البابور الموقع العربي

المجلس الوطني.. خمسون عاماً من الشهادة العربية على الثقافة العالمية

1٬444

د. محمد حسين بزي*

«هل وصل العدد 122 من عالم المعرفة (أدب أميركا اللاتينية ج 2 لسيزار فرناندث؟)»، أجاب صاحب مكتبة الزيدانية في بيروت: «نعم، وصل يوم أمس، كما وصل العدد الثالث لسنة 1987 من عالم الفكر»، عندها طفح وجهي بالغبطة، وكأنها عيدية السنة الجديدة (1988)، التي دخلت قبل شهر حينها..! خاصة أنني قرأت في هذا العدد لأول مرة مصطلح الذكاء الاصطناعي (أي قبل 35 سنة)، ومعلومات كنا نجهلها عن الحاسوب والمعلوماتية..! بهذا الشغف كنا نتابع كل ما يصدره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (أنشئ سنة 1973) في الكويت، ونحن طلاب المرحلة الثانوية من الدراسة، وتابعنا مجلة عالم الفكر (بداية صدرت عن وزارة الإعلام الكويتية 1970)، ومجلة إبداعات عالمية «من المسرح العالمي»، (صدرت 1969)، ومجلة الثقافة العالمية، (صدرت 1981)، وصولاً إلى مجلة الفنون، التي انطلقت مع احتفالات الكويت بإعلانها عاصمة للثقافة العربية سنة 2001، وأضيفت إلى هذه السلسلة الذهبية مجلة العربي العريقة، التي كانت تصدر عن وزارة الإعلام، وتأسست سنة 1958.

د. محمد حسين بزي

كل ما تقدم من إصدارات كنا ننتظر وصولها إلى لبنان، ونحن على قيد الشوق حتى نلتقي مع إبداعات الفكر العربي والعالمي.

ثقافة جيل

باختصار سهل ممتنع، لقد شكلت إصدارات المجلس الوطني – بسعرها المدعوم نسبياً – ثقافة جيلنا، ولو أجرينا إحصاء لوجدنا أنه لا تكاد مكتبة أديب أو شاعر أو أستاذ أو مثقف تخلو من هذه الإصدارات أو بعضها على امتداد لبنان والوطن العربي، وهذه خاصية تميزت بها دولة الكويت، وأصبحت من سماتها الحضارية. واعترافاً بالفضل لذويه، أقول إن الإصدارات أعلاه كانت من اللبنات المؤسِّسة لشخصيتنا الثقافية والعلمية، وإنْ وعيناها لاحقاً، وقد رفدتنا في مرحلة الدراسة الجامعية، حيث كان أكثر من مقرر دراسي في مادة الفلسفة وغيرها من إصدار مجلة عالم الفكر أو عالم المعرفة. أيضاً أستطيع الجزم أن تلك الإصدارات بتنوعها المعرفي كانت نافذتنا الفكرية شبه الوحيدة على الثقافة العربية والعالمية، خصوصاً أننا كنا نعيش مآسي الحرب الأهلية اللبنانية، التي انتهت بتوقيع اتفاق الطائف أواخر سنة 1989.

نجاح معرض الكتاب

أما وقد كان ما ذكرت من رحلتي الثقافية كمحب للشعر والفلسفة مع إصدارات الكويت، فقد حق للمجلس الوطني أن أحييه كناشر على أمر آخر، وهو نشاطاته ومهرجاناته الفكرية والتثقيفية لمختلف المراحل العمرية داخل الكويت، ولعل أبرزها معرض الكويت الدولي للكتاب، الذي بلغ دورته الـ46 قبل أيام (من 22–11 إلى 2–12–2023)، هذا المعرض الذي تشد إليه رحال مئات الناشرين العرب والأجانب كل سنة، لا يزال في صدارة المعارض الدولية للكتاب، ويتطور كل سنة عن سابقتها من حسن إدارة وتنظيم وتسهيلات على الناشرين والرواد.

لكن ما استقر في نفسي هذه السنة كان لقائي المميز مع مدير معرض الكويت الدولي للكتاب الأستاذ خليفة الرباح، ودار الحديث حول الشعر وغاياته وقضاياه، فبهرني الرباح بحفظه وضبطه لعشرات الأبيات، وربما المئات من شعر المتنبي وعنترة وحسان بن ثابت وغيرهم، لكن الذي استوقفني كان حفظه لكامل «يتيمة» الشاعر العباسي علي بن زريق البغدادي (المتوفى 1029) «لا تعذليه» عن ظهر قلب، وهي القصيدة التي تغنى بها الغرباء، وحفظها العشاق، وأقرّها الحكماء.

هنيئاً للكويت بهذا الكم المُفاخِر من التراكم الحضاري الناصع بالإنجازات الثقافية والأدبية والفنية، التي تحررت من قيود التبعية الثقافية لغير أمتها على مدى خمسة أجيال، ويزيد من عمر العرب الذين لا يزالون يحلمون في غد أفضل.

وهنيئاً للعرب وللإنسانية بهذه الكويت، التي ما زالت وستبقى بإذن الله منارة للحرية والثقافة، ورأس حربة في مناهضة الغزو الثقافي والتطبيع مع العدو الصهيوني، الذي نشهد اليوم أشنع مجازره وأبشع إرهابه في أطفال غزة.

*شاعر وروائي لبناني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار