البابور الموقع العربي

ديفيد هيرست: هل تواجه (إسرائيل) نفس مصير الصليبيين

43

نشر الكاتب البريطاني المخضرم “ديفيد هيرست” مقالا طويلا عن التشابه بين ‏الاحتلال الإسرائيلي والصليبيين في الأساليب والمطامح، مؤكدا أن السلوك ‏الإسرائيلي يجعل من غير المستبعد أن يكون مصير الاحتلال مثل مصير ‏الصليبيين في الشرق.‏

ويعتبر “ديفيد هيرست” أحد كبار كتاب العالم المتخصصين في الشرق الأوسط، ‏حيث غطى أخبار المنطقة لصالح صحيفة الغارديان لمدة خمسة وأربعين عاماً. ‏ونشر للكاتب العديد من الكتب، منها “البندقية وغصن الزيتون” و “حذار من ‏الدول الصغيرة: لبنان ساحة المعركة في الشرق الأوسط”.‏

Image1_62024591949600578760.jpg
                                               صدر الكتاب في عام 2013 عن دار الرمال للنشر

ورغم توقفه عن العمل الصحفي -حيث يبلغ من العمر 88 عاما- إلا أن هيرست ‏نشر هذا المقال الطويل الذي يمثل بحسب مراقبين “وثيقة تاريخية” في تحليل ‏السلوك الإسرائيلي وتأثيره في صناعة مستقبل الاحتلال في فلسطين. والمقال ‏كان أصلا مقدمة لطبعة جديدة ستنشر من كتاب هيرست “البندقية وغصن ‏الزيتون”.‏

Image1_62024591037788764479.jpg
                                     نشرت الطبعة الأولى من الكتاب في 2003 عن دار رياض الريس للنشر

ورغم أن المقال/ أو مقدمة الطبعة الجديدة من الكتاب كتبت قبل السابع من ‏أكتوبر الماضي، إلا أن الكاتب لم يغير في مضمونها عند نشرها سوى جملة ‏واحدة، مؤكدا أنها لا تزال تعبر عن الواقع، في إشارة إلى أن سلوك الاحتلال ‏الإجرامي سيؤدي أكثر فأكثر إلى نزع الشرعية عن دولة الاحتلال، وسيجعل ‏فرصة أن تلقى مصير الصليبيين في الشرق أكثر احتمالا.‏

يشار إلى أن كاتب المقال هو غير الكاتب المعروف “ديفيد هيرست” رئيس ‏تحرير موقع ميدل إيست آي.‏



هل ستختفي إسرائيل على طريقة الصليبيين؟
ديفيد هيرست

في يوليو (تموز) 2023، أتممت ما كان يفترض أن يكون الطبعة الرابعة – ‏والتحديث الثالث – من كتابي “البندقية وغصن الزيتون: جذور العنف في ‏الشرق الأوسط”، والذي هو عبارة عن كتاب في تاريخ الصراع في الشرق ‏الأوسط. ‏

ثم جاء في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) هجوم حماس الدموي على جنوب ‏إسرائيل وما نجم عنه من تطورات كارثية، سواء من الناحية السياسية أو غير ‏ذلك من النواحي. ‏

لكم سيكون سخيفاً ألا يتضمن تحديث كتابي حديثاً عن هذه التطورات. ولكن ‏نظراً لصعوبة الأمر قررت العزوف عن محاولة ذلك. إلا أنني أعتقد بأن ‏التوطئة والخاتمة للطبعة الجديدة التي أجهضت ما زالتا ساريتين وصائبتين كما ‏هما. ‏

إليكم التوطئة والخاتمة كما هما بلا تبديل أو تغيير فيما عدا 13 كلمة إضافية في ‏الفقرة الأخيرة – “وها هي إسرائيل تقوم بعمل خارق للعادة في هذا السياق في ‏غزة حالياً”. ‏

ملاحظة المحرر: تمت كتابة ما يأتي قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ‏‏2023. ‏

التوطئة

‏”هل سوف نعيش دوماً بحد السيف؟”‏

‏-‏ ليفي إشكول، رئيس وزراء إسرائيل حينذاك، مخاطباً أعضاء حكومته ‏المؤيدين للحرب في الثامن والعشرين من مايو (أيار) 1967. ‏

‏”نعم”. ‏

‏-‏ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متحدثاً أمام لجنة الشؤون ‏الخارجية والدفاع في الكنيست، في السادس والعشرين من أكتوبر (تشرين ‏الأول) 2015. ‏

في أواخر ستينيات القرن العشرين، طلب مني وكيل إحدى دور النشر تأليف ‏كتاب حول تطور جديد مهم طرأ على ما بات يعتبر واحداً من الصراعات ‏الأطول أمداً والأخطر أثراً في العالم، ألا وهو الصراع بين العرب واليهود في ‏الشرق الأوسط. ‏

كان ذلك التطور هو نشأة حركة “المقاومة” الفلسطينية، المتمثلة في حركة فتح ‏بقيادة ياسر عرفات ومعها لفيف من المنظمات الأصغر حجماً والأقل شأناً، ‏والتي مازالت بعض بقاياه موجودة تعمل حتى يومنا هذا، ولكن بأشكال مختزلة ‏ومتضائلة. ‏

كانوا يعتبرون أنفسهم مناضلين يقاتلون من أجل الحرية، لديهم تصميم على ‏‏”العودة” عبر “النضال المسلح” إلى أرض آبائهم وأجدادهم، فلسطين. سماهم ‏الإسرائيليون “إرهابيين” عازمين على “تدمير” دولتهم الوليدة حديثاً. وبالفعل، ‏كانوا بكل وضوح “إرهابيين” في جل ما قاموا به من أعمال. ‏

ولقد هزوا العالم بأسره عندما قاموا في واحد من أشهر الأعمال الإرهابية ‏وأكثرها إبهاراً على الإطلاق بأخذ رهائن وقتل أحد عشر رياضياً إسرائيلياً في ‏دورة الألعاب الأولمبية التي نظمت في ميونيخ في عام 1972، معززين بذلك ‏عقيدة غربية سائدة تكاد تكون عالمية في أبعادها، مفادها أن الإسرائيليين في ‏هذا الصراع هم الصالحون بينما الفلسطينيون والعرب هم الطالحون. ‏

اقرأ أيضا:هكذا نجحت المقاطعة نصرة لغزة في الإضرار بالشركات الداعمة للاحتلالما مارسوه من عنف كان بمثابة العنوان الفرعي لكتابي، أما جذور ذلك فتتمثل ‏أساساً في العنف الذي يمارسه الطرف الآخر. ‏
تطلب سرد ذلك كله مني أن أنطلق من الهزات التحذيرية الخافتة التي كانت في ‏أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر – مروراً بالشجارات المتصاعدة بين ‏الفلاحين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود الذين وصلوا من توهم إلى البلاد ‏خلال السنين الأولى من القرن العشرين، والاضطرابات المجتمعية التي شهدتها ‏عشرينيات ذلك القرن، ثم الحملات الإرهابية التي شهدتها الثلاثينيات ‏والأربعينيات سواء من قبل العرب ضد اليهود أو من قبل اليهود ضد العرب ‏وضد سلطات الانتداب البريطاني، ثم طرد العدد الأكبر من السكان الفلسطينيين ‏في الفترة ما بين 1947 و 1948 وإخراجهم من ديارهم – إلى النوبات ‏الزلزالية التي أحدثتها الحروب الأربعة التي نشبت بين العرب وإسرائيل خلال ‏الخمسة والعشرين عاماً الأولى من عمر إسرائيل. ‏

التحديث الأول: 1976-1983‏

شهدت هذه السنون السبع أول اتفاق سلام يتم إبرامه في الشرق الأوسط بين ‏إسرائيل وأقوى جيرانها، مصر، في عام 1979، والذي ما لبث أن تبعه قيام ‏إسرائيل بغزو أضعف جيرانها، لبنان، في عام 1982، وطرد الفدائيين التابعين ‏لياسر عرفات منها. ‏

وشهدت تلك الفترة ما بات يعرف ببساطة تامة في الشرق الأوسط – تماماً ‏مثلما هو حال معسكر الإبادة بيرجين بيلسن أو بابي يار في أوروبا – باسم ‏صبرا وشاتيلا، مذبحة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الكتائب، وهي ‏مليشيات مسيحية لبنانية، تحت سيطرة إسرائيل وتحت سمع وبصر جيشها، ضد ‏النساء والأطفال والرجال المسنين الذين تركهم الفدائيون الذين غادروا لبنان ‏خلفهم مكشوفين بلا حماية على الإطلاق، داخل مخيمات اللاجئين في بيروت ‏التي تحمل نفس الاسم. ‏

التحديث الثاني: 1984- 2002‏

يشتمل ذلك على ذكر أول انتفاضة غير عنيفة ينطلق بها سكان الضفة الغربية ‏وقطاع غزة المحتلين من قبل إسرائيل، والتي أمر فيها إسحاق رابين، الذي ‏أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء إسرائيل خلال الفترة من 1992 إلى 1995، ‏جيشه بقمع الناس من خلال “تكسير عظامهم” – بحضور المسعفين الطبيين ‏لضمان ألا يفضي ذلك إلى ضرر “غير قابل للإصلاح” أثناء كسر العظام. ‏

ويتضمن ذلك ما صدر عن ياسر عرفات على الملأ جهاراً نهاراً من توبة ‏وتعهد “بالتخلي عن الإرهاب”، بدون أن يقابل ذلك بأي نزوع إسرائيل، ناهيك ‏عن التعهد، بتقليص العنف “الدفاعي” الهائل وغير المتكافئ من جانبها. ‏

بالإضافة إلى ذلك، فقد اشتملت هذه الفترة على إبرام اتفاقيات أوسلو، ذلك الاختراق ‏الدبلوماسي الذي كان من المفروض أن يؤدي، عبر انسحاب إسرائيلي من ‏المناطق المحتلة، إلى تسوية نهائية للصراع تقوم على حل الدولتين. ‏

ولكن ما كان لتلك التسوية أن تتحقق وقد تحول المستوطنون إلى ممارسة العنف ‏والإرهاب، ضد الإسرائيليين الآخرين كما ضد الفلسطينيين، احتجاجاً على ‏التسوية أو سعياً لتقويضها – وكان من بين ما فعلوه اغتيال رابين، الذي أطلقوا ‏عليه لقب “خائن أوسلو”، كما أنه كان من بينها ما فعله باروخ غولدستين، الطبيب ‏الإسرائيلي الأمريكي، الذي فتح نيران مدفعه الرشاش على المصلين المسلمين ‏داخل المسجد الإبراهيمي في الخليل فقتل تسعة وعشرين منهم. لم يترك تبجيل ‏الإسرائيليين له شيئاً، بما وصل إليه ذلك من انتشار وكثافة في طول البلاد ‏وعرضها، لذلك التوقير الذي يضفيه الفلسطينيون بشكل راسخ على إرهابييهم ‏هم وعلى “شهدائهم”. ‏

اقرأ أيضا:ما الذي سيغيره اعتراف النرويج وإسبانيا وأيرلندا بفلسطين؟وشهدت تلك الفترة كذلك صعود حركة حماس، الخصم الإسلامي المنافس لحركة ‏فتح التي لم تعد تمارس العنف. كما أنها شهدت اندلاع أول موجة كبيرة من ‏التفجيرات الانتحارية التي غدت واحداً من الاختصاصات المريعة للحركة. ‏وشهدت تلك الفترة أيضاً اندلاع الانتفاضة الثانية التي اتسمت بالعنف الذي لم ‏يدخر آرييل شارون، الذي تجسد فيها العنف الإسرائيلي المتطرف، وسعاً في ‏استفزازه عن عمد وسبق إصرار حتى يتمكن من سحقه سحقاً مبرماً – وبذلك ‏يتمكن من القضاء على كل فرص السلام الذي بشرت به اتفاقيات أوسلو. ‏

التجديد الثالث: 2003-2023‏

افتتح هذا التجديد بأول عمل مذهل في تاريخ عنف إسرائيل، والمتمثل في حمل ‏الآخرين على القيام بما ليست هي أهلاً للقيام به بنفسها، وكان ذلك العمل هو ‏حرب العراق. ‏

لم يشارك جندي إسرائيلي واحد في تلك الحرب، ومع ذلك فقد كانت إلى حد ‏كبير، بل وبشكل رئيسي، بالنيابة عن إسرائيل، إن لم يكن بتخويل مباشر من ‏قبلها، وذلك حينما قامت الولايات المتحدة (ومعها حليفتها بريطانيا) في شهر ‏مارس (آذار) من عام 2003 بغزو واحتلال أرض عربية عتيقة، وذلك من أجل ‏الإطاحة بالنظام الحاكم فيها آنذاك وتنصيب نظام جديد تماماً مكانه، من ‏المفترض أن يكون مواليا للولايات المتحدة، بل وربما مواليا لإسرائيل ‏نفسها. ‏

لربما كان ذلك مثلاً خارقاً للعادة للدلالة على موقف واشنطن التاريخي الداعم ‏لإسرائيل بشكل يكاد يقترب من الخنوع لها، لدرجة أن الإسرائيليين يعتبرون ‏ذلك الدعم واحداً من ركنين اثنين أساسيين لابد لهما من أجل بقاء بلدهم على قيد ‏الحياة وضمان مستقبلها في بيئة الشرق الأوسط المعادية، والتي هي من صنع ‏يديها. وأما الركن الآخر، فهو بالطبع ذراع إسرائيل اليمني القوية للغاية – والتي ‏هي موضوع هذا الكتاب. ‏

لقد عادت حرب العراق بالكارثة على جميع المشاركين فيها، بنسب متفاوتة، ‏ولكن ليس بالنسبة لإسرائيل، التي كم أمتعها أن ترى تحطيم دولة عربية معادية ‏وذات قوة كامنة. كما لم تكن كارثية بالنسبة لإيران، ذلك العملاق الآخر من ‏أعداء إسرائيل “في أقصى الأرض”. والآن تحيك إسرائيل المؤامرات، ولسوف ‏تستمر على ذلك لسنين عديدة قادمة، من أجل ضمان أن تتوجه الولايات المتحدة ‏نحو حرب مع إيران في حالة ما لو اقتربت من حيازة أسلحة نووية تمكنها من ‏تحدي ما لديها هي من ترسانة أسلحة نووية ضخمة، كانت هي نفسها قد حازت ‏عليها بطرق غير مشروعة وعبر الاحتيال. ‏

أما بالنسبة لأعداء إسرائيل الآخرين “في أدنى الأرض” على مدى ما يزيد عن ‏عشرين سنة قادمة، فقد واجه أحد أقوى جيوش الأرض قاطبة بعضاً من ‏المتاعب في التعامل مع هؤلاء. يتكون هؤلاء من حفنة من الكيانات غير التابعة ‏للدولة، وأبرزهم حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني المدعوم من قبل ‏إيران، وكلاهما يتبنيان “المقاومة” ضد الدخيل الصهيوني، وهي المقاومة التي ‏تخلت عنها جميع الدول العربية، بما في ذلك حركة فتح برئاسة ياسر عرفات. ‏

بالإضافة إلى الحرب “الكبيرة” التي شنتها إسرائيل ضد حزب الله في عام ‏‏2006، قامت كذلك بشن سلسلة لانهائية من الحروب “الصغيرة” على قطاع ‏غزة، معقل حركة حماس، وأطلقت على هذه الحروب مصطلح “تهذيب المساحة ‏الخضراء” أو “قص العشب”، وكأنما الحرب مهمة روتينية لا تنقضي أبداً، وكما ‏لو أنه لا يمكن لأمة من الأمم، على الأقل طبقاً لما صرح به نتنياهو، أطول من ‏أمضى زمناً في منصب رئيس الوزراء في إسرائيل، إلا أن تعيش إلى الأبد بحد ‏السيف. ‏

ومن يعيشون بحد السيف لا مفر، كما تقضي بذلك القاعدة المفترضة، من أن ‏يموتوا بحد السيف. وهذا هو المصير الذي آل إليه أمر الصليبيين الذين سبقوا ‏الإسرائيليين إلى هذه الأرض في القرن الحادي عشر الميلادي. ولا يخفى على ‏مراقب ذلك التشابه الكبير بين المغامرة الملحمية التي خاضتها المسيحية في ‏القرون الوسطى وتلك التي تخوضها الصهيونية في يومنا هذا: ليس فقط من ‏حيث الطبيعة التكوينية والأهداف والوسائل المستخدمة لتحقيقها، بل وكذلك من ‏حيث ما آلت إليه في واقع الأمر صراعاتهم مع دول وشعوب هذه المنطقة. ‏

‏”القلق الصليبي”‏

في العموم، يرفض الإسرائيليون بسخط التهمة السائدة الموجهة إليهم في مختلف ‏أرجاء العالم العربي والإسلامي، ومفادها أنهم صليبيو هذا الزمن. ولكنهم إذ ‏يرفضون التهمة، فإنما يفعلون ذلك انطلاقاً من اعتبارات معنوية فقط لا غير، ‏باعتبار أن قضيتهم، أي عودة الشعب المنفي والمنكل به إلى وطنه التاريخي، لا ‏يمكن بحال مقارنتها بالغزو الإمبريالي للمتشددين من أتباع الكنائس في القرون ‏الوسطى. ‏

ولكنهم، ولأسباب واضحة، يعيرون اهتماماً خاصاً بتاريخ الصليبيين وبتجربتهم، ‏ولا أدل على ذلك من أنهم أقاموا في إسرائيل مركزاً هاماً يختص بدراسة ‏الصليبيين. ما من شك في أن ما يطلق عليه العالم المختص ديفيد أوهانا مصطلح ‏‏”القلق الصليبي”، أو “التخوف المرضي الخفي” من أن “المشروع الصهيوني” ‏قد “ينتهي إلى دمار” شامل، تماماً كذلك الذي حصل مع الأسلاف الصليبيين، ‏غدا جزءاً لا يتجزأ من الحالة النفسية الإسرائيلية – أو على أقل من الحالة ‏النفسية لأولئك الذين لديهم وعي كامل بهذه التطابقات التاريخية الخطيرة. كما ‏يشير إلى أن آفاق القنبلة النووية الإيرانية لا تفعل شيئاً إزاء التهدئة من هذه ‏المخاوف. ‏

من ضمن تلك التشابهات، لا أقل من حيث الأهمية المبدئية لدى الصليبيين ‏والصهاينة على حد سواء من ذلكما العاملين الأساسيين المذكورين آنفاً: تحقق ‏المهارة العسكرية العالية وضمان الدعم من القوى الأجنبية.  ‏

في حالة الصليبيين، وطوال مائة واثنين وتسعين عاماً قضوها في الأرض ‏المقدسة، كان الدعم يأتيهم بشكل رئيسي على هيئة ما يبدو أنه موارد لا تنضب ‏من الصليبيين الجدد يقودهم الملوك والأمراء وكبار النبلاء في أوروبا الإقطاعية. ‏وفي حالة الإسرائيليين، يأتي الدعم بشكل رئيسي من النعم – على شكل ‏مساعدات عسكرية سنوية تصل إلى ما يقرب من ثلث ما تقدمه واشنطن من ‏مساعدات إلى العالم قاطبة وعلى هيئة دبلوماسية متحزبة بالغة السرف – التي ‏تغدقها عليهم القوة العظمى الأمريكية. ‏

لقد كان التراجع فيما كان يرد من دعم خارجي وليس فقدان المهارة العسكرية ‏هو ما أدى في نهاية المطاف إلى سقوط الصليبيين. ‏

ويمكن أن يحصل الشيء نفسه مع الإسرائيليين كذلك. ‏

ولكن المفارقة، وعلى النقيض مما آل إليه الأمر في حال الصليبيين، ما قد ‏يتسبب في سقوط الإسرائيليين هو ما يمارسونه من عنف. فعلى سبيل المثال، ‏كلما خرج الجيش الإسرائيلي يريد “قص العشب” في غزة، فإنه يثير الاشمئزاز ‏والسخط في أرجاء العالم بسبب ما يتكون منه ذلك العشب – فعملية القص لا ‏تستهدف أبداً “الإرهابيين” الفلسطينيين، وإنما تستهدف رجالاً من غير ‏المحاربين ونساءً وأطفالاً، يتعرضون للدفن تحت أنقاض بيوتهم التي تحولت إلى ‏رماد. ‏

وهذا فقط هو واحد من الأشياء الأكثر صدماً للناس، وبشكل دوري. وثمة أمور ‏أخرى تدفع الناس بشكل متزايد نحو الارتياب في نزاهة الدولة اليهودية، بل ‏وحتى التساؤل حول مدى شرعيتها. ‏

الخاتمة

‏”لن يسمح بمس شعرة واحدة في رأس أي منهم.” ‏

هذا ما قاله حاييم وايزمان، رجل الدولة العظيم في الصهيونية المبكرة، وذلك ‏على أثر ما أحرزه من نصر دبلوماسي، على هيئة وعد بلفور، الذي كان قد ‏حصل عليه من حكومة بريطانيا العظمى في نوفمبر (تشرين الثاني) 1917. ‏كان حينها يتحدث عن السكان العرب في فلسطين، والذين على أراضيهم أقيم ‏‏”الوطن القومي للشعب اليهودي” بدون “إجحاف” إزاء تلك “المجتمعات غير ‏اليهودية.” ‏

وكان “على ثقة تامة”، كما قال فيما بعد، من أن “العالم سوف يحكم على الدولة ‏اليهودية بناء على ما سوف تفعله مع العرب.” ‏

ولكن الملاحظ هنا أنه في خطابه أمام مؤتمر باريس للسلام ما بعد الحرب في ‏عام 1919 لم يشرح كيف يمكن بالضبط لعملية تحويل فلسطين إلى دولة ‏‏”يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية” – بحسب وصفه للمشروع الصهيوني – أن تتم ‏بدون إلحاق ضرر بشعرة واحدة في رأس أي واحد من الفلسطينيين. ‏

أحد الحضور في المؤتمر، ممن كانوا أكثر شهرة وأعلى تأهيلاً، ما كان ذلك ‏ليحوز إعجابه. إنه العقيد تي إي لورانس، الشهير باسم لورانس العرب، ‏والذي تكهن بعد أن التقى بوايزمان وجهاً لوجه، بأن ما كان يسعى إليه في ‏الحقيقة هو “فلسطين يهودية بالكامل” خلال خمسين عاماً – والتي ما لبثت أن ‏تحققت له بعد ثلاثين عاماً فقط بفضل ما قدمته له المحرقة من عون. ‏

لا مفر بذلك إذن من أن يكون أي تاريخ موضوعي للصهيونية تاريخاً أيضاً لذلك ‏الضرر الهائل الذي وقع – على نفس خطى الصليبيين بالضبط تقريباً – وحل ‏ليس فقط بسكان فلسطين وإنما أيضاً بالشعوب والدول الأخرى في المنطقة. ‏

ولكن، وكما حصل، وعلى النقيض من توقعات وايزمان، لم “يحكم” العالم على ‏إسرائيل، ناهيك عن أن يعاقبها، أو لنقل تلك الأجزاء منه، بشكل أساسي ‏الولايات المتحدة والغرب، التي يعتبر حكمها مهماً. ‏

الخطيئة الأصلية

خذ بالاعتبار أفعال إسرائيل الأولى، في مرحلتها التكوينية الأهم، والمشابهة في ‏مدى إهلاكها وشناعتها لما صدر عن الصليبيين من أفعال – أو ما يمكن أن ‏يوصف بأنه “خطيئتها الأصلية”، والتي يعود الفضل في وجودها اليوم إليها. ‏

وفي عام 1099، قامت مملكة القدس المسيحية على أنقاض ما نجم عن واحدة من ‏‏”أعظم الجرائم في التاريخ”، تلك المذبحة التي ارتكبت بحق جميع سكان المدينة ‏المقدسة من مسلمين ويهود. بعد ثمانية قرون ونصف، في الفترة من عام 1947 ‏إلى عام 1948، ولدت إسرائيل من خلال “جريمة ضد الإنسانية” تشبه ذلك من ‏حيث الجسامة والفظاعة. أو، لنقل على الأقل إنه لو كانت مادة القانون الدولي ‏الخاصة بذلك الجرم مفعلة آنذاك، ولو كان يتوفر لدى أحد الإرادة للمطالبة ‏بتطبيقها، لكان مؤكداً أن النكبة الفلسطينية – التطهير العرقي والطرد، باستخدام ‏القوة والإرهاب وكثير من الفظائع التي مورست ضد تلك “المجتمعات غير ‏اليهودية” – كانت ستعتبر جريمة ضد الإنسانية بالفعل. ‏

لم يكن ثمة وجود لمثل هذه الإرادة، على الأقل ليس لدى الجماهير الغربية، ‏ناهيك عن أن تكون موجودة لدى حكوماتهم، وبالذات حكومة واشنطن. ففي ‏الولايات المتحدة كان التعاطف مع اليهود الإسرائيليين في أوجه، في خضم ‏الاحتفال بتحقق “الحلم النبيل” (كما سماه ذات يوم أبراهام لينكولن). ‏

وهناك أيضاً، كان السياسيون والصحفيون والأكاديميون يجازفون بالتعرض ‏للعقوبة، وأحياناً بأن يحل عليهم سخط مؤسسة مهيبة مروعة، هي اللوبي ‏الإسرائيلي، فيما لو شذوا عن النهج المتوافق عليه والذي غدا بمثابة المقدس. من ‏الذين جازفوا، وكادت تصلب عقاباً لها على ذلك، دوروثي تومسون، والتي ربما ‏كانت أشهر صحفية والأكثر إثارة للإعجاب في زمنها، والتي قالت عن الدولة ‏حديثة الولادة إنها “وصفة لحرب مستدامة.” ‏

وهكذا أثبت الإسرائيليون أنهم مثل الصليبيين تماماً. لقد أمضى فرسان مسيحية ‏القرون الوسطى 192 سنة وهم يخوضون باستمرار المعركة تلو الأخرى مع ‏هذه أو مع تلك المملكة أو السلطنة في الشرق الأوسط العربي المسلم، والذي كان ‏حينذاك كما هو اليوم يعاني من التمزق والشقاق الداخلي، إلى أن فقد الصليبيون ‏الدعم الغربي فانتهى بهم الأمر وقد ألقي بهم حرفياً إلى البحر. ‏

وكذلك تماماً كان ديدن الإسرائيليين، الذين يخوضون منذ خمسة وسبعين عاماً ‏وحتى الآن ما تطلق عليه عقيدتهم العسكرية الرسمية “الحروب” أو وهم يشنون ‏‏”الحملات ما بين الحروب.” ‏

الغزو والتوسع

بادئ ذي بدء – بالنسبة للصليبيين والإسرائيليين على حد سواء – كانت مثل ‏تلك الحروب حروباً غايتها الغزو أو التوسع. ‏

ما أن تُوج بالدوين دو بويلون أول ملك على القدس، في يوم عيد الميلاد من عام ‏‏1100 ميلادية، حتى انطلق في حملة لتوسيع رقعة مملكته الصغيرة – والتي ‏شملت في نهاية المطاف كل فلسطين كما نعرفها اليوم وأجزاء من سوريا ‏والأردن ولبنان، كذلك، والتي أحاطت نفسها بتحصينات أمامية منيعة ‏وبمستوطنات عسكرية زراعية، ما أشبهها اليوم بالجدران الحدودية الضخمة ‏التي تشيدها إسرائيل وما فتئت على إقامته من قرى (كيبوتسات) زراعية ‏وقتالية. ‏

كان ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء في إسرائيل، عازماً على التوسع ‏أيضاً. وهو توسع ينبغي إنجازه، كما قال ذات مرة، ليس عبر “التجمل ‏بالأخلاق” أو من خلال “الخطب التي تلقى من على جبل الهيكل” وإنما بواسطة ‏‏”المدفع الآلي الذي سوف نحتاج إليه.” ‏

ولكن بخلاف ما كان يمارسه أسلافه، الذين لم يعرفوا أي شيء من تلك اللطائف ‏مثل قواعد وأخلاق الحرب، لم يكن بوسعه ممارسة الغزو والتوسع في البلدان ‏المجاورة كما يريد. فهو ينتسب إلى أمة “تحب السلام”، حصلت لتوها، رغم ما ‏وقع حينها من جدل وخلاف حول ذلك، على عضوية الأمم المتحدة، متعهدة ‏بالالتزام بميثاقها. ‏

ولا كان ذلك متوقعاً من دولة ديمقراطية على درجة عالية من التفوق الأخلاقي، ‏تعتبر نفسها “نوراً يضيء على الأمم”، والتي قال بن غوريون مخاطباً العالم إنه ‏يعمل في بنائها، وهي التي استقبلها معظم العالم، وبشكل خاص الليبراليون ‏واليساريون فيه، بكثير من الترحيب والتعاطف، على اعتبار أنها، نموذج للمثل ‏الاشتراكية “الملهمة” والتي يحتل الكيبوتس القلب منها. ‏

كان بن غوريون ومن جاءوا من بعده يتوقون لأن يبادرهم الآخرون بهجوم. في ‏هذه الأثناء، كل ما كان بإمكانهم فعله هو الانتظار وتحين الفرص – أو السعي ‏لاصطناعها – من أجل مباغتة هؤلاء الآخرين بهجوم، وهي فرص بالغة ‏الأهمية من حيث أنها تمكنهم من شن الهجوم مستترين بغطاء شرعي من ‏‏”الدفاع عن الذات.” ‏

وحانت الفرصة المواتية أخيراً في شهر يونيو (حزيران) من عام 1967، ‏عندما بدأت الجيوش العربية، رداً على تحرشات واستفزازات من قبلها، بالسير ‏نحو إسرائيل، وذلك في خضم صخب أحمق ومخيف من الخطاب الحربي. ‏للوهلة الأولى ارتعد العالم خوفاً على إسرائيل، متسائلاً: هل سنشهد فيها محرقة ‏ثانية بعد مرور خمسة وعشرين عاماً فقط على المحرقة الأولى؟

هذا محال بالطبع. فكما كان مستشرفاً، وكما تم الإعداد له منذ وقت طويل، ‏انبرى للتعامل مع ذلك بشكل مباشر موشيه دايان، الجنرال الأيقوني الأعور، ‏وغيره من حواريي المعلم. فقد أنجزوا في حرب الأيام الستة في يونيو ‏‏(حزيران) 1967، بضربة واحدة، أهدافاً مماثلة تماماً، من الناحية الاستراتيجية ‏والتوسعية، لتلك التي استغرق إنجازها عشرين عاماً على يد الملك بالدوين قبل ‏ذلك بثمانية قرون – أضف إلى ذلك احتلال سيناء بأكملها. كما أنهم نفذوا نكبة ‏مصغرة، بما تحقق لهم من موجة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين.  ‏

وحتى هنا لم يصدر العالم حكمه على إسرائيل. بل على العكس، ارتقت بذلك، ‏‏”محبوبة الغرب المدللة”، إلى مستويات رفيعة غير مسبوقة من المكانة والشعبية. ‏

الحكم على المشروع الصهيوني

بالعودة إلى أوجه التشابه مع الصليبيين، وجد الإسرائيليون أنفسهم يسوسون ‏سكان البلاد الأصليين، والمكونين ممن لم يقتلوهم ولم يطردوهم، وإذا بهم ‏يكافئونهم تعداداً. ‏

قلما يخفق مؤرخو الحقبة الصليبية في الاقتباس من الرحالة المسلم ابن جبير في ‏القرن الثاني عشر، وبشكل خاص توصيفه للمجتمع المسلم الذي “ينوح بسبب ‏ظلم صاحب الأرض من نفس دينهم بينما يشيدون بسلوك خصمه وعدوه، ‏صاحب الأرض من الفرنجة، الذي تعودوا منه أن يعاملهم بالعدل.”‏

لعل هذا هو الدليل القوي المتبقي من شهادة من رأى رأي العين أنه مهما كان ‏الصليبيون همجاً ومتوحشين في المعركة، إلا أنهم ربما لم يكونوا سيئين إطلاقاً ‏في الحكم – أو على الأقل في ما يتعلق بابتعادهم عن إنفاذ أعراف ذلك الوقت. ‏

هل يمكن أن يقال نفس الشيء، أو أفضل منه، عن الإسرائيليين إزاء غزوهم ‏واحتلالهم للضفة الغربية وقطاع غزة في الزمن الحاضر؟ من الناحية ‏الموضوعية، لا يمكن ذلك. ولكن هكذا كان الانطباع العام، لأن الإسرائيليين، ‏من طرفهم، ما فتئوا يصرون على أن احتلالهم كان “أرحم احتلال في التاريخ”، ‏وهو الزعم الذي لم يخطر ببال العالم المستهتر التحقق منه. ‏

فمتى كانت المرة الأولى التي يضع العالم فيها المشروع الصهيوني على المحك ‏ويحكم عليه بعد أن احتضنه وتقبله بلا نقد أو مساءلة زمناً طويلاً؟ كما تنبأ ‏وايزمان، جاءت اللحظة التي حكم العالم فيها على المشروع، حتى وإن جاءت ‏بعد عقود من إشارة وايزمان إلى ذلك. ‏

جاءت أخيراً ضمن سياق الصفة التي يشبه فيها المشروع الحملات الصليبية إلى ‏حد التطابق، ألا وهي صفة العنف الأبدي. ‏

لطالما خدم إسرائيل وعزز موقفها في عيون الجمهور الغربي قيامها بتسويق ‏عنفها مقابل عنف الفلسطينيين باعتباره مكافئاً للخير في مقابل الشر المحض. ‏

فالإرهابيون الفلسطينيون بكل بساطة ما هم سوى “متطرفون قتلة كل همهم هو ‏قتل اليهود”، بينما الجيش الإسرائيلي – الذي أطلق على نفسه فيما بعد عبارة ‏‏”أكثر جيش أخلاقي في العالم” – يتفوق على كل من سواه من الجيوش بما يبديه ‏من احترام لحياة المدنيين الأبرياء ومن حرص عليها. ‏

ولكن أثناء غزو لبنان في عام 1982، لم يلبث أن مزق هذا الزعم المهترئ فلم ‏يبق منه ولم يذر. عندما أطلق آرييل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك، ‏ميليشيات الكتائب المسيحية في البلد على مخيمات اللاجئين في صبرا وشاتيلا، ‏لم يكن فقط يعرف تماماً ما الذي ستفعله هناك، بل رفض التماسات بوقف ‏المليشيات صادرة عن الدبلوماسيين الأمريكيين، الذين من الواضح أنهم عرفوا ‏كذلك، ولم يأبه لهم إلى أن تم الانتهاء من مهمة الإبادة الجماعية. ‏

خيبة الأمل الغربية

كانت ردة فعل العالم كله تقريباً معبرة عن الصدمة، وإن بدرجات متباينة. أو ‏كما عبر عن ذلك أستاذ جامعي إسرائيلي في الثمانين من عمره بأسى وحزن، ‏حين رأي فيما حدث نسخة طبق الأصل مما جرى في غيتو بابي يار الذي ‏‏”أرسل النازيون إليه الأوكرانيين ليقوموا بذبح اليهود.” وحينها قال مراسل ‏صحيفة ذي جيروزاليم بوست في واشنطن إن إسرائيل لم تأت بفعل أضرت به ‏نفسها أكبر من ذلك، وخاصة في الولايات المتحدة، حليفها والمنعم المتفضل ‏عليها فوق العادة. ‏

صبرا وشاتيلا، وكل المغامرة العسكرية الفاشلة في لبنان – ما بات يعرف ‏بفيتنام إسرائيل، والذي كانت مذبحة صبرا وشاتيلا ذروته الفظيعة – كان أول ‏لوحة تشير نحو ما غدا تحولاً طويلاً وبطيئاً في الموقف الغربي الذي بات يشعر ‏بخيبة الأمل إزاء “إسرائيل الجميلة” التي كان يتغزل بها بالأمس. ‏

وهذا ما أوقع إسرائيل أخيراً في الخطر في عملية مشابهة لتلك التي جرت في ‏أنحاء أوروبا المسيحية في العصور الوسطى ونجم عنها إيقاع مملكة القدس ‏المسيحية في الخطر وانتهى بتفكيكها. ‏

في بداية الأمر، كانت البابوية، وهي أقرب ما يكون إلى القوة العظمى في ‏زمنها، تعظ الناس بالانخراط في الحرب المقدسة لتحرير الأرض المقدسة من ‏حكم المسلمين الكفار، ثم بعد ذلك، وعلى مدى ما يقرب من قرنين من الزمن، ‏رعت أو ألهمت الحملة تلو الحملة من أجل تحقيق تلك الغاية. ‏

رغم أن الصهيونية، على النقيض من الصليبية، كانت ذاتية التولد في أصلها، إلا ‏أن القوى الكبرى في ذلك الوقت، أولاً بريطانيا ثم بعد ذلك الولايات المتحدة، ‏هي التي مكنتها من أن تنغرس في أرض الآخرين، وهي التي مكنتها من النمو ‏فيما بعد مروراً بمرحلة النضج ثم البقاء على قيد الحياة وسط بيئة معادية، هي ‏أصلاً من صنيع يديها. ‏

لم يكن لأسباب أخلاقية، ولا من باب السخط أو الشعور بالأسى والأسف على ‏السلوك غير المسيحي الذي كان يمارسه جنود المسيح التابعين لها، أن البابوية ‏أخيراً سئمت وتخلت عن المشروع المهدوي بأسره. يبدو أنها لم تنزعج كثيراً، ‏بل ربما لم يزعجها إطلاقاً، ارتكاب تلك الفظائع التي افتتح بها المشروع، أي ‏الإبادة الجماعية في القدس – أو ما ارتكب فيما بعد من فظائع أقل، مثل ‏الإعدامات الجماعية التي نفذها ريتشارد قلب الأسد بحق ما يقرب من 2700 ‏أسير مسلم. كل ما هنالك هو أنها ببساطة كانت توجه اهتمامها نحو مشاغل ‏وهموم أكثر إلحاحاً وأقرب إلى الوطن. ‏

بكل أمانة، ما كان عالم القرن العشرين، بما فيه من قيم القرن العشرين، لينزعج ‏بما ارتكبه خلفاء الصليبيين في القرن العشرين، ومازالوا يرتكبونه، من فظائع ‏مشابهة، وإن لم تكن بنفس الدرجة من القبح، ضمن سعيهم لتحقيق حلمهم ‏المشابه لحلم أسلافهم. ‏

لقد ظلت إسرائيل تحظى بالاحترام والالتزام والاعتناء الشديد من قبل كثير من ‏الأوساط، وبشكل خاص الحكومية والرسمية منها. أما في أوساط كثيرة أخرى، ‏وداخل المجتمع الواسع، فما فتئت تلك المشاعر تتحول تدريجياً إلى نقيضها، إلى ‏الانتقاد والتوبيخ أو حتى التنديد الصريح، وإلى مطالبات بإجراءات تأديبية، مثل ‏العقوبات، وحظر السلاح، والمقاطعة الاقتصادية، وهي الإجراءات التي أسقطت ‏نظام الفصل العنصري (الأبرتايد) في جنوب أفريقيا. ‏

