنامج الغذاء العالمي اليوم يناشد العالم إنقاذ إثيوبيا من المجاعة؟

ولإغراء الشعوب العربية بالتطبيع، تروّج إسرائيل لثمار تطبيع الإمارات معها. فأعلنت شركة “تنوفا” الإسرائيلية مدّ الإمارات بالتكنولوجيا الإسرائيلية لإنتاج الحليب. وعربوناً للتطبيع، عرض وزير شؤون الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين، وزير الخارجية لاحقاً، على حكومة السودان مشاركة التكنولوجيا الإسرائيلية في مجال إنتاج الحليب.

وزعم أن إسرائيل رائدة عالمياً في هذا المجال، وأن للبقر الإسرائيلي معدل الحليب الأكبر في العالم، حيث تنتج البقرة الواحدة في إسرائيل 12 ألف لتر سنوياً، مقارنة بالأبقار الأميركية، التي يبلغ معدل إنتاجها 10 آلاف لتر، والاتحاد الأوروبي 6 آلاف لتر.

الإصرار على الترويج لتفوق إسرائيل في مجال التكنولوجيا الزراعية وإنتاج الحليب يثير الاشمئزاز والشفقة، ذلك أن إسرائيل ليست ضمن أكبر 10 دول منتجة للحليب، وهي لا تكتفي ذاتياً من الحليب ومنتجاته حتى توزع خبرتها على الدول الأخرى. وفي عام 2022، استوردت إسرائيل حليباً بقيمة 1.52 مليون دولار، وصدرت حليباً بقيمة 979 ألف دولار. وبالتالي فهي تستورد 36% من استهلاكها من الحليب ومنتجاته، فأين تميز التكنولوجيا الإسرائيلية والبقرة الإسرائيلية؟!

وفي العام الماضي، علقت إسرائيل ضريبة الحماية الجمركية على الحليب المحلي للسماح بالاستيراد لعلاج العجز في الإنتاج المحلي، وذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن واردات الحليب تأتي من بولندا والمجر ودول أوروبا الشرقية الأخرى، حيث أسعار الحليب أقل بنسبة 30% مما هي عليه في إسرائيل.

أما عن أعلى بقرة في إنتاج الحليب على مستوى العالم، فهي ليست في إسرائيل بالتأكيد. فوفق مجلس الإحصاءات الزراعية التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تتمتع كندا والولايات المتحدة بأعلى متوسط إنتاجية حليب لكل بقرة على مستوى العالم. وأخيراً نشرت وزارة الزراعة والأغذية الزراعية في كندا، ترتيب الدول الأعلى إنتاجية للحليب على مستوى العالم، وتتصدره كندا والولايات المتحدة.

وكحالة نادرة، فإن أكبر بقرة منتجة للحليب حول العالم مسجلة في كندا، وأنتجت 217 ألف لتر حليب خلال 17 سنة من عمرها الإنتاجي، في مقابل 35 ألف لتر في المتوسط العالمي للأبقار الأخرى. وأكبر بقرة معمرة على مستوى العالم، فإن عمرها أكبر من عمر إسرائيل بأربع سنوات في وقت وفاتها سنة 1993. وهي مسجلة في أيرلندا، وولدت سنة 1944، وماتت في سنة 1993عن 49 عام.

وأول مرة أسمع من يقول إن عمره أكبر من عمر إسرائيل كانت الراحلة الدكتورة رضوى عاشور، الأكاديمية والأديبة المصرية وزوجة الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي ووالدة الشاعر تميم البرغوثي، في مؤتمر لدعم فلسطين قبل أكثر من 20 سنة قالت إنها ولدت قبل قيام إسرائيل بسنتين.

ذلك أن أساسيات الإنتاج الحيواني التي تدرس لطلاب العلوم الزراعية تشمل سلالات الأبقار المتخصصة في إنتاج الحليب والأخرى المتخصصة في إنتاج اللحم حول العالم، وليس من بينها سلالات أبقار إسرائيلية “نقية” أو محلية متخصصة في إنتاج الحليب أو اللحوم. أما بقرة بني إسرائيل، فهي لم تحمل ولم تحلب، ولم تضع ولم ترضع، وقصتها لم تكن في دولة إسرائيل، أو أرض فلسطين، ولكن يبدو أن البقر تشابه على نتنياهو.

ولم يعرف أن لإسرائيل ريادة في مجال تحسين سلالات البقر المنتجة للحليب. وقد أخبرنا الدكتور حسن جبر، أستاذ الإنتاج الحيواني، أن مشروعًا قوميًّا واعدًا لزيادة إنتاجية الجاموس المصري من الحليب بدأ في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ولكن وزير الزراعة، يوسف والي الذي فتح باب الزراعة المصرية للإسرائيليين على مصراعيه، قتله في مهده.

ثم نُقل المشروع برمته إلى دولة إسرائيل، ونجح هناك بعد 20 سنة في إنتاج سلالات من الجاموس المصري يدرّ 20 كيلوغرامًا من الحليب عالي الدسم في اليوم، وهو ما أشار إليه الجنرال السيسي بقوله: “الجاموس بتاعنا ده.. دولة خدته عملت ليه تعديل وراثي.. كان بيطلع 5 و6 كيلوغرام لبن، رجعته بيجيب 25 كيلوغرام لبن”. يقصد تحسيناً وراثياً، لأن التعديل الوراثي غير ممكن في هذا المجال.

تقرير وزارة الزراعة الأميركية الصادر في أول إبريل الماضي عن مخزونات الحبوب والأعلاف التي تستوردها إسرائيل بالكامل وتعتبر أهم معوقات إنتاج الحليب واللحوم والدواجن في إسرائيل والصادر، يفضح ادعاءات تفوق إسرائيل في مجال إنتاج الحليب، ويكشف اعتماد دولة الاحتلال على أستراليا في استيراد الأبقار، وليس على برامج التربية المحلية.

وجاء في التقرير أن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وطوابير الانتظار في قناة بنما لم يكن لها تأثير يذكر في شحنات الحبوب الإسرائيلية، حيث تصل معظمها من البحر الأسود والساحل الشرقي للأميركتين، دون المرور عبر قناة بنما أو البحر الأحمر. ومع ذلك، يقول التقرير، فإن صعوبة استيراد “ماشية التربية للحليب والتسمين الصغيرة” بشكل أساسي من أستراليا، بسبب عدم القدرة على الشحن عبر البحر الأحمر، من بين أسباب أخرى، يمكن أن تؤثر في واردات إسرائيل على المدى القريب.

استخدام الدعاية لتكنولوجيا إنتاج الحليب الإسرائيلية وغيرها من التكنولوجيا الزراعية في المنطقة العربية وبمعلومات مغلوطة، يكشف تعثر مشروع التطبيع على المستوى الشعبي. ورغم نجاح التطبيع على مستوى الساسة وبعض النخب، لكن يظل التطبيع الشعبي مرفوضاً من الجماهير العربية في الدول التي طبّعت رسميًّا مع الكيان، في مصر والأردن والإمارات، والبحرين والسودان والمغرب.

العربي الجديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار