البابور الموقع العربي

رئيس تحرير “العرب القطرية” يكتب: نحو حكومة تلامس شؤون المواطن !

386

لا يخفى على معاليكم أن «بريق الكرسي» أحياناً ما يلعب بالبعض، ويجعل مكاتبهم بمثابة الثكنة العسكرية المغلقة في وجه المواطن

رسالة إلى معاليه قبل ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء اليوم: نحو حكومة تلامس شؤون المواطن !

‎عبد الله طالب المري

»أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للوطن وللأمير، وأن أحترم الشريعة الإسلامية والدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة. وأن أؤدي واجباتي بأمانة وذمة وشرف، وأن أحافظ محافظة تامة على كيان البلاد وسلامة إقليمها».. بهذا القسم أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بدأ معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، أمس، فصلاً جديداً في مسيرة خدمة الوطن، والتي بدأها بالعديد من الوظائف في قطاعات مختلفة، أداها بكل أمانة، حتى عُين وزيراً للخارجية في يناير 2016، في فترة مليئة بالتحديات الجسام في المنطقة والعالم.

‎طوال سنوات حمله حقيبة الدبلوماسية القطرية، كان معاليه في حالة دائمة من السفر واللقاءات مع كبار المسؤولين بمختلف القارات، تنفيذاً لتوجيهات صاحب السمو أمير البلاد المفدى، بتوطيد علاقات الدولة الخارجية، وتخطي الصعاب التي مررنا بها وطناً وشعباً خلال السنوات الماضية، وكان لجهود معاليه دور مؤثر في إيصال صوت قطر إلى العالم، في فترة كانت تحتاج إلى صوت من الحكمة والرزانة في التعامل مع كثير من الصعاب.
‎لكن كل ما فات أصبح في ذمة التاريخ، ورغم صعوبة المهمات التي حملها معاليه طوال السنوات السبع الماضية، فإن القادم أصعب بعد تولي معاليه رئاسة مجلس الوزراء في فترة جديدة من تاريخ قطر، أصبح فيها وطننا – بفضل الله وجهود القيادة الرشيدة- رقماً مهماً في المعادلة الدولية، واسماً كبيراً في وأد بؤر التوتر بعد تحول الدوحة إلى عاصمة للوساطة، فضلاً عن ترسيخ وجودها عاصمة للرياضة العالمية، بعد النجاح المبهر في تنظيم مونديال 2022.
‎وهنا مربط الفرس. ربما مكمن الصعوبة الأول أن ترؤس معاليه مجلس الوزراء، يأتي في فترة ما بعد كأس العالم. فلا يخفى على أحد أن سلفيه معالي الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني ومعالي الشيخ خالد بن خليفة بن عبدالعزيز آل ثاني، واللذين أديا دوريهما بكل إخلاص للوطن والقيادة، ترأسا حكومتين يمكن وصفهما بـ «حكومتي كأس العالم» تخللها تحديات وأزمات إقليمية كانت من أبرز الملفات في عهد حكومة معالي الشيخ عبدالله بن ناصر، وجائحة كورونا في عهد معالي الشيخ خالد بن خليفة.
وكانت الدولة مستنفرة طوال السنوات العشر الماضية في تنفيذ خطط المشاريع المرتبطة بالمونديال العالمي، لذا لم يكن ينتظر المواطن من الحكومتين الكثير على الصعيد الخدمي وما يمس حياته اليومية.
‎ولذا.. ‎من واجبي أولا كمواطن، وثانياً كمسؤول عن تحرير إحدى وسائل إعلامنا التي تعتبر مع مختلف وسائل الإعلام في وطننا لساناً لـ «المواطن»، وعيناً لـ «المسؤول»، بتسليط الضوء على أحوال الأول، ليضع لها الثاني الحلول المناسبة. أقول من واجبي أن أضع أمام معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، وهو يترأس أول اجتماع لمجلس الوزراء، اليوم بعضاً من الملفات التي نرجو أن تكون في صلب اهتمام معاليه والمجلس الموقر الفترة المقبلة، خاصة أنها تمس حياة وهموم وشؤون المواطن اليومية. وفي طرحي لهذه الملفات لن أستفيض في الرصد والغوص في الأرقام المتعلقة بكل ملف، بل فقط إلقاء الضوء عليها، وكلنا أمل أنها ستجد كل العناية من معاليه والوزراء المعنيين.
 ‎بداية من «الواجب» وليس من «التفضل» أن تكون أبواب المسؤولين مفتوحة للمواطن العادي. وليس المقصود هنا المعنى المباشر للعبارة، بل إصدار المسؤول التوجيه بسرعة إنجاز معاملات المواطن طالما كانت في حدود القانون، ومقابلة المواطن إذا استدعى الأمر ذلك. فلا يخفى على معاليكم أن «بريق الكرسي» أحياناً ما يلعب بالبعض، ويجعل مكاتبهم بمثابة الثكنة العسكرية المغلقة في وجه المواطن الذي تؤكد خطابات القيادة الرشيدة أنه أغلى ما يملك الوطن، وأساس نهضته واستقراره.
سياسة «الباب المفتوح» مرتبطة بشكل أو بآخر بمبدأ «الشفافية» و»عدم إخفاء المعلومات» عن الرأي العام، فكثيراً ما تكون هناك مطالب خدمية لأهالي هذه المنطقة أو تلك، ولا يتم تنفيذها. وعندما يسألون عن السبب، تكون الردود مبهمة ومقتضبة، ولا تطرح إجابات، بقدر ما تدفع المواطن إلى مزيد من التساؤلات. 
 قطاع الصحة:
‎ لا يخفي على معاليكم تحديات هذا القطاع الحيوي المرتبط بـ «أرواح البشر»، وأولها المشكلة «القديمة – الجديدة».. المواعيد. هل يعقل أن يحصل مواطن على موعد لمقابلة الطبيب المختص بعد شهور طويلة؟ وماذا يكون تفكيره في حالته الصحية طوال هذه الشهور، إذا كان لا يستطيع السفر للعلاج بالخارج، أو يدخل في أسعار العيادات الخاصة.
‎ومقابلة الطبيب يجب ألا تكون النهاية، بل لابد أن تكون البداية لتقديم خدمة صحية جيدة تتناسب مع إنسانية وكرامة المواطن وكل من يطلب العلاج أياً كانت جنسيته. وقبل هذا وبعده إنجاز ملف التأمين الصحي للقطريين، الذي اصبح أملاً يتمنى المواطن إنجازه في الفترة المقبلة.
‎وللأسف فإن الواقع يقول إن قطاعنا الصحي يضم مباني ومنشآت عملاقة بإمكانات جبارة، لكن مردود الخدمة وجودتها هما محل عدم رضا مجتمعي واضح.
 وإذا عرجنا على الملف الاستهلاكي نجد التالي:
‎لا شك أن الحكومة أمام تحد كبير لكبح التضخم والسيطرة على الأسعار الاستهلاكية، فالأرقام تشير إلى أن معدل التضخم في الدولة بلغ على أساس سنوي 4.6 بالمائة. وبعيداً عن الأرقام الاقتصادية المقعرة التي يستوعبها المواطن العادي، فإن كل ما تأمله الأسرة القطرية وبشكل مبسط ومباشر أن تكون الأسعار في متناول يدها، بعيداً عن المغالاة، وهو ما يتطلب الرقابة المشددة على الأسواق.
وقبل فترة أصدر مجلس الوزراء قرارا بتشكيل لجنة تدرس اعادة تقييم الرسوم المفروضة مقابل الخدمات، وهناك الكثير من المطالب والآراء المنطقية بشأن ضرورة إعادة دراسة الرسوم المفروضة، إذ تضاعفت الرسوم المطلوبة لكثير من الخدمات بشكل يرى كثيرون أنها مبالغ فيها، ولا تناسب الخدمات المقدمة.
وإذا كنا نضع الملاحظات والسلبيات على مكتب معالي رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبدالرحمن فإن ملف الحكومة الرقمية يعتبر من اضعف الخدمات المقدمة للمواطن. وربما باستثناء خدمات وزارة الداخلية الرقمية، فإن خدمات الغالبية من الوزارات والجهات الحكومية تبقى دون المستوى ولا تلامس تطلعات المواطنين، ما يؤدي إلى تكدس المراجعين في مراكز الخدمات، وإهدار كثير من الوقت والجهد، فضلاً عن زحام الطرق، وكان يمكن تفادي كل هذا، لو كانت الخدمات الإلكترونية في مختلف الوزارات على المستوى المأمول.
 ويبقى الملف التعليمي: 
‎ إنه ملئ بالهموم والشؤون والشجون والحديث فيه يطول. بداية بعدد المدارس ورياض الأطفال الخاصة في قطر 334 مدرسة وروضة خاصة، تفتح أبوابها أمام أكثر من 215 ألف طالب وطالبة. وبالرغم من الجهود التي تبذلها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، فإنه تطفو على السطح بشكل دائم مشكلة تدريس اللغة العربية والتربية الاسلامية وعدم اهتمام المدارس الخاصة بها، إلى جانب ضعف الهوية الوطنية في برامجها وأنشطتها. وتحتاج هذه المشكلة إلى حل جذري، من خلال الإشراف التام للوزارة على مدى التزام المدارس الخاصة ليس بتدريس هاتين المادتين وفقا لنصاب الحصص وطبقا للمنهج الحكومي، وتعزيز برامج القيم والهوية الوطنية فقط، وإنما أيضا بتزويد قطاع التعليم الخاص في الوزارة بكوادر وكفاءات أكاديمية كافية لأداء المهام المناطة بها في قطاع التعليم الخاص، أسوة بقطاع التعليم الحكومي.
‎وفي هذا الملف تجدر الإشارة إلى أن الوزارة بذلت جهودا كبيرة لاستقطاب المعلمين القطريين للالتحاق بالكادر التدريسي في المدارس الحكومية. فعلى سبيل المثال، أطلقت بالتعاون مع جامعة قطر عبر كلية التربية برنامج الابتعاث «طموح» وهو برنامج يتبنى حملة الشهادة الثانوية العامة للالتحاق بمهنة التدريس بعد التخرج. كما تعاونت مع ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي في تنفيذ برنامج «تمهين» الذي يستهدف الخريجين القطريين من جامعة قطر والجامعات الأخرى المحليَّة، من غير الحاصلين على مؤهل تربوي لتأهيلهم لوظيفة مُعلم. وعلى الجانب الآخر، قدّرت الدولة المواطن القطري الذي يعمل في سلك التدريس، بامتيازات مالية، ويعتبر راتب المعلم القطري الأعلى مقارنة بالمنطقة. إلّا أن جهود استقطاب المواطنين لمهنة التدريس، وتحديدا الذكور منهم، لا زالت متعثرة. كما تزايدت في الفترة الأخيرة، رغبة المعلمات القطريات أنفسهن إلى التقاعد أو تغيير مهنتهن. ويُعد هذا مؤشرا على وجود عوامل أخرى – غير مرتبطة بالامتيازات المالية الكبيرة – تجعل من هذه الوظيفة السامية «مهنة طاردة». ومن هنا أرى ضرورة أن تلتفت الوزارة إلى الجانب المعنوي في هذه الوظيفة، والعمل بجد على إنهاء مشكلة الأعباء الإدارية التي تُثقل كاهل المعلمين، فهذه مشكلة أزلية استعصت على الحل حتى الآن.
‎كما تُشكل التنمية البشرية ركيزة أساسية في رؤية قطر الوطنية 2030، والانسان القطري هو محور التنمية في البلاد. ولا يخفى على الجميع، مدى احتياج الدولة لكوادر وطنية في التخصصات العلمية المختلفة. 
‎وقبل ختام هذا الملف، أذكّر بظاهرة الدروس الخصوصية التي أصبحت «ازمة» تحتاج إلى ميزانية منفصلة، تعكس أن هناك خللاً ما في المنظومة التعليمية يحتاج إلى إصلاح.
التوظيف:
لا شك ان توظيف المواطن القطري وتقطير الوظائف يعتبر أهم وأبرز المشاكل التي كانت تسبب صداعا في رأس الحكومة والهاجس الأكبر للدولة، وعلينا أن نشيد بالنقلة في هذا الملف التي يقوم بها ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي  عبر منصة «كوادر»، إذ أصدرت وزارة العمل وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي خلال شهر أكتوبر من العام الماضي، تقريراً مشتركاً حول إحصائيات التوظيف في القطاعين الحكومي والخاص. وتظهر هذه الإحصائيات حرص أبرز جهات التوظيف وأصحاب العمل في الدولة وتعاونهم في مختلف المجالات لتوفير فرص توظيف للباحثين عن عمل. وحسب الأرقام الصادرة حديثاً، فقد تم توفير 1,841 فرصة عمل في الدولة في الربع الثالث من عام 2022 في شتى المجالات في القطاعين العام والخاص. ولكن يقابل هذه الأرقام المبشرة حالة بطء شديد في انهاء «تسكين التوظيف» بعد المقابلات من قبل الوزارات. لكم أن تتخيلوا أنه بعد المقابلة الشخصية واجتيازها يحتاج الموظف إلى فترة بين 3 أشهر و 5 حتى ينهي إجراءات التسكين بالوظيفة.
ملف المتقاعدين:
أدرك جيدا أن هذا الملف يحتاج إلى اهتمام اكبر، فهم شريحة مهمة بالمجتمع بسواعدهم وجهدهم كانوا شركاء فاعلين في بناء دولتنا الغالية علينا جميعا ولا شك أن هذا الملف يحتاج إلى نظرة اهتمام من مجلس الوزراء في الفترة المقبلة، إذ أن هناك كفاءات قطرية كبيرة يمكن الاستفادة منهم ومن خبراتهم في القطاعين الحكومي والخاص، والأمر يتطلب وضع خطة لكيفية استيعاب هذه الكفاءات، قد تكون إحدى نقاطها الاستعانة بهم «متعاونين» في العديد من الوظائف التي تتناسب مع قدراتهم، بدلاً من استقطاب موظفين من الخارج، مع ما يتطلب هذا الأمر من تكاليف مالية.

‎هذه مجرد ملفات، مؤكد أن معالي رئيس مجلس الوزراء وعبر فريق الباحثين المنتشرين في مختلف الوزارات لديهم أرقام مفصلة بشأنها، وتفاصيل أكثر عن مشاكلها.
‎وكل الأمل أن الفترة القادمة ستشهد تحركاً جاداً وتقدماً في هذه الملفات، وهذا ما عهدناه من معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن في كل المواقع التي تم تكليف معاليه بها من قبل صاحب السمو أمير البلاد المفدى الذي يضع مصلحة الوطن والمواطن في كل قرار يتخذه سموه.
‎كما ندرك أن معاليه يملك القدرة على الموازنة بين متطلبات منصبه في الاهتمام بالشأن الداخلي، وبين مقتضيات الحقيبة الدبلوماسية التي ما زال معاليه يتشرف بحملها.
‎وكلنا ثقة بأن معاليه لن يألو جهداً في سبيل أن تكون الحكومة التي يرأسها حكومة أكثر ملامسة لشؤون وشجون المواطن.
‎ فقطر تستحق منا الأفضل لرفعتها وتقدمها في كافة المجالات

والله من وراء القصد.

عبد الله طالب المري – رئيس تحرير جريدة العرب القطرية

المصدر: العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار