البابور الموقع العربي

من يكتب وعي أبنائنا؟

 IMPACT-se وشبكة النفوذ في المناهج العربية

95

يزن النعانعة

حين يفتح الطفل كتابه المدرسي، لا يرى وراء صفحاته إلا اسم الوزارة، وصورة الغلاف، وأسماء الذين ألّفوه وراجعوه، لكنه لا يعرف أن هذه الصفحات تحمل أكثر من درس في التاريخ أو الدين أو اللغة، وإنها تحمل تصورًا كاملًا للإنسان والوطن والعالم، وتحدد له، في سن مبكرة، ما الذي ينبغي أن يتذكره، وكيف يفهمه، وبأي الكلمات يصفه.

ولهذا لم تكن المدرسة يومًا بعيدة عن السياسة، ولم يكن الكتاب المدرسي نصًا تعليميًا خالصًا، ففيه تختار الدولة روايتها للتاريخ، وصورتها عن نفسها، وحدود علاقتها بالآخرين، وما تريد أن يبقى في ذاكرة الأجيال، وكل تعديل يدخل إلى هذا الكتاب، بالحذف أو الإضافة أو تغيير المفردات، يتجاوز الصفحة التي ظهر فيها، لأنه يمس الطريقة التي سيرى بها الطالب دينه وهويته وصراعات بلاده.

لكن صناعة المناهج لم تعد شأنًا داخليًا تديره وزارة التربية وحدها، فقد دخلت إلى هذا المجال خلال العقود الأخيرة، مؤسسات دولية ومراكز أبحاث وجهات مانحة ومنظمات ضغط، تراجع الكتب وتقيسها بمعاييرها، ثم تقدم نتائجها إلى الحكومات والبرلمانات والإعلام.

ولا مشكلة في أن تخضع المناهج للنقد، فهي تحتاج إليه، لكن المسألة تتغير حين لا يبقى النقد في حدود البحث، وحين تتحول الملاحظة على درس ما في كتابٍ ما إلى تقرير سياسي، ثم إلى ورقة أمام مانح أو حكومة، ثم إلى ضغط من أجل تغيير المحتوى.

وتصبح المسألة أشد فجاجة حين تكون الجهة التي تقوم بهذه المهمة قد نشأت ونمت داخل دولة احتلال، ثم أصبحت هي ذاتها من تراجع الطريقة التي يقدم بها المحتل ذلك الصراع لأبنائه.

IMPACT-se، مؤسسة بدأت بمراقبة المناهج الفلسطينية والعربية، ثم اتسعت أعمالها حتى شملت عشرات الدول، وهي تقول إنها تقيس الكتب المدرسية وفق معايير السلام والتسامح ونبذ العنف.

لكن تتبع تاريخها، وقياداتها، ومموليها، وشبكة علاقاتها، والطريق الذي تسلكه تقاريرها بعد نشرها، يكشف أن عملها لا ينتهي عند قراءة الكتب، فتقاريرها ليست تقاريرًا مجردة، بل أدوات فيها ما هو أخطر!

فالتقرير في IMPACT-se، يخرج من مكتب الباحث إلى الإعلام، ومن الإعلام إلى السياسي، ومن السياسي إلى البرلمان أو وزارة الخارجية، ثم يدخل أحيانًا إلى ملف المساعدات والعلاقات بين الدول، وفي حالات أخرى تقترب المؤسسة، أو جهات شريكة لها، من الحكومات والمؤسسات التي تعمل في تطوير المحتوى نفسه عربيًا.

ومن هنا سأبدأ هذا التتبع لمؤسسة IMPACT-se، والبداية لن تكون بسؤال: ماذا قالت IMPACT-se عن مناهجنا؟

 

ولكن: ماذا تفعل بما تقوله؟

من يمولها؟ ومن يديرها؟ ومن يستمع إلى تقاريرها؟ وكيف تصل جملة في كتاب مدرسي عربي إلى البيت الأبيض أو البرلمان الأوروبي؟  وأين تنتهي المراجعة العلمية، ويبدأ الضغط السياسي، ثم الاستشارة، ثم الاقتراب من صناعة المحتوى الذي سيقرؤه أبناؤنا؟

ثم كان هناك سؤال آخر بدا في البداية فرعًا من الأسئلة السابقة، قبل أن يتضح أنه أصل المسألة كلها: هل تراقب هذه المؤسسة المناهج العربية فقط؟ أم إنها تعلمت، خلال أكثر من ربع قرن، كيف تحول مراقبتها إلى نفوذ، والنفوذ إلى علاقة، والعلاقة إلى اقتراب من الموضع الذي يصنع فيه المحتوى نفسه؟

 

الاسم الذي يقول نصف الحقيقة

اسم المؤسسة الكامل هو Institute for Monitoring Peace and Cultural Tolerance in School Education، أي (معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي).

وهي تقدم نفسها باعتبارها مؤسسة بحثية وسياسية تراقب الكتب المدرسية والمناهج، وتقيسها بمعايير مستمدة من وثائق اليونسكو بشأن السلام والتسامح ونبذ العنف، ثم تعمل من أجل التغيير حين ترى وجوبية التعديل كما تراه. وهذا التعريف الأخير مهم، لأن المؤسسة لا تقول إنها تكتفي بوصف ما تجده، بل تربط البحث منذ البداية بالسعي إلى تغييره. التعريف الرسمي للمؤسسة

ولو وقف الأمر عند قراءة الكتب ونقدها لكان الأمر قابلًا (للبلع)، لكن IMPACT-se لا تقرأ الكتاب ثم تعيده إلى الرف، بل تأخذ منه نصًا أو صورة أو خريطة وتترجمها وتضعها داخل تصنيف سياسي وأخلاقي واضح، ثم تحمل النتيجة إلى الصحافة والبرلمانات والحكومات والمانحين، وهنا بالتأكيد يتغير معنى التقرير ليصبح بداية الحركة لا نهاية البحث!

 

البداية كانت فلسطين

تأسست المؤسسة عام 1998 باسم Center for Monitoring the Impact of Peace، واختصارها CMIP، ثم تغير اسمها سنة 2007 إلى IMPACT-se. تقرير المؤسسة عن تاريخها

والاسم القديم يعيدنا مباشرة إلى الزمن الذي أبصر فيه المشروع النور: مرحلة ما بعد أوسلو، حين تحولت عملية السلام من اتفاقات سياسية ومفاوضات أمنية إلى صناعة كاملة لها مؤسساتها ومفرداتها وممولوها وبرامجها، وكان التعليم أحد ميادينها الأولى.

ولم تبدأ المؤسسة بمشروع عالمي محايد، ثم قادتها المصادفة إلى عالمنا العربي، بل كانت المناهج الفلسطينية والعربية في قلب اهتمامها منذ البداية، ففلسطين وتحديدًا فلسطين لم تدخل برنامج المؤسسة بعد أن اتسع، بل كانت موجودة في غرفة الولادة منذ البداية.

أما مؤسسها، يوهانان مانور، فلم يكن منفصلًا عن المعركة السياسية والفكرية حول الصهيونية. فقد ارتبط اسمه بالحملة التي انتهت إلى إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379، الذي كان قد ساوى بين الصهيونية والعنصرية، ويوهانان نفسه ألف كتابًا كاملًا عن تلك الحملة وعن إلغاء القرار سنة 1991. بيانات الكتاب في المكتبة الوطنية الإسرائيلية.

ولا أقول هذا لأقفز إلى نتيجة سهلة تستند إلى أن موقع المؤسس يبطل كل بحث خرج من المؤسسة، فهذه نتيجة لا تحتاج إلى تحقيق، لكن في المقابل من السذاجة أن نبحث في مؤسسة تراقب الطريقة التي يقدم بها العرب إسرائيل والصهيونية، ثم نعتبر الموقع السياسي لمؤسسها معلومة لا قيمة لها، فالمؤسسات، مثل الكتب، تحمل شيئًا من اللحظة التي ولدت فيها.

وقد تغير الاسم، واتسعت الجغرافيا، ودخلت دول وقضايا جديدة، لكن الفكرة الأصلية بقيت ظاهرة: المناهج ليست موضوعًا للبحث وحده، بل ميدان ينبغي التأثير فيه.

 

جغرافيا المكان .. وجغرافيا الطريق!

للمؤسسة مكتب رئيس في رمات غان في تل أبيب، ومكتب في لندن، ومكتبة بحثية داخل مدرسة سيمور فوكس للتربية في الجامعة العبرية في القدس. كما سُجل في بريطانيا منذ ديسمبر 2021 كيان قانوني باسم IMPACT-SE LTD. المكاتب والمكتبة والسجل البريطاني للشركات

قد تبدو هذه في ظاهرها بيانات إدارية سطحية،  لكنها تضع بابًا للحقيقة حين توضع إلى جوار حركة المؤسسة، فإسرائيل هي موضع النشأة والبحث الأول، وفي لندن تحديدًا نافذة الإطلالة على الإعلام والبرلمانات ومراكز القرار والتمويل الغربي، ثم ظهرت أبوظبي خلال السنوات الأخيرة بوصفها نقطة اتصال جديدة داخل المنطقة العربية، عن طريق المؤسسة الشريكة Monitor Impact التي سنأتيها بشيء من التفصيل لاحقًا.

ولا ينبغي أن نحمل الجغرافيا أكثر مما تحتمل، فوجود مكتب في مدينة لا يثبت وحده مشروعًا سياسيًا، إلا إذا كانت تلك المدينة هي تل أبيب .

فالكتب تُقرأ في إسرائيل وهناك تُصاغ التقارير التي  تُنقل الى الغرب ومنها تعود بأوجه مختلفة وتحت مسميات مختلفة للدول التي قررت المؤسسة والكيان الذي أنشأها تعديل ميزان مناهجها بما يتواءم مع نظرته الإحتلالية وتموضعاته التوسعية الاستعمارية، وهذه خريطة تحتاج إلى أن توضع فوقها حركة الأشخاص والمال والتقارير حتى تبدأ الصورة في الظهور.

 

من يدير المؤسسة؟

الرئيس التنفيذي للمؤسسة ماركوس شيف
الرئيس التنفيذي للمؤسسة ماركوس شيف

الرئيس التنفيذي للمؤسسة، ماركوس شيف، جاء من الصحافة والاتصال الاستراتيجي وتطوير الأعمال، وتولى سابقًا منصب المدير التنفيذي في The Israel Project.

وأريك أغاسي، المسؤول عن العمليات والشراكات العالمية، عمل هو الآخر في المكتب الإسرائيلي للمؤسسة نفسها، وكان مساعدًا تشريعيًا لعضوة الكنيست السابقة عينات ويلف (سياسية إسرائيلية سابقة شغلت منصب عضو في الكنيست لحزب الاستقلال وحزب العمل). وهذه المعلومات واردة في السير التي تنشرها IMPACT-se عن قياداتها. فريق المؤسسة

  The Israel Project  لم يكن مركزًا لتطوير المناهج أو مؤسسة جامعية تبحث في طرائق التدريس، بل هو مركز يعمل في الإعلام وبناء السردية الصهيونية والاتصال بالقوى الغربية المؤثرة لتعزيز الصورة والمكانة التي تريدها إسرائيل لنفسها، والمركز ذاته يعرف كيف يقدم إسرائيل وسياساتها إلى الصحفيين وأصحاب القرار، خصوصًا في الغرب.

وعلى هذا المنوال بٌنيت IMPACT-se لتضم باحثين ومترجمين يعرفون العربية والإسلام وإيران وتاريخ المنطقة، وبينهم متخصصون في اللغة العربية والأدب والدراسات الإسلامية والشرق العربي، وهذا يفسر قدرتها على قراءة ومراجعة الآف الكتب المدرسية العربية والفلسطينية، فهي تملك من يقرأ النص العربي ويفهم مفرداته وسياقه، ومن يترجمه ويصنفه ويضعه داخل تقرير مصور، ثم تملك من يعرف الطريق الذي ينبغي أن يسلكه التقرير بعد أن يخرج من يد الباحث.

هنا يلتقي النص بالعلاقات العامة، وتلتقي الترجمة بالسياسة، ويلتقي البحث بمستقره بالوصول إلى صاحب القرار، وهذه -في تقديري- هي الصيغة التي صنعت قوة IMPACT-se: معرفة لا تبقى في المكتبة، واتصال سياسي لا يتحرك بغير مادة بحثية يضعها أمامه.

أما المجلس الاستشاري الدولي، فيضم سياسيين ودبلوماسيين وأكاديميين وشخصيات دينية وعربية، ووجود شبكة من هذا النوع يمنح المؤسسة رأس مال لا يظهر في عدد صفحات تقاريرها، ويعطيها القدرة على الوصول المطلق، فالبحث الذي يبقى بين أيدي الباحثين شيء، والبحث الذي يجد طريقه إلى النائب والوزير والمانح والصحفي شيء آخر تمامًا.

 

المال يشرح الوظيفة

في فبراير 2024 قدمت Helmsley Charitable Trust (تعرف نفسها كمؤسسة خيرية غير ربحية) إلى IMPACT-se منحة بقيمة 150 ألف دولار لمشروع حمل عنوان Transforming Education for Peace، وكان مخصصًا لحملة توعية أمريكية بشأن ما تصفه المؤسسة بالتحريض في الكتب الفلسطينية ومواد الأونروا.

ثم قدم الممول نفسه، في يوليو 2025، منحة أخرى بقيمة 275 ألف دولار لمشروع  آخر أكثر وضوحًا  Stop Teaching Hate ، بمجموع تجاوز 425 ألف دولار خلال أقل من عامين.

ولا تكمن أهمية الرقم في حجمه وحده، بل بالوظيفة التي خُصص لها، فهذه ليست أموالًا لشراء الكتب وقراءتها وترجمة صفحاتها فقط، بل إن جزءًا من التمويل مخصص لنقل تفسير المؤسسة لما يوجد في تلك الكتب إلى جمهور أمريكي رئيسي، وهنا يظهر الفرق بين مركز أبحاث يدرس ظاهرة، ومؤسسة تريد أن تحرك شيئًا في الواقع.

فالأول يسأل: ماذا وجدنا؟ أما الثانية فتضيف: من يجب أن يعرف ما وجدناه، وكيف نريده أن يتصرف بعد أن يعرف؟ هذا إن تجاوزنا صلف التدخل ذاته في مناجهنا وكتبنا من أساسه!

ثم وجدت في تقرير Ronald S. Roadburg Foundation لعام 2023 وصفًا أكثر مباشرة، فالتقرير يتحدث عن دعم IMPACT-se كي توسع عملها إلى دول تربطها بكندا علاقات تجارية ومساعدات اقتصادية، وكي تستعين بالمسؤولين الكنديين في دفع التغيير – كما تسميه-. التغيير الذي ترك أثرًا في السياسات والمحتوى التعليمي في دول منها الإمارات والسعودية، بحسب  تقرير المؤسسة الممولة لعام 2023.

 

وهنا لا نحتاج إلى كلمة (مؤامرة) فالكلمة أصغر من الوثيقة.

لدينا دولة مانحة، ودول تتلقى مساعدات أو ترتبط بعلاقات اقتصادية معها، ولدينا مؤسسة تفحص مناهج تلك الدول، ثم لدينا تمويل يستهدف توسيع العمل، والاستفادة من العلاقات مع المسؤولين للتأثير في السياسات والمحتوى، وهذا نموذج نفوذ معلن، وليس غرفة سرية تحتاج إلى الإيمان بالماورائيات حتى نراها !

 

رحلة الجملة من الصف إلى البرلمان

يمكن رسم طريقة العمل بخطوات بسيطة:  يفتح الباحث الإسرائيلي كتابًا مدرسيًا، يجد نصًا أو صورة أو خريطة، يستخرجها من الكتاب، يترجمها إلى الإنجليزية، ثم يضعها تحت عنوان واضح: معاداة السامية، تحريض، جهاد، شهادة، عدم تسامح، محو إسرائيل، أو غير ذلك. بعدها تدخل المادة في تقرير مرتب ومصور لا يحتاج النائب أو الصحفي أو السياسي الغربي أو الموظف الحكومي إلى قراءة المنهج كله كي يستعمله.

من هنا تبدأ الرحلة الثانية: يصل التقرير إلى الإعلام، ومن الإعلام إلى السياسي، ومن السياسي إلى البرلمان أو الوزارة، ثم يدخل، إلى ملفات المساعدات أو العلاقات الثنائية، وفجأة لا تعود الجملة الموجودة في كتاب الصف السابع شأنًا بين وزارة التربية والمعلم والطالب بل تصبح موضوعًا يناقشه مسؤول ما في واشنطن أو بروكسل.

بهذه الطريقة الخبيثة الملتوية تعمل المؤسسة في أغلب الأحيان، فالمؤسسة لا تحتاج دائمًا إلى إقناع وزير التربية العربي مباشرة، فيكفي أحيانًا أن تقنع من يستطيع الضغط عليه.

 

السعودية: حين يصل الكتاب إلى واشنطن

تقول IMPACT-se إنها قدمت تقريرها عن المناهج السعودية وتوصياتها إلى البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، والكونغرس، وإلى مسؤولين أوروبيين، وإنها تحركت في هذا الملف إلى جانب جهات عدة منها رابطة مكافحة التشهير. بيان المؤسسة عن إحاطاتها السياسية !

تأمل هذا الطريق: الكتاب سعودي، تراجعه مؤسسة اسرائيلية، فتكتب تقريرها بالإنجليزية، ثم يذهب إلى واشنطن.

وقد شهدت المناهج السعودية بالفعل تغيرات واسعة خلال السنوات الماضية. تغيرت مواد تتعلق باليهود والمسيحيين، وعدلت عبارات عن الكفار والمشركين، وتغيرت معالجة الجهاد، واختفت أو خففت إشارات سلبية إلى الشيعة والصوفية، كما حذفت أو عدلت مواد تتصل بإسرائيل والصهيونية.

هل يثبت هذا أن IMPACT-se سلمت الحكومة السعودية قائمة، وأن الحكومة نفذتها؟

لا. ليس عندي دليل يسمح بهذه القفزة، لكن ليس من المنطق أيضًا أن نتجاوز ما سبق كله للتوقع أن التغيير وقع كله داخل غرفة سعودية مغلقة، وأن سنوات الضغط الأمريكي والغربي وتقارير المؤسسات لم يكن لها أي أثر!

الذي نعرفه أن السعودية تعرضت لضغط كبير بشأن مناهجها، وأن IMPACT-se كانت تنتج مادة لهذا الضغط، وأنها حملت توصياتها إلى دوائر القرار الغربي، وأن ممولين للمؤسسة نسبوا إليها أثرًا في التغيير، وهذه العناصر لا تثبت السببية المباشرة في كل فقرة حذفت، لكنها تكفي لفتح ملف جاد: أين انتهى الإصلاح الداخلي؟ وأين بدأ أثر الضغط الخارجي؟ وما التعديل الذي جاء من مراجعة وطنية؟ وما التعديل الذي سبقه اتصال أو توصية أو شرط سياسي؟ وهذه أسئلة لا تجيب عنها المصادفات الزمنية، بل يفترض أن تجيب عنها الوثائق والوقائع !

 

فلسطين: حين يراقب المحتل ذاكرة من يحتله

الحالة الفلسطينية ليست حالة عابرة في قائمة IMPACT-se، بل هي أصل القضية وأكثر مواضعها انكشافًا.

فنحن لا نتحدث هنا عن مؤسسة أجنبية تراجع مناهج بلد بعيد، وإنما عن مؤسسة إسرائيلية تتفحص الكتب التي يتعلم منها الفلسطيني معنى إسرائيل والصهيونية والاحتلال والمقاومة والجهاد والشهادة، وتاريخ الصراع الذي يعيش داخله كل يوم.

لقد وصلت إلى البرلمان الأوروبي، واستند إليها سياسيون في مناقشة تمويل السلطة الفلسطينية والأونروا، واستنادًا لتقاريرها كلفت المفوضية الأوروبية معهد جورج إيكرت الألماني بإجراء دراسة مستقلة، كي تملك أساسًا نقديًا شاملًا وموضوعيًا لحوارها مع السلطة الفلسطينية. دراسة معهد جورج إيكرت.

لقد نجحت IMPACT-se في إدخال المنهج الفلسطيني إلى الغرفة السياسية، لكن الأوروبيين احتاجوا إلى مؤسسة بحثية مستقلة تفحص القضية، وخرجت الدراسة الألمانية بصورة أكثر تعقيدًا من الصورة التي تسمح بها المقتطفات الدعائية السريعة، فلم تقل إن الكتب خالية من المشكلات – بحسب تصنيفاتها-، كما لم تتعامل معها بوصفها كتلة واحدة من التحريض كما روجت وحرّضت IMPACT-se

هنا لسنا بموقف الدفاع عن كل سطر في المناهج الفلسطينية، فالمناهج ذاتها تحوّلت وتبدّلت بالترغيب والترهيب والتحريض والتخويف والاختراق، وأصبحت هي ذاتها جزءًا من مشروع السلطة الفلسطينية ومعبرة عن وجهة نظرها، والسلطة نفسها لم تعد تملك ما يؤهلها لتمثيل عموم الفلسطينيين، فبحسب استطلاع الرأي رقم 97 الصادر هذا الشهر (أغسطس 2026)، يرى 79% من المستطلعة آراؤهم أن السلطة الفلسطينية باتت عبئاً على الشعب الفلسطيني، في حين يطالب ما يقارب 65% إلى 70% من المواطنين الفلسطينيين بحل السلطة الفلسطينية أو يجدون أن مصلحة الشعب تكمن في انهيارها نظراً لعدم قدرتها على تحقيق تطلعاتهم السياسية والأمنية.

لكن هناك فرقًا بين أن يصحح الفلسطيني خطأ في كتابه، وبين أن يصبح الطرف الذي يحتل أرضه هو الذي يختار النص، ويترجمه، ويضع له عنوانًا، ثم يحمله إلى من يمول تعليمه.

وفي يوليو 2024 قررت محكمة العدل الدولية أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على إسرائيل إنهاءه بأسرع ما يمكن. الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ثم تأتي مؤسسة إسرائيلية لتفحص ما إذا كان الطفل الفلسطيني يتعلم (السلام) بالطريقة الصحيحة.

يصعب وصف هذا بأنه تضارب مصالح عادي، فالمحتل هنا لا يراقب الكتاب وحده، بل يراقب ذاكرة من يعيش تحت احتلاله، ثم يأخذ ملاحظاته على هذه الذاكرة إلى الممول، وعندما يدخل المال إلى العلاقة، يصبح المطلوب من الفلسطيني أن يعيد النظر في الطريقة التي يصف بها واقعه الذي يراه جهارًا نهارًا خارج نافذة المدرسة، ويمكن ببساطة تغليف ذلك كله بمفردات تربوية أنيقة، لكن الكلمات لا تغير طبيعة العلاقة.

 

ما الذي تدخل إليه المؤسسة؟

حين توضع تقارير IMPACT-se عن الدول العربية بعضها إلى جوار بعض، تتضح سعة المجال الذي تتحرك فيه: اليهود واليهودية، إسرائيل والصهيونية، فلسطين والخرائط، الجهاد والشهادة، الكفار والمشركون، المسيحيون، الشيعة والصوفية، السلام والتطبيع، الجنس والمثلية، حقوق الإنسان والأقليات.

وهذه ليست قائمة محدودة من العبارات التي تحض على الكراهية – كما تصفها المؤسسة-، بل مساحة واسعة من العقيدة والتاريخ والسياسة والقيم الاجتماعية.

وهنا يجب أن تبقى الفروق واضحة، فأن نعلم الطفل ألا يكره اليهودي لأنه يهودي، واجب أخلاقي، وأن نرفض تحقير المسيحي، واجب وطني، وأن نرفض قتل المدني البريء، لا نقاش فيه.

لكن الانتقال من ذلك إلى تحديد الطريقة المقبولة لفهم الجهاد والشهادة، أو تقديم الصهيونية، أو الحديث عن المقاومة والتطبيع وفلسطين، يعني أننا انتقلنا من إزالة الكراهية إلى بناء تصور معين للطالب العربي، دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا.

أنا كمسلم لا أحتاج إلى مؤسسة إسرائيلية تخبرني أن ظلم اليهودي حرام، وأن للمسيحي حقًا في العدل والكرامة، وأن الاعتداء على أيّ بريء جريمة، فهذه قيم موجودة في مرجعيتي، وليست بضاعة استوردها من تقرير يتسلل من إسرائيل خفية ويأتيني من واشنطن.

لهذا لا أدافع هنا عن أخطاء مناهجنا، فإذا كان فيها ظلم، فلننزعه، وإذا كان فيها تعميم على الناس بسبب أديانهم، فلنصححه، وإن كان فيها تحريض على قتل بريء، فلا مكان له.

لكننا نفعل ذلك لأن العدل جزء من مرجعيتنا العلمية والأخلاقية، لا لأن جهة خرجت من إسرائيل ونصبت نفسها رقيبًا علينا وهي من تمنحنا شهادة الاعتدال.

إذا أذبنا كل أطرنا المرجعية والوطنية تحت مفردة (التسامح) المفروض والمعرّف إسرائيليًا، فسوف نكتشف أن الكلمة أصبحت واسعة إلى حد تستطيع معه ابتلاع ذاكرة شعب كامل!

 

الأردن تحت المجهر

في مايو 2026 أصدرت IMPACT-se مراجعتها للمناهج الأردنية للعام الدراسي 2025-2026، وشملت 125 كتابًا، بينها 32 كتابًا جديدًا، في مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية والدراسات الاجتماعية والوطنية والتاريخ والجغرافيا. التقرير الأردني الكامل

أشادت المؤسسة (كما ورد في التقرير ) بمواد تتصل بالتسامح والاعتدال والتعايش، وانتقدت مواد تتعلق بالجهاد والشهادة واليهود وإسرائيل والمثلية، كما ناقشت الخرائط وطريقة تقديم الصهيونية ومعاهدة السلام.

وهذا التقرير بالذات وغيره بطبيعة الحال، يفتح بابًا أهم من محتواه المباشر!

 أين يذهب بعد نشره؟ من يستلمه في واشنطن؟ هل يناقش مع السفارة الأمريكية أو المؤسسات الأوروبية؟ هل يدخل ضمن ملفات المساعدات والعلاقات مع الحكومة الأردنية؟ وماذا سيحدث للنصوص التي انتقدها التقرير حين تصدر الطبعات المقبلة؟

 

قطر تكشف حدود القدرة

راقبت IMPACT-se المناهج القطرية سنوات طويلة، وانتقدت موادًا عن اليهود والجهاد والشهادة وإسرائيل والصهيونية، لكنها واصلت الاعتراض على مواد أخرى بقيت من عام إلى آخر، وفي مراجعتها المنشورة في مايو 2026 قالت إن محتوى سبق أن انتقدته بقي للعام الرابع دون تغيير. (أرشيف أبحاث المؤسسة)

هذه الحالة مفيدة لأنها تمنع أو تحدّ من المبالغة والتهويل، فــ IMPACT-se ليست حكومة خفية تضغط زرًا فتتغير مناهج الدول، وهي لا تملك القوة نفسها في كل مكان، فبعض الحكومات أكثر تجاوبًا، وبعضها أقل، وقد تنجح المؤسسة في ملف ولا تحقق ما تريده في ملف آخر.

لذلك لا أستعمل كلمة (سيطرة) فالأدق أن نتحدث عن نفوذ متفاوت، تتغير أدواته وحدوده بحسب الدولة وعلاقاتها وحاجتها إلى المانح وموقعها من الغرب وإسرائيل.

والفرق بين السيطرة والنفوذ ليس فرقًا لغويًا بسيطًا، بل إنه الفرق بين خطاب غاضب وتحليل يستطيع أن يقف أمام الوثائق.

 

الإمارات: حين تغيرت طبيعة العلاقة

في الإمارات وقعت نقلة من نوع آخر، فلم تعد المسألة قراءة محتوى صدر ثم كتابة تقرير عنه، فقد سجلت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية أن وزارة التربية الإماراتية كانت تعمل مع IMPACT-se وYad Vashem على تطوير مواد تتعلق بتدريس الهولوكوست في المدارس. تقرير الخارجية الأمريكية

والحالة هنا خرجت بالفعل من إطار المراقبة البَعدية إلى المساهمة في تطوير المحتوى نفسه وفرضه على مئات آلاف الطلاب في الإمارات.

ثم جاءت خطوة أخرى في يونيو 2026، حين أُعلنت مذكرة تفاهم بين مركز الإمارات للبحوث والدراسات وبين IMPACT-se وMonitor Impact، في مجالات شملت البحث وتبادل المعرفة والمبادرات المشتركة. إعلان مذكرة التفاهم

هنا يظهر مؤشر على انتقال نوعي عربيًا، فــ IMPACT-se لم تعد تقف خارج الباب تقرأ الكتب المدرسية بعد صدورها، بل أصبحت تملك علاقات معلنة مع جهات تعمل داخل البلد نفسه! وهذا الفرق هو الذي يستحق المتابعة.

 

بوابة أبوظبي

كلما تقدمت في هذا الملف، بدا لي أن Monitor Impact قد تكون أهم تحول في طريقة عمل الشبكة خلال السنوات الأخيرة.

فـ IMPACT-se تقدمها على موقعها بوصفها -المؤسسة الشريكة-.

وهذه المؤسسة الشريكة عمل مديرها إيلي أوفيتس سابقًا في The Israel Project، وكان مسؤولًا عن الاتصال بالسلك الدبلوماسي والإعلام العربي والدولي، ثم اتجه منذ عام 2020 إلى بناء علاقات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وللمؤسسة فريق موجود في الإمارات، يضم متخصصين في السياسات والشراكات والإصلاح التعليمي. (بيانات الفريق والشراكة.)

في السابق كانت العملية تبدو هكذا: نقرأ كتبكم من الخارج، نكتب تقريرًا عنها، ثم نحمل التقرير إلى الغرب، أما الآن، فهناك شريك موجود داخل المنطقة، يتحدث بلغة السياسات والوزارات وتطوير المحتوى والتعاون المؤسسي، وهذا ليس تغييرًا في العنوان فوق الباب، إنه تغيّر جذري في طريقة الوصول إلى الباب نفسه!!

في المغرب تحدثت Monitor Impact عن لقاءات ونشاطات متصلة بدعم المحتوى وتطوير المناهج، لكن المعلومات المتاحة لا تكفي لتحديد الكتب أو الصفوف أو الجهات الرسمية أو حجم المساهمة، لكن وجود شريك معلن لها يتحدث عن تطوير محتوى ومناهج داخل دولة عربية يستحق تحقيقًا كاملًا: من اجتمع بمن؟ من مول المشروع؟ ما الجهة الرسمية؟ ما حدود المهمة؟ ما التوصيات التي قدمت؟ وما الذي انتقل منها إلى الكتب؟

في البحرين ظهرت روايات عن نقل توصيات إلى مسؤولين، وعن مقترحات تتعلق بالهولوكوست وإسرائيل والتاريخ اليهودي، لكنني لم أجد المصادر المنشورة والمتاحة كافية  لتحويل كل تفاصيلها إلى حقائق أو نتائج يمكن البناء عليها.

 

أربعة أبواب للنفوذ

بعد مراجعة وجمع الحالات، يظهر أن المؤسسة لا تدخل كل دولة من الباب نفسه، في فلسطين يظهر المانح كأداة ضغط، وفي السعودية يظهر الحليف الغربي وصانع القرار، وفي الإمارات يظهر التعاون المباشر في محتوى تعليمي، وفي المغرب يظهر الشريك الإقليمي بوصفه بابًا محتملًا للعمل من الداخل، وهذا يفسر أهمية Monitor Impact.

فمن الأسهل على حكومة أو مؤسسة عربية أن تتعامل مع جهة تعمل من أبوظبي – Monitor Impact-، وتتحدث عن التسامح والابتكار والسياسات التعليمية، من أن يظهر المشهد في صورة تعاون مباشر مع مؤسسة في رمات غان في تل أبيب -IMPACT-se-.

ومن ثم فالسؤال لا يتعلق بالاسم المكتوب على الباب، إنه يتعلق بالشبكة التي تمر من خلاله، لذا لا يجوز إخراج الحكومات العربية من الصورة !!!

 

من السهل أن نكتب مقالًا طويلًا نهاجم فيه IMPACT-se، ثم نعود إلى بيوتنا وقد أعفينا أنفسنا من بقية القصة، لكن IMPACT-se لا تدخل وزارة عربية بقوة السلاح، ولا تجلس إلى طاولة تطوير المحتوى إلا إذا فتح لها أحدٌ الباب، وهذا ربما يبرر غضب بعض النواب في مجلس النواب الأردني الذين هاجموا تقارير IMPACT-se بضراوة، وهذا أيضًا ما يدفعنا للتنويه للذين قللوا من شأن هذا التقرير وقللوا من أهمية ضراوة هجوم البعض!

 

فإذا سمحت حكومة عربية لمؤسسة مرتبطة بهذه الشبكة بأن تقترب من محتوى يتعلق بإسرائيل أو اليهودية أو فلسطين أو الجهاد أو الهوية، فإن الحكومة مسؤولة عن قرارها، ولا تكفي كلمات مثل الانفتاح والتسامح والرؤية الوطنية لإغلاق النقاش.

 

والسياسة التعليمية لا تعيش في جزيرة بعيدة عن التحالفات والتطبيع والمساعدات والعلاقات مع واشنطن والمصالح الأمنية والاقتصادية، وحين تتغير علاقة دولة عربية بإسرائيل، ثم تتغير في الفترة نفسها الطريقة التي تقدم بها إسرائيل والصهيونية وفلسطين في خطابها التعليمي، فمن الطبيعي أن يسأل الباحث عن الصلة بين المسارين.

بالتأكيد ليس من حق الباحث أن يخترع الإجابة، لكن في المقابل ليس من حق الحكومة أن تطلب منه ألا يسأل.

اليهودي ليس الصهيونية، ووسط هذا الصراع توجد دقة أخلاقية لا يجوز أن تضيع، اليهودية دين، واليهود بشر متنوعون، والصهيونية حركة سياسية تاريخية، وإسرائيل كيان، والحكومة الإسرائيلية سلطة سياسية، والجيش مؤسسة عسكرية، والاستيطان مشروع يجري على أرض محتلة، هذه ليست كتلة واحدة بالشكل الذي قدمه أو اراد تقديمه البعض.

من يكره إنسانًا لأنه يهودي يقع في ظلم صريح، ومن يجعل نقد إسرائيل أو الصهيونية مساويًا لكراهية اليهود يقع في خلط لا يقل خطرًا، تعلم الطفل احترام اليهودي كإنسان، وتعلمه في الوقت نفسه تاريخ الصهيونية والنكبة والاحتلال والاستيطان والتهجير والقرارات الدولية والمقاومة دون أن تحول صراعًا مع دولة ومشروع سياسي إلى كراهية لإنسان بسبب دينه، وهذه ليست مساومة، إنها الدقة التي لا يستطيع العدل أن يعيش دونها.

 

حين يتحول المحتل إلى آخر

يتكرر في أدبيات التربية على السلام تعبير (صورة الآخر)، والتعبير هادئ ومريح، لكنه يصبح مضللًا حين ينقل إلى فلسطين، فالإسرائيلي بالنسبة للفلسطيني ليس (آخرًا) ثقافيًا فحسب، هناك احتلال وجيش وحواجز ومستوطنات وأرض وحقوق وقانون وصراع ممتد، وحين يختصر ذلك كله في سؤال عن صورة الآخر، تقع عملية صغيرة في اللغة، كبيرة في المعنى.

فبدلًا من أن نسأل: لماذا يستمر الاحتلال؟ يصبح السؤال: لماذا لا يتقبل الفلسطيني الآخر؟

وهكذا يتحول الواقع السياسي والقانوني إلى مشكلة نفسية داخل الطفل، وكأن المطلوب إصلاح شعوره تجاه الواقع قبل إصلاح الواقع الذي صنع هذا الشعور، ولهذا الكلمات ليست محايدة دائمًا، فالكلمة قد تكون تعريفًا، وقد تكون ستارًا يوضع فوق الحقيقة حتى لا تظهر كاملة.

 

هل نجحت المؤسسة؟

هذه النقطة تحتاج إلى هدوء، فمن السهل أن نقول إن IMPACT-se تتحكم في المناهج العربية، ومن السهل أن نقول في الاتجاه المقابل إنها لا تفعل شيئًا سوى إصدار تقارير، وكلا الرأيين لا يستقيمان بالكتلة أو بالعنوان العريض الثابت.

في النتيجة، هذه ليست سيطرة، لكنها أكثر من مراقبة، إنها شبكة نفوذ تتغير قوتها وطريقتها من بلد إلى آخر، وتتحول من المراقبة إلى صناعة المحتوى، وهنا أرى موضع الخطر الحقيقي.

لا أخشى كثيرًا تقريرًا تكتبه IMPACT-se عن كتاب عربي، لتكتب ما تشاء، فالباحث يستطيع أن يقرأه ويفنده ويرد عليه، ويستطيع صاحب المنهج أن يبين أين أصابت وأين أخطأت وأين نزعت النص من سياقه، لكن المسألة تتغير حين يصبح التقرير مرجعًا لحكومة أجنبية، ثم مادة عند المانح، ثم جزءًا من حوار المانح مع الحكومة العربية، ثم تنتقل المؤسسة، أو جهة مرتبطة بها، من المراقبة إلى الاستشارة، ومن الاستشارة إلى الشراكة، ومن الشراكة إلى تطوير المحتوى.

المسافة بين أول الطريق وآخره طويلة، لكنها لم تعد افتراضية. لدينا شواهد على أكثر من محطة فيها، وحين تصبح الجهة التي كانت تقيم الكتاب من الخارج موجودة داخل العملية التي تنتجه، فالمسألة لا تقف عند حدود السؤال عند التقرير أو اصحابه، بل يصبح السؤال: ماذا نحن فاعلون بسيادتنا على الذاكرة؟

برأيي فنحن نحتاج إلى مرصد عربي محترف، مرصد يجمع كل تقرير أصدرته IMPACT-se منذ 1998، كل دولة، وكل كتاب، وكل طبعة، وكل صفحة انتقدتها، كل ترجمة قدمتها،كل توصية رفعتها، ثم يعود إلى الطبعة التالية.

هل تغير النص؟ متى تغير؟ من كان وزير التربية؟ هل سبق التعديل اجتماع؟ هل وردت مراسلة؟ هل كان هناك ضغط أمريكي أو أوروبي؟ هل دخل الملف في المساعدات؟ هل ظهرت مذكرة تفاهم؟ هل شارك مستشار خارجي؟ وهل توجد وثيقة تربط توصية محددة بتعديل محدد؟

ثم تصنف الأدلة بدقة، وعندها لن نحتاج إلى المبالغة، فالوثائق، حين تكتمل، أبلغ من من أي انفعال أو غضب!

السؤال الكبير، من يراجع الكتب الإسرائيلية؟ وهذا السؤال بالذات ظل ظل يلاحقني طوال البحث.

فإذا كان غياب إسرائيل عن خريطة عربية مشكلة تستحق أن تصل إلى البرلمان، فهل يستحق غياب فلسطين عن كتاب إسرائيلي الدرجة نفسها من الاهتمام؟

وإذا كان مطلوبًا من الطالب الفلسطيني أن يتعرف إلى الرواية الإسرائيلية، فما مقدار ما يتعلمه الطالب الإسرائيلي عن الرواية الفلسطينية؟

وإذا كانت صورة اليهودي في الكتاب العربي تخضع للفحص، فكيف يقدم الكتاب الإسرائيلي العربي والمسلم والفلسطيني وأهل الشرق العربي بالمجمل؟

وإذا كان تمجيد القوة قضية تربوية، فكيف يقدم الجيش والحرب والقوة العسكرية داخل التعليم الإسرائيلي؟

 

معركة التعريفات

الثابت أن IMPACT-se فهمت شيئًا أهملناه نحن زمنًا طويلًا: الصراع لا يجري في الحرب والمفاوضات وحدهما، فجزء كبير من الصراع يجري في المدرسة أيضًا.

فالطفل الذي يتعلم اليوم معنى الصهيونية سيحمل هذا المعنى سنوات طويلة، والطفل الذي تتغير لديه دلالة الاحتلال والمقاومة والشهيد والسلام والتطبيع لن يحتاج بعد عشرين عامًا إلى من يملي عليه موقفه، بل سيفكر من داخل الكلمات التي تعلمها.

ولهذا تصبح المعركة على التعريفات معركة على الذاكرة نفسها.

ما فلسطين؟ ما إسرائيل؟ ما الصهيونية؟ ا الاحتلال؟ ما المقاومة؟ ما الإرهاب؟ من الشهيد؟ ما الجهاد؟ وما التطبيع؟

هذه ليست مفردات موضوعة في هامش الكتاب، إنها الأدوات التي نرى بها التاريخ، وحين تتغير الأدوات، تتغير الطريقة التي نرى بها التاريخ، ثم تتغير الطريقة التي نصدر بها أحكامنا على الحاضر والمستقبل.

 

لماذا تستطيع؟

مشكلتي مع IMPACT-se ليست أنها خرجت من إسرائيل فقط. المشكلة أن مؤسسة نشأت داخل البيئة السياسية الإسرائيلية، ومن قلب الصراع مع العرب، بنت خلال أكثر من ربع قرن قدرة هائلة على البحث والترجمة والاتصال والتمويل والعلاقات السياسية، فأصبحت قادرة على مراقبة الطريقة التي يروي بها العرب والفلسطينيون دينهم وتاريخهم وصراعهم مع إسرائيل.

ثم حملت ما وجدته إلى المانحين، والبرلمانات، والبيت الأبيض، ووزارات الخارجية، ثم اقتربت شبكتها من المنطقة العربية نفسها، وفي بعض الحالات اقتربت من تطوير المحتوى نفسه، وعند هذه النقطة لم يعد السؤال: هل تقرأ IMPACT-se كتبنا؟

أصبح السؤال: إلى أي مدى صار لما تقرؤه وتطلبه أثر في الكتب التي سيقرأها أبناؤنا؟

لكن هذا السؤال ليس الأصعب، فالسؤال السهل هو: لماذا تفعل المؤسسة ذلك؟ ببساطة لأن هذا هو مشروعها، فهي لديها رؤية وتمويل وباحثون وعلاقات، وتعرف كيف تحول المعرفة إلى نفوذ.

 

أما السؤال الذي يزعجني فهو: لماذا تستطيع؟

أين المؤسسات العربية التي تراقب المناهج الإسرائيلية بالجدية نفسها؟ وأين قاعدة البيانات التي تتتبع كل تعديل طرأ على كتبنا، ومن طالب به ومن موله؟ أين الباحث الذي يقارن التقرير بالطبعة التالية؟ أين الشفافية حين تستعين حكومة عربية بجهة أجنبية في محتوى يمس الدين والتاريخ والهوية؟ وأين المجتمع حين تتغير الأشياء التي سيتعلمها أبناؤه؟

ربما لا تكمن القوة الكبرى لـIMPACT-se في إمكاناتها وحدها، بل تكمن ربما في الفراغ الذي وجدته أمامها !

ولهذا لا يكفيني أن أقول إن IMPACT-se مؤسسة إسرائيلية خطيرة جدًا، فهذه عبارة انفعالية غاضبة ولا تقدم أي أضافة

ما أريده: أن نعرف كيف تعمل، ومن يدفع؟ مون يلتقي بمن؟ وكيف تنتقل الورقة من مكتب الباحث إلى مكتب السياسي؟ وأين نجحت المؤسسة؟ وأين فشلت؟

فالقضية أكبر من كتاب مدرسي، إنها تتصل بالسؤال الذي يسبق كل كتاب: من يملك الحق في أن يقول لأبنائنا من نحن، وما الذي حدث لنا، وما الذي يستحق أن يبقى في ذاكرتنا؟ وحين يصبح المحتل واحدًا ممن يقتربون من صياغة الإجابة، فلا يكفي أن نغضب.

ينبغي أولًا أن نعرف، بالدليل، كيف وصل إلى هناك.

 

يزن النعانعة 

أكاديمي وكاتب وشاعر 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار