البابور الموقع العربي

رثاء 30 سنة من عمرنا.. مصطفى وهبة يترجّل عن صهوة النشر

548

د. محمد حسين بزي*

لست مولعًا بالرّثاء بل أكاد أمقته، ولكنّني مولع بالوفاء الذي بتنا نفتقده، سيّما إذا ما نزلت النوازل وكانت على فجأة من غير تقديم أو توقّع، عندها يُزان الإنسان بميزان المروءة فيظهر معدنه، ويُسفِر اللّيل عن صُبحه في حالكة المِحْن والمصائب، فيُعرف الأصيل من القليل، والكريم من الضّنين، ويبقى “ذِكر الفتى عمره الثّاني”.

د. محمد حسين بزي
د. محمد حسين بزي

هكذا كان الصّديق الوفيّ والزّميل الأبيّ الأستاذ “الحاج مصطفى حسن وهبة” (1961 – 2026)، وعلى هذا خبرته لثلاثين سنة خلت من عمر مهنة النّشر.
ثلاثون سنة ما بين بيروت والرّياض والدّوحة والدّمام والشّارقة وأبو ظبي والقاهرة ومسقط والكويت وغيرها الكثير من معارض النّشر الدّوليّة؛ فكان نِعم الأخ الكبير ونِعم الأستاذ المُعلّم في مهنة تضاءلت فعاليّتها في زمن العولمة والتطوّر التّكنولوجيّ، لكنّه بقي المراهن على أمرين:
1- ضرورة المحافظة على نشر الكتاب الورقيّ لِما يحمله من إرث حضاريّ أسهم في بناء الأمم.
2- محاولة تطوير مهنة النّشر لتلبية حاجات ومتطلّبات العصر، في كلٍّ من نقابة اتّحاد النّاشرين في لبنان والاتّحاد العام للنّاشرين العرب.
وفي الأمرين كان فارسًا شجاعًا وصوتًا مسموعًا ومثابرًا دؤوبًا بشهادة كلّ من عرفه.

وما لا يعرفه الكثير أنّ “أبا حسن” كان ناشرًا مسؤولًا بمعنى الكلمة، وقد شهدت على عدّة مواقف؛ حين رفض أكثر من مرّة نشر كتب لا تتوافق مع مبادئه وأخلاقه على الرّغم من أنّه كان سيحقق أرباحًا مؤكّدة، ولعَمري هذا من نوادر زمننا المعيش.
لهذا كلّه، فإنني أعدّ “مصطفى وهبة” شهيدًا، بعد أن كان شاهدًا، ولم يضحِّ بالحقيقة من أجل المصلحة.

وجريًا على قيمه ومبادئه؛ رفض عدّة مناصب في أكثر من زمان ومكان، وهذا ثابت في سيرته المديدة في عالم النّشر التي بدأت مع تأسيس شركة رشاد برس، في العام 1988م.

وعلى عادة المخضرمين؛ كان يحترم الوقت، محافظًا على دوامه المنتظم في شركته، حتّى في مخاطر الحرب الأخيرة التي دفع فيها أثمانًا باهظة جرّاء تدمير مستودعه ومنزله، وعلى الرّغم من كلّ الصّعاب والهموم ظلّ مؤمنًا أنّ الوقت لا ينتظر، فحافظ حتّى يوم وفاته على المكوث في مكتبه بدوامه المعتاد.

أمّا عن سيرته الشخصية فحدِّث ولا حرج، عن طيبة نفسٍ وكرم طباعٍ ورثها كابرًا عن كابر، فهو ابن بيئة عامليّة أصيلة متجذّرة في عشق الثّقافة والعلم وحبّ الوطن، وعلى هذا أسّس عائلته الصّغيرة مع شريكة العمر “الحاجة سوسن حيدر” (أم حسن)، فكان ثمر الزّرع الطّيّب: حسن وروان ومي، والحفيدات: إلسا وسيلين وكلارا.. ولست أنسى أثناء تواصلنا الأخير كم كان فرحًا وهو يلاعب حفيداته؛ قائلًا: هذه أكبر نعمة في الحياة، رغم كلّ المصائب التي حلّت بنا.
واليوم لم يخسر “الحاجَ مصطفى” الأبناءُ والأحفادُ والأهلُ فحسب؛ إنّما خسره كلّ من عرفه، وهذه خسارة ليس من السّهل تعويضها إلّا بالسّير على مبادئه السّامية واقتفاء أثره، وإحياء ذكره بالمحافظة على إرثه المهنيّ والأخلاقيّ والتّربويّ، وبهذا وحده يبقى “مصطفى وهبة” سيرة عطرة مستمرة مهما تطاول الزّمن.

ختامًا حبيبي “مصطفى”؛ على الرّغم من الحزن والدّمع، لا يسعني إلّا الرّضا بقضاء الله تعالى، والتّضرّع إليه أن يسكنك الفسيح من جنانه، وأن يلهم عائلتك وجميع محبيك الصّبر والاحتساب، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

 

*شاعر و روائيّ لبنانيّ، مدير عام دار الأمير في بيروت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار