البابور الموقع العربي

الخيال العلمي في رواية «أعشقني» للدكتورة سناء شعلان

69

الكاتبة والأديبة الدكتورة سناء الشعلان:

أؤمن بشكل قاطع بأن أزمة البشرية هي أزمة حب، وهذا الحب يتجاوز علاقة الرجل بالمرأة أو علاقة المرأة بالرجل ليصبح منظومة كاملة تغيب عن البشرية التعسة في الوقت الحاضر

 

حوار: د. توفيق رفيق آلتونچي

في هذه الرواية نجد أنفسنا فجأة في الألفية الثالثة، لنسرح بخيالنا عبر الزمن والمسافات في عالم افتراضي يتماشى تماماً مع روح العصر والتقدم العلمي الهائل في عالم الاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي وعالم الإنترنت. ورغم أن الأدب العربي الحديث فقير بروايات الخيال العلمي، فإن رواية «أعشقني» للدكتورة سناء شعلان كسرت طوق الصمت حول الإبداع الأدبي في مجال رواية الخيال العلمي. ولا ريب أن الكتابات الإبداعية التراثية بالعربية زاخرة بهذا النمط من الكتابات الخيالية، خاصة الروايات والأحاديث التراثية القديمة، الشفهية منها والمكتوبة، ولا سيما الرواية الشعبية، وخير مثال على ذلك حكايات «ألف ليلة وليلة»، وترجمة ابن المقفع لـ«كليلة ودمنة»، وآثار أخرى من عالم الخيال.

السيدة شعلان خارجة من رحم الشعب الفلسطيني ومدافعة عن قضاياه العادلة. وهذه الرواية تأخذ القارئ إلى عالم الخيال الواسع، عالم ما يسمى بـ«الفانتازيا».

التقيت بالكاتبة الأردنية الفلسطينية لتحدثنا عن تجربتها الرائدة وهمومها وأحلامها. سألناها عن عالم الرواية الفانتازية – الخيالية – في الأدب العربي، ولا سيما تلك النصوص التي تفتح أبواباً أمام المستقبل المجهول، وتقدم للقارئ تصوراً غيبياً يستشرف المستقبل انطلاقاً من معيار الثقافة الدينية.

فردّت قائلة:

«لا أعتقد أن الخيال العلمي مسألة ينبغي أن تدخل في جدلية حقيقية مع الثقافة الدينية، بل لا ينبغي أن يكون ذلك أبداً؛ فالخيال العلمي هو صيرورة للممكن والمتوقع في ظل المعطيات العلمية المستقبلية أو الممكنة. ولذلك، عندما يدخل الخيال العلمي في حرب أو جدال مع الثقافة الدينية، فإنه يكون قد ضل طريقه، وتحول من أداة استشرافية للممكن والعلم إلى ساحة جدال بيزنطية لا فائدة منها. ولذلك فإن أدب الخيال العلمي يقدم فسحة للعقل لا تصطدم مع الإنسانية بكل روحانياتها وآمالها وعقائدها المقدسة الطاهرة التي يجب أن ترتقي بالإنسان وتكوينه، كما يرتقي العلم به».

سألناها:

المستقبل مجهول بكل أبعاده، على الرغم من أن المستقبل حالة قائمة وحتمية، فكيف تمكنتِ من الجمع بين متناقضات الإرث الثقافي والولوج إلى عالم الغيب؟

فأجابت:

«الانطلاق مع المعطيات العلمية، والتركيز على آخر مستجدات العلم ومعطياته، ومتابعة النظريات العلمية الحديثة، يقدّم فسحة للمخيال الفني كي ينتقد الواقع، ويتصور المستقبل، ويبني المأمول دون أن يكون أسير الإرث الثقافي أو راجماً بالغيب. فالخيال العلمي ليس شطحات كوميدية أو هلوسات فانتازية، بل هو النقيض الكامل لذلك؛ فهو تصوير لغوي للممكن القادم بكل ما فيه من محاسن ومساوئ، وهو مساحة حرة لبث أحلام البشرية بعالم خيّر عادل محب، يفارق العالم الواقعي بكل ما فيه من ضبابية وتشوه وظلم وقسوة».

السر في تقدم الأمم يعود بالدرجة الأولى إلى أولئك المغامرين الذين أزالوا القيود عن حدود تفكيرهم، ولحقوا بسماء الخيال منذ أيام «ألف ليلة وليلة»، حين حلم الإنسان بالطيران، وجسد التلفاز في كرة بلورية. وفي حين أن الرواية العربية بصورة عامة فقيرة بأدب الخيال العلمي، وهناك بعض التجارب المتواضعة، كيف ترين مستقبل هذا النوع من الأدب في عالم يتواصل فيه الناس عبر الأقمار الصناعية والإنترنت؟

تقول الدكتورة سناء:

«لا أرى، في ضوء المعطيات الراهنة، مستقبلاً حقيقياً لأدب الخيال العلمي في المشهد الإبداعي العربي؛ وذلك أمر طبيعي، فالخيال العلمي يحتاج إلى بيئة منتجة معطاءة، وإلى مساحات من الحرية والذاتية والتعبير الخلاق، وإلى مجتمع يقدم – على الأقل – الحد الأدنى من معطيات التقدم والاستقرار والأمن المجتمعي للمواطن. وهذا كله يكاد يكون غائباً عن المجتمع العربي في الوقت الراهن، والمبدع العربي أسير هزات مجتمعية تحاربه في أصغر حقوقه الإنسانية من أمن واحترام، ناهيك عن أن المجتمعات العربية ليست مصدّرة للحضارة، بل هي مستهلكة لها بامتياز، ومن له الحق في تصور القادم هو من ينتج الحضارة لا من يستهلكها. فالخيال العلمي – برأيي المتواضع – فن مرتبط بمجتمع منتج حر، ولا يتناسب مع فنان أسير مخنوق مسحوق».

وتستمر في الحديث عن سيرتها، وحول سبب اختيارها لعالم الحب مركزاً للرواية وهدفاً سامياً للبشرية للوصول إلى المستقبل، باعتباره اختياراً موفقاً؛ فالحب هو أساس بقاء البشرية وديمومتها، قائلة:

«أؤمن بشكل قاطع بأن أزمة البشرية هي أزمة حب، وهذا الحب يتجاوز علاقة الرجل بالمرأة أو علاقة المرأة بالرجل ليصبح منظومة كاملة تغيب عن البشرية التعسة في الوقت الحاضر، فتحول العالم إلى ساحة معركة كبيرة لا ترتقي حتى إلى صراع الحيوانات في الغابات؛ فعلى الأقل، الحيوانات تقتل لتدافع عن نفسها، ولكن البشر يقتتلون رغبة بالدم، لا أكثر ولا أقل. نحن في حاجة إلى الحب، وهو الحل الحقيقي لمشاكل البشرية، فالله هو الحب، والشيطان هو الكره، والمعركة مستمرة بين الحب والكره حتى آخر لحظة من تاريخ البشرية».

وكما هو معروف، فإن الإنسان بكل تعقيداته النفسية عالم واسع لم تُكتشف أغواره، والوعي بحد ذاته عالم آخر خارج الجسد لا يعرف حدوداً، بل يُعتقد أن الوعي البشري يعيش حتى بعد أن تترك الروح الجسد. كيف تعاملتِ مع النفس البشرية في بناء شخصيات الرواية؟

فأجابت:

«أتعامل مع النفس البشرية بمقدار ما خبرت منها من تناقض وقلق ومآزق وألم، وفي الوقت نفسه أرسم الممكن والمتوقع من هذه النفس الإنسانية؛ فأصور قبح النفس الإنسانية، وأتوقع ظلمتها وشرها، وفي الوقت نفسه أصرّ على حضور النفس الإنسانية الخيّرة المأمولة والمعول عليها في بناء البشرية وديمومة حضارتها، دون أن أجنح إلى المستحيل أو أتوارى خلف الأحلام.

أنا مصممة على أن يحضر الإنسان الخير المحب المعطاء في كل أعمالي الفنية، على الرغم من قبح المشهد الإنساني المعاصر، كما أنني مصممة على أن الحق والخيرين هم من سيكسبون المعركة، وإن خسروا جولة أو جولات. هذا وعد الرب للبشر، وأنا مؤمنة بأن الله لا يخلف ميعاده».

وسألناها:

هل ترين في تجربتك هذه مع رواية الخيال العلمي بداية لطرح أسلوب جديد في الرواية العربية، يكسر طوق التقاليد السردية التي تغلب على معظم الكتابات؟

فقالت:

«لا أستطيع التنبؤ بمستقبل الرواية العربية في مضمار الخيال العلمي، وإن كنت غير متفائلة بمستقبل هذا الفن في المشهد الإبداعي العربي في الوقت الحاضر لكثير من المعطيات. ولكن أستطيع أن أحدثك عن فخري الشخصي بتجربتي في هذا الحقل، كما أستطيع أن أبوح بمشروعي المستقبلي في هذا الشأن، وهو يتلخص في عمل روائي قادم أكاد أنجزه قريباً، وأتمنى أن يكون بصمة جديدة في رواية الخيال العلمي العربية».

ثم تساءلتُ عن الإنسانة سناء وطموحاتها، وكيف ترى المستقبل بعيون اليوم؟

فأجابت:

«سناء الإنسانة تتعبني جداً؛ لأنها عاجزة عن فهم هذا العالم الشرير المؤذي، ولذلك لا تقيم تصالحاً معه بأي شكل من الأشكال، بعيداً عن شروطها الملزمة بالخير والمحبة، ولذلك ستظل تكتب وتنتقده حتى يغدو جميلاً ولو للحظات.

طموحي سهل ممتنع؛ أتمنى أن يسترد الإنسان إنسانيته المسروقة في هذا العالم المادي، لأجل أن تعيش البشرية جنتها الموعودة. وحتى ذلك الوقت ستظل سناء تحلم، ويظل الخيرون يحلمون، والقادم هو ملك الرب والخيرين دون شك.

سأظل أحلم وأحلم وأحلم بغد جميل طيب الملامح والقسمات، دافئ الكف والأنفاس، ولن أسمح لأحد بأن يسرق حلمي».

ونحن بدورنا نتمنى للدكتورة سناء مزيداً من الأحلام والإبداع، ومستقبلاً زاهراً بالعطاء والتألق.

 

سيرة ذاتية:

تحمل الدكتورة سناء شعلان درجة الدكتوراه في الأدب الحديث، وتعمل أستاذة جامعية في التخصص ذاته في الجامعة الأردنية بالأردن.

وهي ناقدة وإعلامية ومراسلة صحافية لبعض المجلات العربية، وناشطة في قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفولة والعدالة الاجتماعية.

نالت نحو 60 جائزة عربية ودولية في حقول الرواية والقصة القصيرة والمسرح وأدب الأطفال والبحث العلمي، وحصلت على درع الأستاذ الجامعي المتميز في الجامعة الأردنية لعامي 2007 و2008 على التوالي.

ولها 52 مؤلفاً، بين كتاب نقدي متخصص، ورواية، ومجموعة قصصية، وقصة أطفال، إلى جانب المئات من الدراسات والمقالات والأبحاث المنشورة. وقد تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات.

أما رواية «أعشقني» فقد صدرت عن مؤسسة «الوراق» للنشر والتوزيع، وفازت بجائزة دبي الثقافية للإبداع عام 2010–2011 في دورتها السابعة. وتقع الرواية في 234 صفحة من القطع الصغير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار