تصدعات في إدارة ترامب.. هيغسيث يطرد رئيس أركان القوات البرية الأمريكية
تزايد حجم الارتباك والتوتر داخل البنتاغون مع تعقد الحرب على إيران
كشفت إقالة رئيس أركان القوات البرية الأمريكية، الجنرال راندي جورج، عن تصدعات عميقة داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لحظة شديدة الحساسية تتزامن مع تصاعد الحرب الأمريكية على إيران، وما تفرضه من ضغوط عسكرية وسياسية واستراتيجية على دوائر القرار في واشنطن.
ففي خطوة تعكس حجم الارتباك والتوتر داخل البنتاغون، أقدم وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث على طرد جورج من منصبه، بعدما طلب منه تقديم استقالته والإحالة إلى التقاعد بشكل فوري، في قرار لا يمكن عزله عن مناخ الصراع الداخلي الذي يتسع داخل الإدارة الأمريكية بالتوازي مع تعقّد المواجهة مع إيران.
وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، شون بارنيل، خروج جورج من منصبه، قائلاً إن الوزارة “تعرب عن امتنانها للجنرال جورج على عقود من الخدمة لبلادنا”، في صياغة بروتوكولية حاولت التخفيف من وقع الإقالة، فيما كانت شبكة CBS أول من كشف الخبر، مشيرة إلى أن الجنرال أُبلغ بضرورة الاستقالة والتقاعد فورًا، وهو ما أكده لاحقًا مسؤول في وزارة الدفاع.
غير أن توقيت هذه الإقالة يمنحها أبعادًا تتجاوز مجرد إعادة ترتيب إداري داخل الجيش الأمريكي، إذ تأتي في وقت تواجه فيه إدارة ترامب تحديات غير مسبوقة نتيجة اتساع الحرب على إيران، وتصاعد الردود الإيرانية، وارتفاع كلفة العمليات العسكرية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وفي مثل هذا السياق، غالبًا ما تتحول الخلافات المهنية داخل المؤسسة العسكرية إلى صراعات على التقدير، وتحميل للمسؤوليات، ومحاولات لإعادة تشكيل مراكز النفوذ والقرار.
وكان الجنرال جورج، بصفته رئيسًا لأركان القوات البرية، يشغل موقعًا بالغ الحساسية في بنية القيادة العسكرية الأمريكية، لا سيما في ظل احتمال توسع المواجهة مع إيران إلى سيناريوهات تتطلب انخراطًا بريًا مباشرًا أو دعمًا ميدانيًا واسعًا في الإقليم. ولذلك، فإن إبعاده في هذا التوقيت يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الإقالة مرتبطة فقط باعتبارات شخصية وسياسية، أم أنها تعكس أيضًا خلافات أعمق حول إدارة الحرب، ومسارات التصعيد، وتقدير المخاطر المستقبلية.
وتشير المعطيات إلى أن جورج كان يعمل عن قرب مع وزير الجيش دان دريسكول، وهو مسؤول بارز مقرب من البيت الأبيض ويتمتع بحضور قوي داخل دوائر القرار، في وقت كان فيه هيغسيث ينظر إلى دريسكول بوصفه مصدر تهديد داخل المؤسسة، ما جعل العلاقة بين الطرفين مشوبة بالتوتر والاحتكاك. وفي ظل الحرب الجارية، يصبح هذا النوع من التنافس داخل البنتاغون أكثر خطورة، لأن الخلاف لا يعود متعلقًا فقط بالنفوذ الإداري، بل يمتد إلى من يملك التأثير على القرار العسكري في واحدة من أخطر المواجهات التي تخوضها واشنطن منذ سنوات.
وتندرج إقالة جورج ضمن سلسلة من الإطاحات التي نفذها هيغسيث بحق عدد من كبار الضباط منذ توليه المنصب، في ما يبدو أنه مسار منظم لإعادة تشكيل القيادة العسكرية الأمريكية على أسس الولاء السياسي والثقة الشخصية، أكثر من اعتماده على التراتبية المهنية التقليدية. وهذا المسار يكتسب دلالة أكبر في زمن الحرب، لأن أي تغيير في رأس الهرم القيادي لا يُقرأ بوصفه مجرد تعديل وظيفي، بل باعتباره مؤشرًا على خلل في الانسجام داخل القيادة العسكرية، أو على صراع بشأن اتجاه الحرب نفسها.
ويُعد راندي جورج من الضباط المهنيين المعروفين داخل الجيش الأمريكي، إذ تخرج في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت عام 1988، وتدرج في المناصب حتى تولى رئاسة أركان القوات البرية عام 2023. كما قاد الفيلق الأول في قاعدة لويس ماكورد المشتركة، وعمل لاحقًا مساعدًا عسكريًا أول لوزير الدفاع السابق لويد أوستن خلال إدارة جو بايدن.
ورغم أن منصب المساعد العسكري الأول لوزير الدفاع يُعد تقليديًا منصبًا مهنيًا غير سياسي، ويُمنح عادةً لأكثر الضباط كفاءة وخبرة، فإن قرب جورج من أوستن بدا، في نظر هيغسيث والمقربين منه، عبئًا سياسيًا أكثر منه مؤهلًا مهنيًا، خصوصًا في إدارة تتعامل مع مؤسسات الدولة — بما فيها المؤسسة العسكرية — بمنطق إعادة الفرز السياسي والولاء الشخصي.
وفي ضوء الحرب على إيران، تكتسب هذه الإقالة معنًى أكثر خطورة. فهي لا تعكس فقط صراعًا داخل البنتاغون، بل تكشف أيضًا أن إدارة ترامب، بدل أن تظهر كجبهة موحدة في لحظة حرب، تبدو من الداخل مثقلة بالشكوك، والانقسامات، والتنافسات الشخصية، وتصفية الحسابات المؤسسية. وهذا يعني أن الحرب على إيران لا تستنزف فقط الموارد والقوة العسكرية الأمريكية، بل بدأت أيضًا تفتح شقوقًا داخل بنية القرار الأمريكي نفسه.
وفي المحصلة، لا يمكن قراءة إبعاد الجنرال راندي جورج باعتباره حدثًا إداريًا منفصلًا، بل يجب فهمه في سياق أوسع: حرب تتعقد في الخارج، وإدارة تتشقق في الداخل، وبنتاغون يعيد ترتيب نفسه تحت ضغط المواجهة، والخوف، والصراع على من يقود المرحلة المقبلة.
المصدر: مواقع + وكالات