العيش بحد السيف

جمع الإسرائيليون كل هذه الإجراءات ووضعوها تحت عنوان واحد وهو “نزع ‏الشرعية”. بالنسبة لهم، يرقى نزع الشرعية في نهاية المطاف إلى التهديد ‏الوجودي – وهو ليس أقل خطراً، طبقاً لما صرح به نتنياهو، من تسلح إيران ‏نووياً أو من صواريخ حماس وحزب الله. ‏

لماذا؟ لأنه لو كان مكتوباً على إسرائيل كدولة أن تعيش بحد السيف، كما تحدث ‏عن ذلك نتنياهو، فإنها لن تتمكن من تصميم ذلك السيف ولا الحفاظ عليه ‏وإشهاره بفعالية بدون دعم ورضا واشنطن والغرب، تماماً كما أن الصليبيين لم ‏يكن بوسعهم فعل ذلك بدون دعم ورضا البابوية والعالم المسيحي في القرون ‏الوسطى. ‏

ومن هنا فقد ألزمت الولايات المتحدة، بالقانون، بالاستمرار في تزويد إسرائيل ‏بكل “وسائل التفوق العسكري الممكنة” حتى تتمكن من “دحر أي تهديد عسكري ‏يأتيها من أي دولة بعينها أو ائتلاف محتمل بين مجموعة من الدول.” ‏

الأسلحة نفسها أمر واحد فقط، وهناك أمر آخر ألا وهو الطريقة التي تستخدم بها ‏إسرائيل تلك الأسلحة، وضمان أنه مهما كان هذا الاستخدام محرماً من حيث ‏الغاية أو إجرامياً من حيث التنفيذ، فإنه يمكن باستمرار الاعتماد على الولايات ‏المتحدة دعماً أو إقراراً. ‏

ومن هنا يأتي إشهار واشنطن بشكل تلقائي وآلي لسيف الفيتو في وجه أي ‏مشروع قرار، وهو الأمر الذي تكرر عشرات المرات عبر السنين، حتى ضد ‏القرارات التي تضمنت نقداً خفيفاً لإسرائيل في الأمم المتحدة – وهو نفس الكيان ‏الذي تدين له بالفضل، في حالة تكاد تكون فريدة بين الأمم، على إيجادها في ‏المقام الأول – ومعه بالطبع “الشرعية” التي يسعى العالم الآن إلى نزعها عنها ‏كما تخشى. ‏

ما من شك في أنها سوف تستمر في فعل ذلك بوتيرة متنامية على الدوام. ففي ‏كل مرة يقوم فيها “الجيش الأسمى أخلاقاً في العالم بدفن النساء والأطفال – ‏أحياناً رفقة “إرهابي” أو اثنين – تحت البيوت في غزة، وفي كل مرة يصرح ‏سياسي رفيع المستوى أو حاخام بعبارات عنصرية مذهلة أو بعبارات يتجمد لها ‏الدم في العروق حول العرب أو الفلسطينيين، وفي كل مرة ينطلق فيها ‏المستوطنون المتدينون ليرتكبوا “مقتلة”، أو ليشنوا حملة لاجتثاث أشجار ‏الزيتون، أو في محاولة لإشعال النار ببلدة عربية بأسرها، بينما يؤدون الصلاة ‏وهم على ذلك، فإن الضغط يزيد. ‏

وبالفعل، فإنه في كل مرة يصعد متطرف ديني أو قومي إلى الحرم الشريف، المكان ‏الذي يوجد فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ويلقي خطبة نارية حول ابتعاث ‏الهيكل اليهودي القديم مكانهما – في كل مرة يحدث مثل هذا الأمر، ويسمع العالم ‏عن ذلك، فإن “الدولة اليهودية والديمقراطية” تفقد قدراً إضافياً من شرعيتها. ‏

من الواضح أن أقرب أصدقائها يبادرون بتحذيرها، فهذا الكيان “المحبب والمدلل ‏لدى الغرب” يجازف بالتحول إلى كيان “منبوذ” في مصاف دول مثل عدوه ‏اللدود، الجمهورية الإسلامية في إيران. ‏

‏”قيم مشتركة”‏

فيما عدا استثناءات ملحوظة، ذلك ما كانت عليه الأمور وسط جل الجماهير ‏الغربية مطلع عشرينيات هذا القرن. كان ذلك مقلقاً، وما يقلق أكثر هو احتمال ‏أن الحكومات الغربية، ولكونها حكومات ديمقراطية، من المؤكد أنها عاجلاً أم ‏آجلاً سوف تتجاوب مع رغبات جماهيرها وستفعل ما فيه استرضاء لها. ‏

صحيح أنه ما زال لا يوجد الكثير من المؤشرات التي تنذر بذلك، ولا يوجد بتاتاً ‏ما يشير إلى ذلك داخل أمريكا. بل لقد سارعت الإدارات المتعاقبة، دونما أدنى ‏تأثر بالمطالبات المتكررة بنزع الشرعية، إلى الانضمام إلى إسرائيل في القتال ‏ضد ذلك. ‏

في شهر يوليو (تموز) 2022، ومن داخل القدس نفسها، تعهد الرئيس الأمريكي ‏جو بايدن “بمحاربة جميع الجهود التي تبذل لنزع الشرعية عن إسرائيل”، ‏باعتبار ما بين البلدين من “قيم مشتركة” وباعتبار ما يشتركان فيه من “التزام ‏ثابت لا يتزعزع بالديمقراطية.” ‏

مجرد وصف إسرائيل بأنها بلد ديمقراطي أمر يخضع للجدل. وذلك أن ‏الديمقراطية الحقيقية تضم في العادة جميع سكان الأراضي التي تتكون منها ‏الدولة، أو – كما في هذه الحالة – تزعم الدولة أنها أراضيها. ‏

إلا أن “ديمقراطية” إسرائيل لا تسع بأي شكل من الأشكال الأغلبية العظمى من ‏الفلسطينيين، سكان المناطق المحتلة، وهي المناطق التي تحكمها إسرائيل منذ ما ‏يزيد عن نصف قرن، بينما تمارس التمييز ضد الأقلية الفلسطينية الذين يسكنون ‏داخل أراضي إسرائيل نفسها. ‏

لك أن تتخيل مدى الإحراج والذعر الذي شعرت به واشنطن عندما قرر نتنياهو ‏فقط بعد بضعة شهور من إعلان بايدن في القدس المضي قدماً في مشروع ‏‏”الإصلاحات القضائية” التي سوف تقوض أكثر فأكثر من النظام الديمقراطي ‏الذي تحوم حوله الشبهات، بل وقد تقضي عليه قضاء مبرماً. ‏

صحيح أن تلك “القيم المشتركة” المفترضة لم تكن السبب الحقيقي، أو على الأقل ‏السبب الرئيسي، الذي من أجله تبالغ واشنطن في إغداق الدلال على “البلد ‏المفضل لديها”. إن ذلك، كما عبرت عنه بإيجاز بليغ إلهان عمر، عضو ‏الكونغرس المسلمة من أصول صومالية من ولاية مينيسوتا، هو “البنياميون، يا ‏حبيبي.” ‏

كانت إلهان عمر تشير بذلك إلى ورقة المائة دولار الأمريكية التي تظهر عليها ‏صورة بنيامين فرانكلين، أحد “الآباء المؤسسين” للولايات المتحدة – كون ‏الدولارات هي “العملة” الرئيسية، حرفياً ومجازياً، التي تغدق بإسراف من قبل ‏اللوبي وأصدقائه الأثرياء جداً في شراء ذمم أصحاب النفوذ داخل واشنطن ‏بالنيابة عن إسرائيل. ‏

أياً كان السبب، ليس لذلك قيمة كبيرة. الشيء الغريب في هذا الأمر هو أنه من ‏خلال نوبة تحطيم الديمقراطية هذه، فإن ما يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي ‏فعلياً هو أنه يكاد يجرد الرئيس الأمريكي مما تبقى لديه مما يظهر أنه تبرير ‏مبدئي لتحيز بلاده – كما يراه العرب والفلسطينيون وهم محقون في ذلك – ‏تحيزاً سياسياً نفعياً غير مبدئي لصالح إسرائيل. ‏

وعلى أية حال، فسواء كانت إسرائيل ماتزال ديمقراطية بشكل أو بآخر أم لا، لم ‏يعد لذلك قيمة مقارنة، بطرق أخرى، بما هي عليه حقيقة، أو بما توشك أن ‏تصبح واقعاً. ‏

لقد كانت نظاماً عرقياً، طالما كانت شكلاً من أشكال الأبارتيد – كما شهد بذلك ‏زوار من جنوب أفريقيا، مثل كبير الأساقفة الراحل ديزموند توتو، المناضل ضد ‏الأبرتايد، الذي تحدث عن “أوجه التشابه الصارخة بشكل مؤلم مع بلدي الحبيب ‏جنوب أفريقيا” – لا يقل سوءاً إن لم يكن أسوأ مما كان ذات يوم نظاماً يحكم ‏بلادهم. ‏

كانت تنتحل بالتدريج صفات نظام الحكم الديني، حيث يحظى فيها الحاخامات – ‏من النوع الأكثر تعصباً ورجعية – بالنفوذ في إدارة شؤون البلد، كما يبدو ذلك ‏في عيون العلمانيين القلقين، الذين باتوا يشيرون إلى ما يجري بأنه تحول من ‏قبل إسرائيل إلى نمط مشابه للنظام في إيران، حيث بدأ البلد يبدو للناظر نسخة ‏يهودية من عالم يهيمن عليه آيات الله. ‏

لقد كانت دولة ومجتمعاً مختطفاً من قبل آلية ظلامية من صنع أياديهم، ‏مستوطنوها المتدينون – عبارة عن تجسد وحشي وغريب للتلاحم بين قومية ‏‏”الدم والتراب” التي تعود إلى القرن التاسع عشر، والتي كان أسلافهم العلمانيون ‏فيها راسخين، والمهدوية اليهودية الجديدة المتشددة التي صنعوها هم، والتي قد ‏تحتاج إلى حرب أهلية للسيطرة عليها. ‏

ونعم، من خلال تدينها المستفحل، صارت الدولة في الواقع تبدو أقرب إلى ‏الصليبيين أنفسهم، تسير على نهجهم ليس فقط من حيث الأسلوب – الحرب ‏المستمرة – بل وكذلك من حيث التطلعات، ومن بين هذه التطلعات يبرز واحد ‏أكثر من غيره باعتباره نموذج الشبه الأقرب على الإطلاق. ‏

بالنسبة لأولئك القدامى من “المحاربين في سبيل الإله”، كانت أسمى المهام ‏والأكثر قدسية من وجهة نظرهم هي استنقاذ كنيسة القيامة – الموقع الذي يعتقد ‏المسيحيون أن المسيح صلب فيه، وفيه دفن، ومنه بعث حياً من جديد – من ‏‏”إفساد” وإهمال المسلمين. ‏

على نفس النهج، بالنسبة لعدد غير معروف، ولكنه آخذ في النمو، من ‏الإسرائيليين الذين خلفوهم – ولا يقتصر ذلك على المتدينين منهم – لا تكتمل ‏العودة إلى صهيون إلا بقيام الهيكل الثالث، إلى جوار الأقصى وقبة الصخرة، أو ‏محلهما بدلاً منهما، هنا في ثالث أقدس بقعة عند المسلمين. ‏

فهل سيدرك العالم أخيراً عندما يفيق من غفوته ما الذي جلبه هؤلاء على ‏الأرض وعلى الناس في المنطقة بعد ثلاثة أرباع قرن من تلك اللحظة التي تنبأ ‏فيها وايزمان بأن العالم سوف يحكم على إسرائيل، وهل سوف ينأى بنفسه عن ‏الدولة أو يتبرأ منها، تاركاً إياها للمصير الذي باتت منكشفة عليه؟

في ضوء “القيم” الحديثة، سوف يكون لدى الولايات المتحدة والغرب من ‏المبررات ما هو أقوى مما كان لدى البابوية والعالم المسيحي في القرون ‏الوسطى حينما تخليا عن الصليبيين في ضوء ما كان لديهم آنذاك من قيم. ‏

إنه لأمر مستبعد بلا ريب. ولكن كلما أمعنت إسرائيل في “نزع الشرعية” عن ‏نفسها في عيون العالم – وهي تفعل ذلك في غزة الآن – كلما تضاءل ذلك ‏الاستبعاد، وكلما زادت إمكانية تحقق الكابوس الذي تحدث عنه أستاذ الحروب ‏الصليبية أوهانا، والذي توقع أن يكون مصيرها مشابهاً لمصير الصليبيين ‏أنفسهم. بالطبع لن يُلقى بها إلى البحر، ولكن، بطريقة أو بأخرى، سوف يتم ‏حسم المصير استراتيجياً أو عسكرياً أو دبلوماسياً. ‏

ميدل إيست آي
الثالث من يونيو (حزيران) 2024‏

عربي 21

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار