البابور الموقع العربي

“عصا مقديشو” لهاشم محمود.. وطن يبحث عن أوكسجين  

معركة الهوية في مدينة بلا ذاكرة

330

سمير الحجاوي

تكمن قوة رواية “عصا مقديشو” للروائي الإريتري هاشم محمود في قدرتها على تحويل الألم إلى طاقة، والذاكرة إلى خطة، والحلم إلى أفق مفتوح.

تفتتح رواية  مشهدها الأول بصورة موتٍ فرديٍّ يبدو عاديًا في زمن الحرب، لكنه يتحول سريعًا إلى استعارة مكثفة لانهيار وطن بأكمله. العجوز التي تفارق الحياة بسبب انقطاع الأوكسجين في مستشفى منهك ليست مجرد أمٍّ تُسلم الروح، بل هي صورة للصومال نفسها؛ جسدٌ صابرٌ سبعين عامًا، يتحمل الألم بصمت، ثم يسقط حين ينقطع عنه آخر خيط للحياة. انقطاع الكهرباء ليس حدثًا تقنيًا، بل رمز لانقطاع الدولة، وانقطاع الأوكسجين ليس عارضًا طبيًا، بل علامة على اختناق مجتمعٍ بأكمله تحت وطأة الحرب والفوضى. منذ الصفحات الأولى، يربط الكاتب بين الجسد المريض والوطن المتهالك، في بناء رمزيٍّ يضع القارئ أمام سؤال الدولة: كيف يموت الإنسان حين تموت المؤسسات؟

من الفجيعة إلى المنفى

غير أن الرواية لا تبقى في حدود الفجيعة المحلية، بل تنتقل إلى فضاء المنفى، حيث يعيش صالح وأسرته في نيويورك. هنا تتبدل طبيعة الصراع؛ فبدل القذائف وصوت الرصاص، يواجه الأبطال صمت المدن الباردة، وسرعة الحياة التي لا تلتفت إلى أحد. المنفى في الرواية ليس خلاصًا، بل شكلًا آخر من أشكال الاختبار. الخوف يتغير شكله، كما يقول صالح، لكنه لا يرحل. في الصومال كان الخوف من الموت المفاجئ، وفي أمريكا يصبح الخوف من الذوبان، من فقدان الهوية، من أن يتحول الإنسان إلى رقم في آلة ضخمة لا تعترف إلا بالإنتاج والسرعة.

موسى يبحث عن عصاه

وسط هذا الانتقال بين عالمين، تتشكل شخصية موسى، الطفل الذي يحمل في داخله ذاكرة الحرب وحلم المستقبل. موسى ليس مجرد راوٍ أو شخصية نامية؛ إنه مركز المشروع الرمزي للرواية. “العصا” التي يحملها في حلمه ليست أداة سحرية بالمعنى الأسطوري، بل رمز للإرادة والإيمان والقدرة على تحويل الهزيمة إلى مشروع. حين يتخيل نفسه يؤسس شركات تكنولوجية في إفريقيا، ويستثمر ثروات الصومال، ويحوّل الشمس والرياح إلى طاقة، فإن الكاتب لا يكتب حلمًا طفوليًا، بل يرسم مخططًا نهضويًا متكاملًا. الرواية هنا تتحول من أدب لجوء إلى أدب مشروع حضاري؛ من الحنين إلى الفعل.

إدوارد.. القسوة والعداء

في المقابل، تقدّم شخصية إدوارد، الجندي الأمريكي المتقاعد من حرب فيتنام، بعدًا إنسانيًا معقدًا لفكرة “الآخر”. في البداية يبدو إدوارد رمزًا للقسوة والعداء، لكن السرد يكشف تدريجيًا أنه يحمل جراحًا قديمة لا تقل فداحة عن جراح المنفيين. الحرب شوّهته كما شوّهت مقديشو. وبذلك تطرح الرواية فكرة دقيقة: الحروب لا تنتج منتصرين حقيقيين، بل تخلّف أشباحًا تمشي في المدن، مثقلة بما رأت. بهذا المعنى، يتقاطع الألم الصومالي مع الألم الأمريكي، ويتحول الصراع من ثنائية ضحية/جلاد إلى مأساة إنسانية أوسع.

الإيمان والتغيير

الإيمان يحتل موقعًا مركزيًا في بنية الرواية. لكنه ليس إيمانًا طقوسيًا، بل قوة داخلية تدفع إلى العمل. الإيمان هنا هو ما يمنح العصا معناها، وهو ما يجعل الحلم قابلًا للتحقق. لا يُطرح الإيمان بوصفه عزاءً سلبيًا، بل بوصفه طاقة تغيير. ومن خلاله، تتحول مقديشو من مدينة منكوبة إلى إمكانية كامنة، وتتحول إفريقيا من قارة منهوبة إلى فضاء انتظار لمشروع نهضوي.

مهاجر بين عالمين

تنجح الرواية كذلك في طرح سؤال الهوية بوصفه سؤالًا وجوديًا. هل يمكن للطفل أن ينتمي إلى مكانين؟ هل يمكن حمل لغتين وثقافتين دون تمزق؟ هل الاندماج مكسب أم خسارة جزئية للذات؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بخطاب مباشر، بل تتسرب عبر الحوارات والتأملات اليومية، فتجعل النص يتجاوز خصوصيته الصومالية ليصبح رواية عن كل مهاجر يعيش بين عالمين.

الواقعية والتأملية

أسلوبيًا، تمزج الرواية بين الواقعية الرمزية والنبرة التأملية، مع حضور واضح للخطاب النهضوي. أحيانًا يميل السرد إلى المباشرة، لكنه يفعل ذلك في خدمة فكرة كبرى: لا يكفي أن نبكي العمود الساقط، بل علينا أن نبحث عن أعمدة جديدة. فموت الجدة في المشهد الأول ليس نهاية، بل نقطة انطلاق نحو وعيٍ جديد، نحو إدراك أن الوطن لا يُستعاد بالحنين وحده، بل بالمشروع والعمل.

البحث عن الرؤية

“عصا مقديشو” للكاتب الروائي هاشم محمود هي رواية عن السقوط والفقد، لكنها كذلك عن الرؤية..  إنها نصٌّ يحاول أن يقول إن المنفى قد يكون مساحة لإعادة التفكير، وإن الطفل الذي يهرب من الحرب يمكن أن يحمل في داخله مشروعًا يعيد تشكيلها.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار