البابور الموقع العربي

سمير الحجاوي يكتب: صناعة رواية الحرب.. ايران نموذجا

141

الحرب والرواية – صناعة الشرعية في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران

سمير الحجاوي

لم تعد الحروب المعاصرة تُدار فقط عبر التفوق العسكري أو السيطرة على الأرض والجو، بل أصبحت تُدار أيضاً عبر إنتاج الروايات التي تمنح الحرب معناها وشرعيتها. فالحرب اليوم تجري في مستويين متوازيين: مستوى العمليات العسكرية، ومستوى السرديات السياسية والإعلامية التي تفسر تلك العمليات وتبررها أمام الجمهور المحلي والدولي.

في هذا السياق برز مفهوم مهم في دراسات الاتصال السياسي للحروب، وهو أن الهدف العسكري قد يسبق الرواية السياسية. أي أن القرار العسكري يُتخذ أولاً وفق حسابات استراتيجية داخل دوائر السلطة، ثم تبدأ عملية بناء الخطاب السياسي والإعلامي الذي يمنح الحرب تفسيراً مقبولاً.

الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تقدم مثالاً واضحاً لهذا النمط. فقد ظهرت خلال الأيام الأولى للحرب سلسلة واسعة من التبريرات السياسية والإعلامية، بعضها أمني واستراتيجي، وبعضها سياسي داخلي، وبعضها ذو طابع أخلاقي أو ديني. ويمكن فهم هذه المبررات ضمن إطار أوسع هو استخدام الدين والتاريخ في ضبط الواقع وإنتاج الشرعية للحرب.

 

أولاً: المبررات الأمريكية للحرب

اتسم الخطاب الأمريكي بتعدد المبررات وتغيرها خلال فترة زمنية قصيرة. ويمكن تصنيف هذه المبررات إلى أربع مجموعات رئيسية: مبررات أمنية، مبررات استراتيجية، مبررات سياسية داخلية، ومبررات دينية-أيديولوجية.

 

المبررات الأمنية

قدمت الإدارة الأمريكية الحرب في البداية ضمن إطار التهديد الوشيك. فقد صُوِّرت العمليات العسكرية على أنها خطوة دفاعية تهدف إلى منع هجوم محتمل على القوات الأمريكية أو القواعد العسكرية في المنطقة.

في هذا السياق قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي اتخذ قرار الضربة لأنه اعتقد أن إيران كانت تستعد لاستهداف المصالح الأمريكية.

ينتمي هذا الخطاب إلى مفهوم الدفاع الاستباقي في الاستراتيجية العسكرية، وهو إطار قانوني وسياسي يسمح بتبرير الحرب باعتبارها إجراءً دفاعياً وليس عملاً هجومياً.

 

المبررات الاستراتيجية

ركز الخطاب الأمريكي أيضاً على قضية البرنامج النووي الإيراني. فقد قُدمت الحرب باعتبارها خطوة ضرورية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

قال الرئيس الأمريكي في أحد تصريحاته: “لو لم نتحرك الآن لكانت إيران امتلكت سلاحاً نووياً خلال أسبوعين.” وهذا النوع من الخطاب يخاطب أساساً المجتمع الدولي والحلفاء الغربيين، لأن قضية منع الانتشار النووي تحظى بشرعية واسعة في النظام الدولي. كما ظهرت ضمن هذا الإطار تفسيرات تربط الحرب بمحاولة تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني وإضعاف الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في الشرق الأوسط.

 

المبررات السياسية الداخلية

إلى جانب الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية ظهرت مبررات مرتبطة بالسياق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. فقد أشار الرئيس الأمريكي إلى ما وصفه بمحاولات التدخل الإيراني في الانتخابات الأمريكية، كما ظهرت إشارات إلى مخططات اغتيال مزعومة استهدفت مسؤولين أمريكيين. وهذا النوع من الخطاب يربط الحرب بالصراع السياسي الداخلي، ويحوّل المواجهة الخارجية إلى قضية مرتبطة بالأمن السياسي الأمريكي.

 

المبررات الدينية في الخطاب الأمريكي

اللافت في هذه الحرب هو حضور الخطاب الديني في بعض التصريحات المرتبطة بالدوائر السياسية والعسكرية. فقد نقلت تقارير عن تصريحات لبعض القادة العسكريين تشير إلى أن الصراع في الشرق الأوسط قد يكون جزءاً من مسار ديني أوسع، وأن الأحداث الجارية قد ترتبط بتفسيرات لاهوتية لدى بعض التيارات المسيحية الإنجيلية.

هذا الخطاب يرتبط بتيار مؤثر في السياسة الأمريكية يعرف بتيار المسيحية الإنجيلية الصهيونية، الذي يرى أن أحداث الشرق الأوسط جزء من سردية دينية مرتبطة بالتاريخ التوراتي ونبوءات نهاية الزمان.

في هذا السياق لا تُفسَّر الحرب فقط بوصفها قراراً سياسياً أو عسكرياً، بل باعتبارها حدثاً يحمل بعداً لاهوتياً مرتبطاً بالصراع بين الخير والشر أو بين الإيمان والتطرف.

 

ثانياً: المبررات الإسرائيلية للحرب

على عكس الخطاب الأمريكي الذي اتسم بالتعدد والتغير، جاء الخطاب الإسرائيلي أكثر تركيزاً واتساقاً. ويمكن تصنيف المبررات الإسرائيلية إلى ثلاث فئات رئيسية: مبررات وجودية، مبررات نووية استراتيجية، ومبررات دينية-تاريخية.

 

المبرر الوجودي

المبرر المركزي في الخطاب الإسرائيلي هو أن إيران تمثل تهديداً وجودياً للدولة. وقال رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي في تصريح سياسي: “إيران تسعى إلى تدمير إسرائيل، ولن نسمح لها أبداً بامتلاك القدرة على ذلك.”

هذا الخطاب يقوم على إطار إعلامي قوي يعرف في دراسات الاتصال باسم إطار البقاء. ووفق هذا الإطار تصبح الحرب ضرورة دفاعية مرتبطة بحماية وجود الدولة نفسها.

 

المبرر النووي

يرتبط المبرر الثاني بالبرنامج النووي الإيراني. فقد ركزت إسرائيل منذ سنوات على أن إيران تسعى إلى تطوير سلاح نووي قد يشكل تهديداً مباشراً لأمنها.

وبالتالي تُقدَّم العمليات العسكرية باعتبارها محاولة لمنع إيران من الوصول إلى القدرة النووية العسكرية.

هذا الإطار يتقاطع مع الخطاب الأمريكي، لكنه في الرواية الإسرائيلية يرتبط مباشرة بفكرة البقاء الوطني.

 

المبررات الدينية 

إلى جانب الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية يظهر في بعض الخطابات السياسية والإعلامية الإسرائيلية بعد ديني وتاريخي واضح. وفي بعض التفسيرات الأيديولوجية يُقدَّم الصراع مع إيران ضمن سياق تاريخي طويل يرتبط بفكرة الصراع بين الشعب اليهودي وأعدائه عبر التاريخ. وفي هذا السياق تُستدعى أحياناً رموز توراتية أو سرديات تاريخية تمنح الصراع بعداً يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة. هذا الاستدعاء الديني والتاريخي لا يشكل دائماً السياسة الرسمية للدولة، لكنه يمثل جزءاً مهماً من الخطاب الثقافي والسياسي الذي يحيط بالصراع.

 

ثالثاً: استدعاء الدين لضبط الواقع

عندما تندلع حرب كبيرة يتولد قدر كبير من التعقيد والفوضى في فهم الأحداث. هنا تلعب السرديات الدينية والتاريخية دوراً مهماً في تنظيم إدراك الجمهور للواقع.

فالدين والتاريخ يوفران إطاراً تفسيرياً بسيطاً نسبياً يمكن من خلاله فهم الأحداث المعقدة. فعندما يُقدَّم الصراع ضمن قصة دينية أو تاريخية يصبح أكثر قابلية للفهم لدى الجمهور.

في حالة الحرب على إيران ظهرت محاولات متعددة لربط الصراع بسرديات تاريخية أو دينية أوسع، سواء عبر الحديث عن صراع حضاري طويل في الشرق الأوسط أو عبر استدعاء رموز دينية مرتبطة بتاريخ المنطقة. بهذا المعنى يصبح الدين والتاريخ آليتين لضبط الواقع؛ أي تحويل حدث سياسي معقد إلى قصة ذات معنى أخلاقي أو حضاري واضح.

 

رابعاً: استدعاء الإرث لإنتاج الشرعية 

إلى جانب تفسير الواقع يؤدي استدعاء الدين والتاريخ وظيفة أخرى أساسية، وهي إنتاج الشرعية السياسية للحرب. فالقرارات العسكرية الكبرى تحتاج إلى تبرير يتجاوز الحسابات الاستراتيجية المباشرة. لذلك يتم ربط هذه القرارات بإرث تاريخي أو ديني يمنحها شعوراً بالاستمرارية والضرورة.

 

في الخطاب الإسرائيلي يظهر هذا في ربط الصراع مع إيران بفكرة الدفاع التاريخي عن وجود الدولة اليهودية.

أما في الخطاب الأمريكي فيظهر استدعاء الإرث عبر الحديث عن الدور التاريخي للولايات المتحدة في حماية النظام الدولي أو الدفاع عن القيم الديمقراطية.

بهذه الطريقة يتحول القرار العسكري من مجرد خطوة سياسية ظرفية إلى حلقة في مسار تاريخي أو حضاري أوسع.

 

خامساً: الدين والتاريخ كأدوات اتصال سياسي

في إطار نظريات الاتصال السياسي يمكن فهم استدعاء الدين والتاريخ بوصفه جزءاً من عملية التأطير الإعلامي للحرب. فالدين والتاريخ يوفران ثلاثة عناصر رئيسية يحتاجها الخطاب السياسي في زمن الحرب:

إضفاء معنى أخلاقي على الصراع

ربط الحدث الحالي بسردية تاريخية طويلة

تعزيز التعبئة النفسية لدى الجمهور

 

الصراع على الرواية والذاكرة 

إن الصراع في العصر الحديث ليس صراعاً على القوة العسكرية أو المصالح الجيوسياسية فقط، بل أيضاً صراعاً على الرواية التاريخية والدينية التي تفسر هذا الواقع وتمنحه معناه. وتكشف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران عن تحول مهم في طبيعة الحروب المعاصرة. فالحرب لم تعد تُبرَّر فقط بالحسابات العسكرية أو الاستراتيجية، بل أيضاً عبر سرديات دينية وتاريخية تمنحها معنى أوسع. فالخطاب الأمريكي جمع بين المبررات الأمنية والاستراتيجية والسياسية والدينية، بينما ركز الخطاب الإسرائيلي أساساً على التهديد الوجودي والبرنامج النووي، مع حضور واضح لاستدعاء الإرث التاريخي والديني في تفسير الصراع.

إن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في ساحات الذاكرة والتاريخ والدين، حيث يصبح الصراع على الرواية بقدر أهمية الصراع على القوة العسكرية نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار