البابور الموقع العربي

انهيار القطاع الطبي في أمريكا.. استقالة 100 ألف ممرض.. ونقص الأطباء يتجاوز 124 ألف طبيب

188

بلغت أقسام الطوارئ التي تعاني من نقص في عدد الموظفين “نقطة الانهيار” في المستشفيات حسب رسالة وجهتها أكثر من 30 مجموعة متخصصة بالرعاية الصحية إلى البيت الأبيض في نوفمبر

حاجة الولايات المتحدة لأطباء وممرضين تتفاقم.. بلغ النقص في الأطباء والممرضين ومقدمي الرعاية الصحية المنزلية درجةً تجعله حالة طوارئ وطنية

لا أطباء ولا ممرضين.. هروب عمالة الرعاية الصحية

100 ألف ممرض مسجل تركوا وظائفهم خلال العامين الماضيين.. تواجه الولايات المتحدة نقصاً يصل إلى 124 ألف طبيب بحلول 2034

تولّت أم جستن كوبر رعايته لمعظم حياته، لكنها استُبقيت في المشفى للعلاج أخيراً ولا يجد الأربعيني الذي يعاني ضموراً في عضلاته ما يكفي من المساعدين الصحيين لسد الفراغ الذي خلّفه غيابها. بعدما تعذّر عليه العثور على مساعد يرافقه حتى وقت متأخر في نهاية الأسبوع ليعينه على التمدد في سريره، كان يضطرّ في كثير من الأحيان لأن ينام في كرسيه المتحرك، فسبب له ذلك تقرحات كما أن ساقيه تتورمان. قال كوبر الذي يقيم في شيكاغو: “العثور على أشخاص يأتون في ساعات محددة لمساعدتي صعب جداً… الحال سيئ”.

باتت حاجة الولايات المتحدة لمزيد من عمال الرعاية الصحية ماسّةً في ظلّ ما تعانيه من نقص يعمّ النظام الصحي برمته، ويشمل الأطباء وممرضي أقسام الطوارئ بالمشافي والمساعدين الصحيين ممن يقدمون الرعاية المنزلية للمسنّين وذوي الإعاقة. وقد تفاقمت هذه الأزمة على مرّ السنين في ظلّ تقدم جيل طفرة المواليد بالعمر، مع ما يرافق ذلك من ضغط غير مسبوق على النظام الصحي، ثم جاء وباء كورونا فزاد الطين بلة.

كوبر المصاب بضمور عضلي تعذّر عليه تأمين ما يكفي من المساعدين الصحيين المنزليين
كوبر المصاب بضمور عضلي تعذّر عليه تأمين ما يكفي من المساعدين الصحيين المنزليي

استقالات ضخمة

ترك حوالي 100 ألف ممرض مسجل وظائفهم خلال العامين الماضيين بسبب ضغط العمل والاستنزاف والتقاعد، فيما يخطط أكثر من 610 آلاف آخرين لترك وظائفهم للأسباب عينها بحلول 2027، حسب دراسة أجراها المجلس الوطني لبوردات التمريض في الولايات المتحدة في أبريل.

لقد نقلت الدراسة عن معظم الممرضين أنهم يشعرون بأنهم “مستنفذون عاطفياً” أو “منهكون” أو “بلغوا حدّهم”. بيّنت دورية “هيلث أفيرز” (Health Affairs) أن زهاء نصف الموظفين العاملين في مؤسسات الصحة العامة المحلية وعلى صعيد الولايات استقالوا بين 2017 و2021. كما بيّنت دراسة أخرى أن عدد موظفي الرعاية المنزلية لكلّ 100 متلقٍ للخدمات الطبية في إطار برنامج “مديك إيد” ، انخفض 11.6% بين 2013 و2019. وقد تواجه الولايات المتحدة نقصاً بما يصل إلى 124 ألف طبيب بحلول 2034، حسب رابطة كليات الطبّ الأميركية.

تعليقاً على ذلك، قال أكين ديميهين، كبير مسؤولي الجودة وسياسة سلامة المرضى في رابطة المستشفيات الأميركية: “هذه مسألة طوارئ وطنية تتطلب اهتماماً عاجلاً من مختلف الجهات المعنية وصنّاع السياسات والمستشفيات”.

تستمر صعوبات التوظيف بالضغط على أرباح مقدّمي الرعاية الصحية. وقد اضطرّت شركات مثل “إتش سي أي هيلث كير” (HCA Healthcare) و”تينيت هيلث كير” (Tenet Healthcare) في ظلّ النقص في أعداد الممرضين خلال الوباء، للاعتماد على عمّال متعاقدين يتقاضون أجوراً أعلى، وهي تسعى الآن لتوظيف ممرضين يعملون بدوام كامل، وتعرض أجوراً أعلى فيما تسوق من مغريات.

قال الرئيس التنفيذي لـ”تينيت” سوم سوتاريا في اتصال مناقشة الأرباح في أبريل: “النقص الهيكلي في السوق لجهة اليد العاملة لم ينته مع مضي 2022 وصولاً إلى 2023… بالتالي ما يزال المتعاقدون يشكلون أحد الموارد المهمة”.

انتظار طويل

في المستشفيات، بلغت أقسام الطوارئ التي تعاني من نقص في عدد الموظفين “نقطة الانهيار”، حسب رسالة وجهتها أكثر من 30 مجموعة متخصصة بالرعاية الصحية إلى البيت الأبيض في نوفمبر، وقد طالبت المنظمات وأعضاء في الكونغرس إدارة بايدن بمعالجة مشكلة الانتظار الطويل التي تجبر المرضى على البقاء في أقسام الطوارئ لأيام وأسابيع وحتى لأشهر جرّاء النقص في موظفي دور الرعاية أو في الأجزاء الأخرى من المستشفى التي يتعيّن إحالة المرضى إليها. في بعض الحالات توفي مرضى فيما كانوا ينتظرون لفترات تصل إلى 10 ساعات أو أكثر حتى يفحصهم طبيب.

كما يبدو أن أعداد من سيرفِدون القطاع تتراجع أيضاً. فقد سجّل طبّ الطوارئ العام الماضي أوّل انخفاض ضخم في عدد الطلاب المتقدمين ليصبحوا أطباء مقيمين. وكتبت مجموعة من الأساتذة والأطباء المتخصصين في طبّ الطوارئ في موقع “ستات” (Stat) للأخبار الطبية والعلمية في مارس: “أدرك طلاب الطبّ الفوضى التي يواجهها الأطباء في مجال طبّ الطوارئ، وهذا ينفرهم من تخصّصنا”.

قالت عائشة تيري، الرئيسة المنتخبة للمجمع الأميركي لأطباء الطوارئ إن أقسام الطوارئ “في وضع مأزوم… ويعني ذلك أن المصابين بسكتات دماغية أو أزمات قلبية القابعون في غرف الانتظار سيواصلون الانتظار”.

كان استبيان لرابطة الرعاية الصحية الأميركية العام الماضي قد أظهر أن أكثر من نصف دور المسنّين حدّت من استقبال الحالات بسبب نقص عدد الموظفين.

في غضون ذلك، يرفض العاملون في مجال الرعاية الصحية المنزلية أكثر من ربع الحالات المحالة إليهم بسبب نقص عددهم، حسب تقرير صدر في مارس عن مجموعتين ناشطتين في القطاع تحت عنوان “أزمة العمالة في الرعاية المنزلية”.

ضغوط على القطاع

لطالما واجهت وكالات الرعاية الصحية مصاعب في العثور على موظفين واستبقائهم في قطاع تبلغ نسبة الدوران الوظيفي فيه 60% في السنة الأولى من بدء العمل، فالعمل منهك والدخل ضعيف. في الآن ذاته يسجل الطلب ارتفاعاً كبيراً فيما يتجه عدد الأميركيين الذين تناهز أعمارهم 85 وما فوق الارتفاع إلى 5 ملايين في 2030، حسب الرابطة الوطنية للرعاية في المنازل والمآوي.

كما جلب الوباء تحديات جديدة، فقد عمدت عائلات كثيرة لنقل أقارب من دور الرعاية بسبب الخشية من انتشار كورونا ليتلقوا الرعاية في المنزل، فتفاقمت الضغوط على القطاع الذي يعاني أصلاً من نقص الموظفين، حسب جو بيكورا، رئيس مؤسسة عاملي الرعاية الصحية في أميركا.

كما حدّت القيود على الهجرة خلال فترة الوباء من تدفق العمّال الجدد، ومعظمهم من النساء المهاجرات، وفقاً لما قاله ديفيد توتارو، مسؤول الشؤون الحكومية في شركة “بيادا” (Bayada) للرعاية الصحية المنزلية، وهي واحدة من أكبر شركات القطاع.

في غضون ذلك، تستبقي المستشفيات المرضى لديها لفترات أطول بما أن معظم الأماكن التي كانت ترسلهم إليها عادةً، أي مراكز إعادة التأهيل ودور المسنين والمستشفيات النفسية، لم تعد قادرة على استقبال مرضى جدد لأنها تواجه هي الأخرى نقصاً بالموظفين.

بالتالي، ارتفع معدل البقاء في المشافي 19% في 2022 مقارنة مع 2019، حسب شركة “ستراتا ديسجن تكنولوجي” (Strata Decision Technology) الاستشارية المتخصصة بالتقنية في مجال الرعاية الصحية. ويرتب ذلك تكاليف إضافية على المستشفيات بما أن برنامج “مديكير” لا يغطي تلك الأيام الإضافية.

أنجبت شاكريا لي ابنها برايف قبل أوانه بأربعة أشهر، وقد أمضى 11 شهراً في المستشفى، خضع خلالها لأكثر من 20 عملية جراحية قبل أن يصبح مستعداً للذهاب إلى منزلهم في إيسانتي في مينيسوتا هذا الربيع. إلا أن الرضيع اضطر للبقاء في المستشفى لستة أسابيع إضافية إلى أن تمكّنت لي وزوجها من العثور على عاملي رعاية صحية منزلية لتغطية ما يكفي من الساعات للعناية بطفلهما. وما تزال لي تواجه صعوبات في إيجاد عاملين صحيين يأتيان إلى منزلها، فاضطرت لتعلم استخدام أجهزة طبية معقدة، مثل جهاز التنفس الاصطناعي. قالت: “اضطررت لتعلم كلّ ما يقوم به أولئك الأخصائيون الطبيون، لأن إبقاء ابني على قيد الحياة في غيابهم يتطلب ذلك”.

اقتراحات وحلول

يمتد هذا النقص في عدد العاملين الصحيين إلى العديد من الدول الأخرى، وبينها كندا وفرنسا واليابان وبريطانيا، ولكن لدى بعض الدول عدد أكبر من الأطباء والممرضين للفرد. في حين أن هناك 35 طبيباً لكلّ 10 آلاف فرد في الولايات المتحدة، يبلغ عدد الأطباء 70 لكل 10 ألاف إنسان في السويد، حسب منظمة الصحة العالمية.

كشف الوباء عن تداعي القوة العاملة في مجال الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، لكنه زاد أيضاً وعي الأميركيين للعمل الذي يقوم به الأطباء والممرضون وغيرهم من العاملين في المجال الصحي. يرى ديميهين من رابطة المستشفيات الأميركية أن هذه اللحظة قد تكون الأكثر ملاءمة لبناء تعزيزات، وأضاف: “أصبح الجميع يدركون بجلاء اليوم إلى أي مدى ارتقى العاملون في مجال الرعاية الصحية إلى مستوى المسؤولية في السنوات القليلة الماضية”.

اقترح عاملون في مجال الرعاية الصحية ومشرعون مجموعة أفكار لمعالجة المشكلة، ومن ذلك أن تستعين المستشفيات بممرضين يعملون عن بعد، فيتمكن بذلك الممرضون الذين يقدمون العناية المباشرة من القيام بمهام أخرى.

في أبريل، سنّت ولاية تنيسي قانوناً يسهّل على الأطباء الذين تلقوا تدريبهم خارج الولايات المتحدة الحصول على إذن لممارسة الطبّ. وفي الشهر التالي، أعلنت نيوهامشير استراتيجيات منها التوقف عن إبقاء المرضى النفسيين في أقسام الطوارئ بحلول 2025 عبر زيادة تمويل مراكز الرعاية الصحية المجتمعية.

في 27 يوليو، أعلن عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية أوريغون رون وايدن وزميله المستقل عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز، وكلاهما يرأس لجنة تعنى بسياسة الرعاية الصحية، أنهما يعتزمان تقديم مشروع قانون هذا الخريف بهدف توسيع برامج مثل هيئة الخدمات الصحية الوطنية، التي ينتهي تمويلها في سبتمبر وهي تقدّم منحاً دراسية وتسوي قروض مقدمي الرعاية الطبية في المناطق التي تعاني نقصاً في العاملين في القطاع.

كما أعلن عضوا مجلس الشيوخ عن رغبتهما بزيادة تمويل برامج الأطباء المقيمين، مع تخصيص شواغر للأطباء في المناطق التي تعاني من نقص، وتشجيع مقدمي الرعاية الطبية على إقامة شراكات مع الكليات لتدريب مزيد من الممرضين وغيرهم من العاملين في القطاع الصحي. قال وايدن وساندرز إن “معالجة نقص عاملي الرعاية الصحية على امتداد البلاد يتطلب أفكاراً جديدة من الوزن الثقيل لا تترك باباً لا تطرقه”.

المصدر: الشرق بلومبيرغ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار