البابور الموقع العربي

الشراكة الإماراتية الاسرائيلية في استهداف السعودية  

 الدور الوظيفي للإمارات والكيان الاسرائيلي لتفتيت الدول العربية الكبيرة

172

 

البابور العربي – تحليل إخباري 

تُعد الإمارات وإسرائيل دولتين مختلفتين جذرياً من حيث الهوية التاريخية والبنية السياسية والسياق الثقافي. ومع ذلك، تُظهر السياسات الإقليمية لكلا الطرفين قدراً لافتاً من التشابه في طريقة التفكير الاستراتيجي تجاه النفوذ السعودي والإقليمي.

لا ينبع هذا التشابه من تقارب أيديولوجي، بل من منطق وظيفي مرتبط بحجم الدولة، محدودية العمق الجغرافي، وطبيعة البيئة الإقليمية غير المستقرة التي تعملان ضمنها.

تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذا التقاطع من خلال تحليل خمسة محاور رئيسية: منطق الدولة الصغيرة، تفضيل النفوذ غير المباشر، التعامل مع الدولة المركزية، السيطرة على النقاط الحيوية، واستخدام الأدوات الاقتصادية والأمنية بدلاً من الاحتلال العسكري المباشر.

 

 أولاً: منطق الدولة الصغيرة في بيئة إقليمية مضطربة

تتشابه إسرائيل والإمارات في كونهما دولتين صغيرتين نسبياً من حيث المساحة والموارد البشرية مقارنة بالقوى الإقليمية المحيطة بهما.

إسرائيل نشأت في محيط عدائي، وتفتقر إلى عمق جغرافي استراتيجي، ما جعلها تعتمد تاريخياً على الردع، التفوق النوعي، والاستخبارات.

أما الإمارات، فهي دولة ذات كثافة سكانية منخفضة في منطقة تتسم بصراعات القوى الكبرى، وتسعى إلى تعويض محدودية الحجم عبر النفوذ الاقتصادي واللوجستي والتحالفات المرنة.

في هذا السياق، لا يُنظر إلى القوة العسكرية التقليدية بوصفها الأداة الأساسية للنفوذ، بل تُستبدل بمنظومة أكثر مرونة تقوم على الشبكات، النفوذ غير المباشر، وإدارة النقاط الاستراتيجية.

 

 ثانياً: تفضيل النفوذ غير المباشر على السيطرة المباشرة

اتبعت إسرائيل تاريخياً سياسة دعم فاعلين محليين في محيطها الإقليمي، سواء عبر ميليشيات، قوى انفصالية، أو شبكات استخباراتية داخل دول الجوار، بهدف تفكيك خصومها وإضعاف الدول المركزية المعادية.

وبصورة مماثلة، تبنت الإمارات في السنوات الأخيرة نمطاً يعتمد على دعم قوى محلية شبه مستقلة في مناطق النزاع، كما في اليمن والسودان والقرن الأفريقي، لتحقيق نفوذ سياسي وأمني دون الانخراط في احتلال مباشر أو تحمل كلفة بناء دولة مركزية قوية.

يعكس هذا التوجه قناعة مشتركة بأن النفوذ عبر الوكلاء أقل كلفة وأكثر مرونة من السيطرة العسكرية التقليدية.

 

 ثالثاً: تفضيل الكيانات الوظيفية على الدولة القومية المركزية

تنطلق الرؤية الإسرائيلية من اعتبار أن الدولة العربية القومية الكبيرة تشكل تهديداً استراتيجياً طويل الأمد، سواء عسكرياً أو ديموغرافياً. ولذلك، يُنظر إلى تفكيك المركزية وظهور كيانات أصغر أو مناطق حكم ذاتي بوصفه خياراً أمنياً مفضلاً.

 

أما الإمارات، فترى أن الدولة المركزية القوية في محيطها الإقليمي تحدّ من قدرتها على المناورة، وتقلّص فرصها في بناء شبكات نفوذ مرنة. لذا تميل إلى دعم كيانات محلية وظيفية قادرة على إدارة الموانئ، الجزر، والمناطق الساحلية، دون أن تتحول إلى دول قومية متماسكة ذات سيادة كاملة.

في الحالتين، يُعد إضعاف المركزية وسيلة لتسهيل النفوذ والسيطرة غير المباشرة.

 

 رابعاً: التركيز على الممرات الحيوية بدلاً من العواصم

تركز الاستراتيجية الإسرائيلية على السيطرة على العناصر الجيوسياسية الحساسة مثل المياه، المعابر، والمجال الجوي، باعتبارها مفاتيح التأثير السياسي والأمني.

وبالمثل، تركّز الإمارات على الموانئ، الجزر، والممرات البحرية، خصوصاً في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، باعتبارها أدوات أساسية لبناء نفوذ اقتصادي وأمني طويل الأمد.

يعكس هذا التوجه قناعة مشتركة بأن من يسيطر على الممرات الحيوية يملك قدرة أكبر على التأثير في مسارات السياسة الإقليمية من مجرد السيطرة على العواصم السياسية.

 

 خامساً: الاقتصاد والأمن كبديلين عن الاحتلال

تعتمد إسرائيل على التفوق التكنولوجي، الأمن السيبراني، والطاقة والزراعة المتقدمة لبناء نفوذها الخارجي وخلق علاقات اعتماد متبادل.

في المقابل، تستخدم الإمارات أدوات الاستثمار، الموانئ، الطيران، والخدمات المالية لتوسيع نفوذها الإقليمي وخلق شبكات اقتصادية عابرة للحدود.

في كلا النموذجين، يُستبدل الاحتلال العسكري التقليدي بنفوذ اقتصادي–أمني أقل كلفة وأكثر قبولاً دولياً.

 

 سادساً: الموقف من الدولة العربية المركزية القوية

تمثل الدولة العربية الموحدة والقوية تهديداً لإسرائيل من منظور عسكري واستراتيجي، وتهديداً للإمارات من منظور النفوذ والمناورة الإقليمية.

وعليه، تتقاطع مصالح الطرفين في تقويض هذا النموذج، إما عبر التفكيك المباشر (كما في الرؤية الإسرائيلية التقليدية)، أو عبر تحييده باستخدام وكلاء محليين وكيانات وظيفية (كما في النموذج الإماراتي).

 

 سابعاً: التطبيع بوصفه تقاطعاً استراتيجياً لا ثقافياً

لم يكن التقارب الإماراتي–الإسرائيلي نتاج تقارب ثقافي أو أخلاقي، بل جاء نتيجة تقاطع في الرؤى الأمنية والجيوسياسية.

كلا الطرفين يرى أن النظام الإقليمي القادم سيُدار عبر دول صغيرة مرنة، وشبكات نفوذ غير مباشرة، وليس عبر دول قومية كبيرة ذات سيادة مركزية قوية.

 

الرؤية الإماراتية والرؤية الإسرائيلية متقاربتان من حيث الوظيفة الاستراتيجية، رغم اختلافهما في الهوية والسياق التاريخي.

كلاهما يعتمد على النفوذ غير المباشر، يفضّل الكيانات الوظيفية على الدول المركزية، يركز على السيطرة على النقاط الحيوية، ويستخدم الأدوات الاقتصادية والأمنية بدلاً من الاحتلال العسكري التقليدي.

هذا التقاطع الوظيفي يفسر إلى حد كبير طبيعة التحالف بين الطرفين، ويعكس تحولاً أوسع في منطق القوة في الشرق الأوسط، حيث تُدار الهيمنة عبر المرونة والشبكات لا عبر الحجم والاحتلال المباشر.

 

ثامناً: كيف تشكّل الرؤية الإماراتية–الإسرائيلية خطراً على السعودية؟

1. تهديد نموذج الدولة المركزية

تقوم الرؤية السعودية التقليدية للأمن الإقليمي على دعم الدولة القومية الموحدة ذات السيادة المركزية القوية، باعتبارها الضامن الأساسي للاستقرار الحدودي والسياسي.

في المقابل، تتقاطع الرؤية الإماراتية–الإسرائيلية في تفضيل الكيانات الوظيفية الصغيرة أو السلطات شبه المستقلة على حساب الدولة المركزية.

يشكّل هذا التوجه تهديداً مباشراً للسعودية لأن:

نجاح نموذج الكيانات الصغيرة في الجوار الإقليمي قد يضعف شرعية نموذج الدولة المركزية.

تفكك الدول المحيطة يخلق بيئات حدودية غير مستقرة على امتداد حدود السعودية الطويلة.

انتشار منطق “الحكم المحلي المدعوم خارجياً” قد يعيد إنتاج أنماط تفتيتية في مناطق حساسة.

بذلك، لا يُنظر إلى هذا النموذج بوصفه مجرد اختلاف في الأسلوب، بل بوصفه تهديداً بنيوياً لنموذج الدولة الذي تستند إليه السعودية في أمنها القومي.

 

2. المخاطر الحدودية والأمنية المباشرة

تمتلك السعودية أطول حدود برية في شبه الجزيرة العربية، وتمتد هذه الحدود مع دول تعاني هشاشة سياسية وأمنية.

الرؤية التي تفضّل:

دعم فصائل محلية

إنشاء كيانات ساحلية أو حدودية شبه مستقلة

إدارة النفوذ عبر الوكلاء

 

تُنتج عملياً:

كيانات غير خاضعة لسيطرة دول مركزية.

مناطق نفوذ متغيرة الولاءات.

فضاءات أمنية رخوة قابلة للاختراق.

 

وهذا يرفع من احتمالات:

التسلل الأمني.

تهريب السلاح.

نشاط الجماعات غير النظامية.

توظيف الفوضى الحدودية كورقة ضغط سياسية.

بالنسبة للسعودية، التي تعتمد على الاستقرار الحدودي كعنصر أساسي في أمنها الداخلي، فإن هذا النموذج يشكّل مصدراً دائماً للمخاطر الأمنية.

 

3. تقويض النفوذ الإقليمي السعودي التقليدي

تعتمد السعودية تاريخياً على نفوذ قائم على:

دعم الحكومات الشرعية

الوساطة الدبلوماسية

الثقل السياسي والديني

الشراكات الدولية طويلة الأمد

 

في المقابل، يقوم النموذج الإماراتي–الإسرائيلي على:

النفوذ عبر الوكلاء

السيطرة على الموانئ والممرات

بناء شبكات أمنية واقتصادية غير رسمية

تحالفات مرنة وسريعة التغير

هذا الاختلاف يُضعف القدرة السعودية على:

ضبط مسارات الصراع الإقليمي

 

فرض حلول سياسية مركزية

الحفاظ على موقعها كقوة ضامنة للاستقرار

لأن النفوذ غير المباشر غالباً ما يتجاوز القنوات الرسمية التي تعتمد عليها الدبلوماسية السعودية التقليدية.

 

4. تهديد مشاريع السعودية طويلة الأمد (رؤية 2030)

 

ترتكز رؤية السعودية 2030 على:

الاستقرار الإقليمي

بيئة استثمارية آمنة

تكامل اقتصادي إقليمي

أمن الملاحة في البحر الأحمر

 

في المقابل، يفضي نموذج “الفوضى المُدارة” إلى:

صراعات منخفضة الشدة طويلة الأمد

عدم استقرار مزمن في الدول المجاورة

تكرار الأزمات الإنسانية والأمنية

هشاشة طرق التجارة والطاقة

وهذا يخلق بيئة إقليمية غير مواتية لمشاريع التحول الاقتصادي السعودية، ويجعل كلفة التنمية أعلى، والمخاطر الاستثمارية أكبر.

 

5. الخوف من “عدوى التفكيك”

أحد أهم مصادر القلق الاستراتيجي السعودي هو ما يمكن تسميته بـعدوى التفكيك:

أي أن نجاح نماذج الكيانات الصغيرة المدعومة خارجياً في دول الجوار قد:

يخلق مطالب محلية مماثلة في مناطق أخرى.

يعزز الخطابات الهوياتية والجهوية.

يضعف مفهوم الدولة المركزية الموحدة.

بالنسبة للسعودية، التي تعتمد على وحدة الدولة واستقرارها كركيزة أساسية للأمن الوطني، فإن أي تآكل لهذا النموذج في الإقليم يُنظر إليه كتهديد محتمل للاستقرار الداخلي.

 

6. التحالفات المرنة مقابل التحالفات الثابتة

تعتمد السعودية على تحالفات استراتيجية طويلة الأمد مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين، في إطار نظام دولي تقليدي نسبيًا.

في المقابل، تعتمد الرؤية الإماراتية–الإسرائيلية على:

تحالفات متعددة ومتغيرة

استغلال الفرص الظرفية

تنويع الشراكات الأمنية والتكنولوجية

 

هذا الأسلوب يقلّص قدرة السعودية على:

التنبؤ بمسارات النفوذ الإقليمي

إدارة التوازنات الاستراتيجية

ضبط تحركات الشركاء الإقليميين

ويخلق بيئة إقليمية أكثر سيولة وأقل قابلية للضبط المؤسسي.

 

 

تشكل الرؤية الإماراتية–الإسرائيلية خطراً استراتيجياً على السعودية ليس لأنها “معادية” بالضرورة،

بل لأنها تتناقض جذرياً مع الأسس البنيوية التي يقوم عليها الأمن السعودي:

الدولة المركزية الموحدة

الاستقرار الحدودي

النفوذ الرسمي

التحالفات الثابتة

التنمية القائمة على الاستقرار

 

في حين يقوم النموذج المقابل على:

تفكيك المركزية

إدارة الفوضى

النفوذ غير المباشر

التحالفات المرنة

السيطرة على النقاط الحيوية

هذا التناقض يجعل الصراع بين الرؤيتين وجودياً لا تكتيكياً، ويحوّل ساحات مثل اليمن والسودان والقرن الأفريقي إلى مختبرات مفتوحة لتجريب نماذج متضادة لإدارة الإقليم.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار