البابور الموقع العربي

حرب إيران تفجّر البنتاغون من الداخل

ترمب يفاقم أزمة القرار العسكري في واشطن

102

 

تحليل إخباري – البابور العربي 

تكشف استقالة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق جيمس ماتيس قبل سنوات، ثم إقالة رئيس أركان القوات البرية الأمريكية الجنرال راندي جورج اليوم، أن ما يجري داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إعادة ترتيب للمناصب أو تعديلات إدارية عابرة، بل هو تعبير عن أزمة أعمق تتصل بطريقة إدارة الحرب، وصناعة القرار العسكري، وبنية العلاقة المتوترة أصلًا بين البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية الأمريكية.

فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا تبدو فقط ساحة لاختبار القوة النارية الأمريكية والإسرائيلية، بل تكشف في الوقت نفسه عن هشاشة داخلية متزايدة داخل دوائر القرار في واشنطن. وإذا كانت صور القصف واستهداف البنى التحتية والتهديدات المتبادلة تُظهر للعالم اتساع التصعيد في الخارج، فإن ما يجري داخل الولايات المتحدة يكشف بعدًا آخر لا يقل خطورة: تصدعات تتسع داخل السلطة نفسها، في لحظة تتطلب أعلى درجات الانسجام الاستراتيجي والعسكري.

ومن هنا، لا يمكن النظر إلى إقالة الجنرال راندي جورج في هذا التوقيت بوصفها خطوة إدارية عادية. فرئيس أركان القوات البرية ليس موظفًا عسكريًا ثانويًا، بل أحد المفاصل الحساسة في بنية القرار العسكري الأمريكي، خصوصًا في مرحلة تتزايد فيها احتمالات توسع الحرب على إيران، أو انزلاقها إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا قد تستدعي أدوارًا ميدانية أوسع للقوات البرية. ولهذا، فإن الإطاحة به في ذروة الحرب توحي بأن الأمر يتجاوز الأداء الفردي أو الحسابات المهنية، ليصل إلى إعادة تشكيل مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

وفي المقابل، تعود استقالة جيمس ماتيس في ديسمبر/كانون الأول 2018 لتفرض نفسها من جديد على هذا المشهد، لأنها كانت واحدة من أوضح العلامات المبكرة على أن الخلل في علاقة ترمب بالمؤسسة العسكرية ليس جديدًا. فماتيس لم يغادر الإدارة بسبب تفصيل تكتيكي أو خلاف عابر، بل خرج بعد قرار ترمب سحب القوات الأمريكية من سوريا، في خطوة عُدّت آنذاك تعبيرًا واضحًا عن اعتراضه على طريقة إدارة الحرب والانسحاب والتحالفات. وقد لخّص ذلك بعبارته الشهيرة في رسالة الاستقالة، حين قال إن للرئيس الحق في تعيين وزير دفاع “تكون رؤاه أكثر اتساقًا مع رؤاكم”، وهي صياغة بدت في حينها أشبه بإقرار هادئ بأن الخلاف بينه وبين البيت الأبيض لم يكن على الوسائل فقط، بل على جوهر الرؤية الاستراتيجية نفسها.

وإذا كان ماتيس قد مثّل داخل الإدارة صوت المؤسسة العسكرية التقليدية، التي تنظر إلى الحروب بوصفها أدوات تحتاج إلى أهداف واضحة، وتحالفات متماسكة، وحسابات دقيقة لما بعد الضربة الأولى، فإن ترمب مثّل على الدوام نمطًا مختلفًا من القيادة؛ نمطًا يميل إلى القرار السريع، والرهان على الصدمة، والتعامل مع القوة العسكرية بوصفها امتدادًا مباشرًا للقرار السياسي، لا جزءًا من بنية استراتيجية أكثر تعقيدًا. وهذا التباين بين المنطقين لم يختفِ، بل يبدو أنه يعود اليوم في صورة أكثر حدة مع الحرب على إيران.

والأخطر من ذلك أن الحرب الحالية لا تختبر فقط قدرة واشنطن على إضعاف إيران، بل تختبر أيضًا قدرتها على إدارة نفسها أثناء الحرب. فالدول لا تدخل المآزق الاستراتيجية فقط حين تُفاجأ بردود خصومها، بل أيضًا حين تبدأ بنية القرار فيها بالتآكل من الداخل: عندما تتعدد مراكز التأثير، وتتصاعد الخلافات حول الأهداف، وتتضارب التقديرات بشأن حدود التصعيد ومآلاته، وتتحول الإقالات والإبعادات في قمة المؤسسة العسكرية إلى جزء من مشهد الحرب ذاته.

ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري داخل إدارة ترمب قد يكون أخطر من مجرد خلافات داخلية أو توترات بين شخصيات نافذة. نحن أمام مؤشرات على أزمة انسجام استراتيجي حقيقية، تتجلى في غياب إجابة واضحة عن الأسئلة الكبرى للحرب: ما الذي تريده واشنطن من هذه المواجهة فعلًا؟ هل الهدف هو الردع فقط؟ أم تدمير القدرات الإيرانية؟ أم فرض اتفاق استسلام؟ أم إعادة تشكيل النظام؟ أم مجرد صناعة “نصر” سياسي داخلي يمكن تسويقه للرأي العام الأمريكي؟ وكلما غابت الإجابة الواضحة، اتسعت الفجوة بين الفعل العسكري والخطة السياسية، وارتفعت احتمالات الارتباك والانقسام داخل مؤسسات الدولة نفسها.

وهنا تحديدًا تعود الحروب الأمريكية الكبرى إلى الذاكرة. فالولايات المتحدة لم تتعثر تاريخيًا لأنها عجزت عن استخدام القوة، بل لأنها كثيرًا ما امتلكت قدرة هائلة على الضرب، دون أن تمتلك في المقابل رؤية مستقرة لما بعد الضربة. وهذا ما حدث بدرجات مختلفة في العراق وأفغانستان، وربما بدرجات أقل في ملفات مثل ليبيا وسوريا. تبدأ الحرب دائمًا تحت عناوين كبيرة مثل الحسم، والردع، وإزالة التهديد، ثم لا تلبث أن تنكشف الفجوة بين القدرة على إيقاع الضرر، والقدرة على إنتاج نهاية سياسية مستقرة.

وفي حالة إيران، تبدو هذه الفجوة أكثر خطورة. فالولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي قادران على إلحاق أضرار هائلة بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، لكن السؤال الأصعب لا يتعلق بقدرة التدمير، بل بقدرة تحويل هذا التدمير إلى نصر سياسي واستراتيجي مستدام. وهنا يصبح أي تصدع داخل القيادة الأمريكية أكثر حساسية، لأن الحرب لا تحتاج فقط إلى طائرات وصواريخ، بل تحتاج قبل ذلك إلى عقل استراتيجي موحد، وهذا تحديدًا ما يبدو اليوم موضع شك.

وعندما توضع استقالة ماتيس وإقالة جورج جنبًا إلى جنب، تتضح صورة أكثر اكتمالًا: الأول غادر لأنه لم يعد قادرًا على التماهي مع طريقة إدارة ترمب للقرار العسكري، والثاني أُبعد في لحظة حرب، في مشهد يوحي بأن معايير الانسجام السياسي والثقة الشخصية بدأت تتقدم تدريجيًا على معايير التقدير العسكري المهني. وهذا تطور بالغ الخطورة في أي إدارة تخوض حربًا معقدة، لأن المؤسسة العسكرية حين تتحول من فضاء تقدير استراتيجي إلى ساحة فرز سياسي وشخصي، فإن القرار العسكري نفسه يصبح أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للتقلب والاندفاع.

ومن هنا، لا تبدو الحرب على إيران مجرد اختبار لقدرة واشنطن على إخضاع طهران أو إنهاكها، بل تبدو أيضًا اختبارًا موازيًا لقدرة إدارة ترمب على ألا تتشقق من الداخل وهي تخوض هذه المواجهة. فالحروب الكبرى لا تكشف فقط طبيعة الخصم، بل تكشف أيضًا حقيقة من يخوضها. والحرب الحالية تكشف، حتى الآن، أن إدارة ترمب تبدو أكثر اندفاعًا من اتزانها، وأكثر قدرة على إطلاق النار من قدرتها على إنتاج نهاية واضحة للحرب، وأكثر تصعيدًا من وضوحها الاستراتيجي.

نستطيع القول أن استقالة جيمس ماتيس في 2018، وطرد راندي جورج اليوم، ينبغي ألا يُفهما كحادثتين منفصلتين، بل كجزء من سلسلة ممتدة تكشف أزمة متكررة في علاقة ترمب بالمؤسسة العسكرية الأمريكية، وهي أزمة تزداد وضوحًا كلما اتسعت الحرب على إيران. وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط كيف ستنتهي هذه الحرب، بل أيضًا: هل تستطيع إدارة ترمب أن تبقى متماسكة وهي تديرها؟ وفي كثير من الأحيان، يكون هذا هو السؤال الأخطر في الحروب الكبرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار