البابور الموقع العربي

بطل الفقراء.. وصانع نهضة البرازيل الحديثة

476

محمد أحمد بكري

لم تعلم «أريستيدس» أنها تربي صانع نهضة البرازيل.

لا يحمل أي مؤهلات علمية، ولا يجيد لغات أجنبية لكنه قاد بلاده إلى نهضة أبهرت العالم,  لعبت والدته دوراً كبيراً في حياته وتكوين شخصيته، واعترف هو بذلك قائلاً:

‏”لقد علمتني أمي كيف أمشي مرفوع الرأس وكيف أحترم نفسي حتى يحترمني الآخرون.”

“لولا دا سيلفا” بطل الفقراء وصوتهم.

توقف مشواره التعليمي عندما كان في السنة الخامسة من التعليم الأساسي بسبب الفقر الشديد والظروف الصعبة لعائلته.

ظل يتنقل من مهنة إلى أخرى حتى عمل في مهنة عامل ميكانيكي في إحدى ورش الخراطة وتصليح السيارات، وفي هذا العمل فقد إصبعه الخِنصر من اليد اليسرى في سن 19 عاما.

ساهم فقدان إصبعه في دخوله الحياة السياسية من أجل تحسين حياة العمال وظل يتنقل في المناصب حتى وصل منصب رئيس نقابة العمال عام 1980م ومن هنا بدأت الشعبية الكبيرة بين طبقة العمال والفقراء.

وفي فترة الثمانينات مرت البرازيل بأزمة اقتصادية قاسية تسببت في تسريح ملايين العمال وخفض أجور باقي العاملين وتم إلغاء الدعم، وهبط ملايين المواطنين تحت خط الفقر وتدهورت الأوضاع الاقتصادية أكثر وأصبحت من الدول الأكبر في معدل الديون في العالم وانهارت العملة.

في عام 1989م تشجع “لولا دا سيلفا” وخاض الانتخابات الرئاسية ولكنه خسر من الجولة الأولى، ‏ثم ترشح عام 1994م وخسر للمرة الثانية وترشح عام 1998م وخسر للمرة الثالثة.

‏عاد وترشح عام 2003م للمرة الرابعة وفاز أخيراً، فاز وأصبح رئيساً لجمهورية البرازيل أكبر دولة في أمريكا الجنوبية وبعدد سكان يفوق 182 مليون نسمة بعد أن كان طفلاً فقيراً لا يملك قوت يومه.

‏في بداية عهده نفذت البرازيل برنامجا للتقشف وفقا لخطة صندوق النقد الدولي بهدف سد عجز الموازنة والقضاء على أزمة الثقة. وقد أدى هذا البرنامج إلى خفض عجز الموازنة وارتفاع التصنيف الائتماني للبلاد، ومن ثم ساهم بقوة في القضاء على انعدام الثقة في الاقتصاد البرازيلي، لقد كان عامه الأول استثنائياً ومفترق طرق في حياة البرازيل وشعبها.

وفي هذا العام طمئن الشعب قائلاً (من اليوم إلى نهاية ولايتي لن يبقى جائع برازيلي واحد) إنها استراتيجية أفصح عنها ونجح في تحقيقها، وبالفعل تراجعت في ولايته الأولى نسبة سوء التغذية لدى الأطفال في بلاده (46٪)

وقدم برامج دعم لطلاب العائلات الفقيرة، وخلال الولايتين الرئاسيتين خلق 14 مليون وظيفة وارتفعت القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور ثلاث مرات.

‏كما تبنى الكثير من البرامج الإصلاحية وأعطى الأولوية لبرامج العدالة الاجتماعية، وعمل على تطبيق حزمة من البرامج الخاصة بالقضاء على الفقر والجوع منها برنامجي “صفر جوع” و “مساعدة الفلاح البرازيلي”, ومع اقتراب نهاية فترة رئاسته الثانية نجح في إخراج أكثر من 30 مليون مواطن من الفقر.

بين 2004م و2011م تلقت البرازيل نحو 200 مليار دولار استثمارات مباشرة ودخل البلاد ما يقرب من 1.5 مليون أجنبي وعاد نحو مليوني مهاجر برازيلي إلى البلاد.

أدت هذه الاستثمارات إلى رفع الطاقة الإنتاجية وتوفير فرص عمل جديدة. وبعد أن كان صندوق النقد يرفض إقراض البرازيل أواخر عام 2002م أصبح الآن بعد ثماني أعوام من العمل في برنامج “لولا” الاقتصادي مديناً للبرازيل بـ 14 مليار دولار.

وتربعت البرازيل في المركز السابع عالميا من حيث قوة الاقتصاد محققة نسبة نمو سنوية 7.5%, وأصبحت ضمن الدول الأولى التي حققت معدلات نمو قوية وساهمت في انتعاش الاقتصاد العالمي.

‏بعد انتهاء ولايتي “لولا دا سيلفا” ‏عام 2011م عاد إلى صفوف الجماهير ليبدأ معهم قصة نضال جديدة، وفي عام 2022م عاد وترشح مرة أخرى للرئاسة وفاز وتولى المنصب في يناير 2023م.

‏ما حدث لـ “لولا دا سيلفا” معجزة إنسان انعكست في معجزة اقتصادية، ونتطلع إلى أن نرى البرازيل في مجموعة الأربع دول الكبرى اقتصاديا وتعود إلى مكانتها الإقليمية والدولية.

محمد أحمد بكري

كاتب سوري ومؤلف كتاب مزهرية الكلمات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار