البابور الموقع العربي

الجامعات والمسؤولية الاجتماعية في السياق الفلسطيني المُستعمَر

119

د. وسام الفقعاوي

ارتبطت نشأة التعليم العالي في فلسطين وتحديدًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، باحتلال/نكبة 1948، وما ترتب عليها من ضرب للوجود المادي للشعب الفلسطيني على أرض وطنه، واقتلاعه من مصدر إنتاجه/رزقه الرئيسي: الأرض، وأصبح مجتمعًا من اللاجئين المشتتين والعاطلين عن العمل، حيث وجد الشعب الفلسطيني “في التعليم جواز مرور يؤهله لخوض غمار الحياة وتحدياتها، ولتأمين سبل استمراره وبقائه”[1]، في ظل غياب سلطة مركزية، وقوانين تنظم المسألة، مع فقدان خطة تنموية شاملة؛ تؤطرها أهداف وطنية محددة.

تعود نشأة أول جامعة فلسطينية إلى عام 1972، والتي تحولت من مدرسة بيرزيت الثانوية إلى كلية تعطي الصف الجامعي الأول عام 1953، والصف الثاني عام 1961، إلى أن تحولت جامعة بكليات متعددة، أما مدرسة النجاح؛ فتحولت إلى كلية متوسطة عام 1965، ركزت على إعداد المعلمين[2]، ثم تحولت إلى جامعة عام 1977، وكانت قد سبقتها جامعة بيت لحم التي تأسست في عام 1973،في حين تأسست الجامعة الإسلامية في قطاع غزة عام 1978، أما الطفرة في التوسع بإنشاء الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، فكان بعد سنة 1994؛ مترافقًا مع نشوء السلطة الفلسطينية.  

لقد نشأت الجامعات وتطورت في أتون الصراع الذي فُرض عليها مع العدو الصهيوني، ولم تختاره، حيث أن تطور الحركة الوطنية بعد عام 1967، بلور دورها الوطني، والذي ابتدأ فعليًا في نهاية السبعينيات مع متغيرين، الأول: تغطية جزء من نفقات التعليم من قبل منظمة التحرير؛ الأمر الذي سمح بولوج أبناء الفئات الشعبية من المخيمات والأرياف للجامعات وتحديدًا بيت لحم وبيرزيت؛ ما أحدث نقلة في عملها الوطني. والثاني: قرار الفصائل بتأسيس المنظمات الجماهيرية في الجامعات ابتداءً من العام 1979[3]، وهذا ما يضع سؤال المسؤولية الاجتماعية للجامعات موضع التناول ومحاولة الإجابة، خاصة وأن سياق نشأة هذه الجامعات مُختلف عن أي بقعة أخرى في هذا العالم، مما يعطي خصوصية للشعب الفلسطيني الذي تعرض لسلب أرض وطنه والإبادة والتهجير ومحاولات لم تنتهِ من أجل إخراج أنساق تطوره الاجتماعي عن وضعها الطبيعي، وإبقائها خاضعة لأهداف ومخططات المشروع الصهيوني، مما يضع الجامعات أمام مسؤولية مصيرية؛ تنموية – تحريرية في جوهرها وأهدافها، من خلال قيام الجامعات بدورها التعليمي القادر على تحريك القوى الاجتماعية القادرة على إحداث النهوض والتغيير في المجتمع من أجل تحقيق أهدافه الوطنية والاجتماعية.

الجامعات الفلسطينية: ما هو مستوى المهمة والدور؟

في التأطير للإجابة، ربطًا بمناقشة الأمر في السياق الفلسطيني المُستعمَر؛ فمن المفيد معرفة أن أولى الخطوات التي بدأها المشروع الصهيوني بعد جملة القرارات التي اتخذها في مؤتمراته منذ سنة 1897، والتي جاءت جلها في سياق تعزيز الوجود الصهيوني على أرض فلسطين (الاستراتيجيات والخطط – تعزيز عوامل القوة والتحالفات – الهجرة والاستيطان – والإبادة والتطهير للسكان الأصلانيين…)، هو إنشاء الجامعة العبرية في القدس ؛ كأحد أهم قرارات المؤتمر الثالث عشر المنعقد في آب 1923، والتي تم افتتاحها في سنة 1925، أي قبل قيام “دولة إسرائيل” بثلاثة وعشرين سنة، وقد أعلنت الصهيونية وظيفتين للجامعة في “أرض الميعاد”، الأولى: التطوير الزراعي خدمة للاستيطان الزراعي، والثانية: تأسيس لغة عبرية جامعة، أي لغة كولونيالية بامتياز. في حين فشلت القيادة الفلسطينية بقيادة أمين الحسيني من إقامة الجامعة التي خططت لها باسم “جامعة المسجد الأقصى”، ردًا على إنشاء الجامعة العبرية؛ بسبب رفض سلطات الاحتلال البريطاني لذلك[4]، في سياق احتضانها ورعايتها للمشروع الصهيوني، واليوم تصنف العديد من الجامعات الإسرائيلية، ضمن أهم مائة جامعة على مستوى العالم، بحسب التصنيفات والمقاييس العالمية (مقياس شنغهاي و QS على الأقل)، إلى جانب براءات الاختراع التي حظيت بها الجامعات الإسرائيلية عالميًا، والتي تفوق مئات المرات براءات الاختراع التي سجلتها الدول العربية مجتمعة، والاهتمام عالي المستوى بالبحث العلمي وجودته، بحيث يصل إنفاقها على البحث العلمي فقط من 7 إلى 9 مليار دولار سنويًا، ما يعادل 4.7% من ناتجها القومي، بينما لا تنفق الدول العربية مجتمعة أكثر من 1% من دخلها القومي على البحث العلمي، ولنا أن نتخيل ما تنفقه السلطة الفلسطينية، من هذه النسبة على البحث العلمي، في حين أن أولويتها كانت وما زالت تضخيم أجهزتها الأمنية والشرطية، كحال الأنظمة الرسمية العربية، التي تعمل على كبح جماح الداخل، لا إطلاق وتطوير قدراته وطاقاته المعرفية، خاصة وأن الجامعات هي مُنتج/معمل المعرفة، والتي قد تكون ذات أبعاد نهضوية – تغييرية، أو تعزيزية لدور السلطة الرسمية وهيمنتها بالمفهوم الغرامشي. وكذلك وبحسب أنطونيو غرامشي أيضًا، يمكن للجامعة أن تلعب دورًا في هيمنة الكتلة الشعبية للاستيلاء على السلطة، وفق مفهوم حرب المواقع. والنقطة الرئيسية المرادة هنا: أن العدو الصهيوني أدرك منذ بداية مشروعه أهمية الارتكاز على قاعدة معرفية – علمية؛ كأساس في بناء وتحقيق أهدافه وخططه، وعليه أخضع “قضية” إنشاء الجامعات والمعاهد التقنية والمراكز البحثية لعملية مركزية مخططة/هادفة، في صراعه الوجودي مع الشعب الفلسطيني والأمة العربية[5]؛ فالقراءة المعمقة لممارسات وسلوك المشروع الصهيوني، بعد مرور أكثر من قرن وربع على انعقاد مؤتمره الأول، وعلى الرغم من الانتصارات والانجازات الكبرى التي حققها ما يزال مستمرًا في إعادة صياغة وتكييف وبناء أدواته واستراتيجياته؛ لتحقيق المزيد من الانتصارات والانجازات، وهذا الأمر يفرض ضرورة الحفاظ على ركائزه المعرفية والأيديولوجية – الثقافية والسياسية والتاريخية المختلقة باستمرار؛ لتشكل قوة دفع مستمرة ومتجددة، لحشد المزيد من الطاقات والإمكانات التي يختزنها في “مجتمعه” الاستعماري، من أجل مزيد من العدوان والإخضاع والتوسع.

في مقابل ذلك، يُطرح سؤال: هل استطعنا كفلسطينيين أن نبني جامعات ومعاهد ومراكز بحثية بتخطيط مسبق وأهداف واضحة، في إطار الخصوصية الفلسطينية، كي نحقق الدور التكاملي وليس الاستغلالي بين الجامعة والطالب والمجتمع؟

إن نقطة البدء التي يجب أن ننطلق منها، أن الشعب الفلسطيني يخوض مع المشروع الصهيوني الإمبريالي؛ اشتباكًا/صراعًا اجتماعيًا تاريخيًا جذريًا؛ يطال الوجود نفسه، حيث يواجه محاولات لا حصر لها؛ لإخراج ذلك الوجود عن أنساق تطوره الطبيعي وإخضاعه لخدمة المشروع المعادي من ناحية، ونفي وجوده على أرض وطنه بالكامل من ناحية أخرى، ونفي الوجود لا يعني بالضرورة النفي الفيسيولوجي للإنسان، أي إبادته، والذي مورس عام 1948، بل يمكن أن يعني نفي الوجود السياسي، كتاريخ وهوية ورؤية وحقوق، وبالتالي كشعب، بحيث يتم تحويلنا لأفراد بيولوجيين نقوم بوظيفتنا كعبيد، وهذه الأخيرة ما تناولها باولو فرايري في كِتابه تعليم المقهورين؛ فتعليم المقهورين هو في حقيقته تعليم للمناضلين من أجل حريتهم؛ فالمناضلين الذين يدركون أو يبدأون في إدراك حقيقة قهرهم هم القادرون على القيام بهذا الدور التعليمي، بحيث لا بد للمقهورين من أن يمارسوا تجربتهم النضالية من أجل الخلاص[6]. وهنا يحضر الدور الكبير لضرورة الاستثمار في رأس المال البشري الفلسطيني (الإنسان الفلسطيني)، من خلال حفظ وتحفيز كل طاقات وإبداعات الشعب الفلسطيني، إلى جانب حفظ تاريخه وتراثه وحقوقه، والسير بالعملية التحريرية إلى الأمام لتحقيق أهدافه التاريخية في التحرير الكامل وعودة لاجئيه وتقرير مصيره وإقامة دولته العربية الفلسطينية على ترابه الوطني كاملًا وهذه مهمة مناطة بالأساس بحركته الوطنية الفلسطينية – مع أن هذا المفهوم بات عائمًا بالمطلق – غير المفصول عن تناغمها وتكاملها مع مؤسسات المجتمع التي يُفترض أنها منصهرة في عملية التحرير كل من موقعه ومهمته، وفي مقدمتها الجامعات، وهذا بدوره يَطرح مفهوم المقاومة الشاملة في كل الحقول: السياسة والاقتصاد والمعرفة والتعليم والاجتماع والقيم… الخ، التي عليها في هذه الحالة تحقيق فائض القيمة المطلوبة، ليس من بوابة العلاقة الاستغلالية القائمة فعليًا في الواقع، بل من بوابة العلاقة التكاملية مجتمعيًا ووطنيًا، من خلال العمل على تغيير الواقع من أجل التحرر السياسي والطبقي وتعميق قواعد التنوير والعقلانية والحداثة في خدمة الهوية الوطنية والقومية، بما يُمكّن شعبنا من الخروج على قيود الاحتلال والتبعية والتخلف[7]

صاحبة رسالة النهوض والتغيير: مأزومة!

لم تعد الأزمة البنيوية التي ترزح تحت ظلها الحالة الوطنية الفلسطينية بالإجمال خافية على أحد؛ فالحركة الوطنية الفلسطينية التي وضع شعبنا الفلسطيني ثقته فيها لتحقق أهدافه الوطنية التحررية؛ تحول الجزء الأكبر منها والمقرر فيها وما يتعارف عليه “قيادتها الرسمية” إلى نهج التسوية والتفاوض مع العدو الصهيوني، بحيث عملت هذه الحركة/القيادة على ضبط إيقاع الشعب الفلسطيني ليكون بمقاس واشتراطات التسوية والاعتراف بالعدو، وفي هذا السياق توسعت قاعدة الجامعات التي اُتخذت كل الوسائل والأدوات من قبل السلطة الوليدة من رحم “الحركة الوطنية”، لأن تنتج الجامعات مفاهيم المرحلة الجديدة: (السلام – التعايش – التطبيع – التعاون – الاعتراف بالآخر…)، وما يتطلبه ذلك من الإمساك بعقل طلابها/مجتمعها، من خلال الإمساك على صياغة مناهجها الدراسية المقررة – ذات العملية سرت على المراحل الدراسية من الابتدائية حتى الثانوية – وهنا يذهب الباحث والأكاديمي وسام رفيدي إلى أن الشرط السياسي – اتفاق أوسلو – بُني على أساسه كل النظام الفلسطيني، ومعه النظام التربوي، ومنه المنهاج المدرسي والجامعي باستثناءات معدودة، في ظل حالة انكشاف اقتصادي ومالي تام، جعل الأمر جله: المنهاج، والرواتب، والمصاريف الإدارية لكل العملية التعليمية، رهن بيد السلطة؛ الممولة في معظم إيراداتها خارجيًا، والممول الخارجي هذا، ليس جمعية خيرية للإحسان على المحتاجين؛ فالإمبرياليات الأمريكية والأوروبية ليست جمعيات خيرية في النهاية، بل هي حليف استراتيجي للعدو الصهيوني؛ لبقاء سيطرته الاحتلالية التامة على السكان والأرض ومقومات الحياة اليومية، وقدرة تلك السيطرة، على فرض مجريات، يرغبها العدو/الاحتلال[8].

هنا تتبدى أزمة الجامعات الفلسطينية بشكل أكبر، إذا ما ذهبنا للقول بغياب الفلسفة التعليمية والرؤى الواضحة/المشتركة والأهداف بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى والتخطيط الاستراتيجي والتطوير والبناء المؤسسي والبحث العلمي وكلفة التعليم العالي والبعد التنموي الاجتماعي، وطبيعة ونوعية الأكاديميين والإداريين، وكل ذلك غير معزول، عن طبيعة التخصصات ونوعيتها، وصولًا “لتحزيب” العملية التعليمية برمتها، ومن ثم اخضاعها أمنيًا، وانتشار كل مظاهر الفساد والاستزلام والشلل والمحسوبيات، بحيث يبرز سؤال كبير وجدي: هل ما زلنا في هكذا حالة أمام جامعات تحمل على عاتقها مسؤولية اجتماعية ووطنية من الدرجة الأولى: تنموية – تحريرية؟!

إن الجامعات معرفيًا ومنهاجًا ينبغي أن تربي على روح المقاومة، والذي يعني: تطوير ملكات فكرية تحررية، بديلًا للغيبيات وتقديس المفاهيم المسبقة، وتطوير مهارات إنتاجية لتحفيز روح الإنتاج والتعاون لدى الخريجين؛ تطوير مهارات بناء تعاونيات زراعية إنتاجية لاستصلاح الأرض، وكل ذلك تحت عنوان دور الجامعات في بناء مجتمع الصمود والمقاومة، بديلًا لدورها في حشد آلاف الخريجين في قطاعات خدمية لصالح رأس المال الخدماتي: بنوك واتصالات وشركات تأمين وكمبرادور.

الجامعات تأكل من الرسوم والخريجين تأكلهم البطالة:  

قد يكون من أسوأ الأشياء هو أن يعدو الشيء نقيض لهدف وجوده، وبالتالي انحراف دوره، ففي الوقت الذي نشأت فيه معظم الجامعات والمعاهد في الضفة الغربية وقطاع غزة كمؤسسات أهلية، لا تسعى إلى الربح، إلا أنه في إطار التوسع غير المخطط وغير الممنهج والفائض عن حاجة المجتمع الفلسطيني وصل عدد الجامعات والكليات المرخصة من قبل التعليم العالي للسلطة الفلسطينية في العام الدراسي (2021 – 2022) إلى 51 جامعة وكلية جامعية، وتترافق هذه الزيادة مع توسع وتراكم الأزمات المتعددة الأشكال والأوجه والتضخم غير المحدود في أعداد الموظفين والإداريين والمباني والكليات والتخصصات والمصروفات…؛ والذي بالضرورة يستدعي تغطية نفقات عالية جدًا، في ظل توقف “وزارة التعليم العالي/السلطة” عن دفع مخصصات الجامعات، منذ 15 سنة تقريبًا، يضاف لها نتائج الانقسام في السلطة وعليها، ووجود واقعين/سلطتين رسميين متصارعين، وكل منهما يلقي بأعباء إضافية على كاهل أفراد المجتمع في كلا البقعتين الجغرافيتين: الضفة الغربية وقطاع غزة (عقوبات وضرائب وجباية وغلاء أسعار…).

تأسيسًا على ما سبق، وحقيقة الوضع الوطني والاجتماعي الداخلي العام وأهداف العدو الصهيوني؛ وجدنا تحول الجامعات الفلسطينية – التي رفع البعض شعار: جامعة شعبية مجانية وتعليم ديموقراطي وثقافة وطنية[9] – لتصبح أحد عوامل زيادة تلك الأعباء من خلال التكلفة الباهظة للعملية التعليمية؛ فعلى على سبيل المثال لا الحصر، تصل رسوم ساعة الطب في جامعات قطاع غزة 90 دينار أردني – في بعض جامعات الضفة، تصل إلى 200 دينار – وتصل في بعض كليات الهندسة المختلفة إلى 25 دينار فما فوق، وهذا ينسحب على الكليات الاجتماعية التي تصل رسوم بعض تخصصاتها ما بين 20 – 25 دينار، وعلى الرغم من وجود مؤسسات تعليمية تسمى حكومية، أي تتبع موازناتها لوزارة التعليم العالي، إلا أن رسومها وإن اعتبرت منخفضة نسبيًا عن غيرها من الجامعات الأهلية والخاصة، إلا إنها تعد باهظة التكلفة؛ مقارنة بالوضع الاقتصادي/المعيشي للغالبية العظمى من أبناء شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث أن ما يقارب من ثلث السكان (29.2%) يعانون من الفقر، وبلغت نسبة الفقر في قطاع غزة (53%) بينما بلغت في الضفة الغربية (13.9%). ويعاني حوالي ثلث سكان قطاع غزة (33.7%) من الفقر المدقع مقابل (5.8%) من سكان الضفة الغربية[10].

في حين بلغ معدل البطالة في عام 2022 حوالي 24٪، وبلغ هذا المعدل 45٪ في قطاع غزة مقارنة بـ 13٪ في الضفة الغربية[11]. وبلغ معدل البطالة بين الشباب (19-29) سنة الخريجين من حملة شهادة الدبلوم المتوسط فأعلى حوالي 47%، بواقع 32% في الضفة الغربية مقابل 70% في قطاع غزة[12].

وإذا ما استعرضنا واقع الخريجين؛ فسنكون أمام حقيقة مرعبة، تُدفع من رصيد ودور الشباب الوطني والمجتمعي، وتلقي بآثارها الخطيرة على مستقبل معروف نتائجه سلفًا؛ فنسبة الشباب الحاصلين على شهادات دراسية عليا مرتفعة، يقابلها معدلات بطالة عالية في وسطهم، خاصة وأن شعبنا الفلسطيني يَعدُ التعليم الاستثمار الحقيقي على الصعد الفردية والاجتماعية والوطنية، سواء في الرد على احتلال/نكبة سنة 1948 ونتائجه، وكذلك في تحسين شروط الحياة المعيشية؛ فبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2022، تشير إلى أنه من بين كل 100 شاب/شابة في العمر 18-29 سنة، هناك 18 شاب/شابة حاصلون على درجة البكالوريوس فأعلى، بالمقابل فإن معدلات البطالة تستشري بينهم، إذ بلغت 59% بين الإناث و32% بين الذكور، وكانت الأعلى في قطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية (75% و30%) على التوالي[13].

يشير غازي الصوراني في دراسة له عن أزمة الجامعات الفلسطينية إلى أن العبء الأكبر من تكلفة التعليم العالي تقع على كاهل الأسرة الفلسطينية، وهي أسر فقيرة في معظمها، حيث يعد متوسط الإنفاق الشهري لهذه الأسر 1400 دولار، في حين متوسط الأجر الشهري يبلغ حوالي 900 دولار، الأمر الذي يعني أن التعليم العالي يشكل كلفة باهظة على تلك الأسر، حتى لو توفر بها شخصان على رأس عملهما، حيث تكلفة رسوم طالب واحد سنويًا – من غير الطب والهندسة – تصل إلى حوالي 1200 دولار، دون احتساب المواصلات والكتب والمصاريف الأخرى، وهذا مبلغ كبير ومرهق لأسر تفقد في أغلبها مصدر رزق ثابت[14]، مع ازدياد معدلات الفقر والبطالة وفقدان الأمن الغذائي الأسري، دون وجود أفق للخروج من هذا الواقع، بل كل المعطيات والوقائع والمؤشرات تقول بأنه، سيزداد سوءًا، نصل لنتيجة مفادها أن فرص التعليم ستكون للأغنياء فقط!

المسؤولية الاجتماعية: هل انتهت الجامعات مأزومة أم بدأت مأزومة؟

نجد في الخاص الفلسطيني، ما يؤكد على امتداد أزمة الجامعات في الزمان، وخير دليل على ذلك عدم اختلاف الحصيلة الإجمالية لدور الجامعات قبل عام 1993 عن حصيلتها الإجمالية بعد ذلك التاريخ، مع فروقات طفيفة، لجهة الدور الذي أنيط ببعضها، في احتضان الحركة الوطنية، الذي مثلته تجربة جامعة بيرزيت على وجه الخصوص، في حين كانت الجامعة الإسلامية في قطاع غزة، تُفرخ مولودًا جديدًا؛ طرح نفسه بديلًا للحركة الوطنية “الكافرة”[15]، لذلك لم يتوانوا أصحاب هذا القول كثيرًا في اتخاذ قرار الانقضاض عليها في أحداث دامية شهدتها الجامعة ذاتها سنة 1983، وقطاع غزة عمومًا سنة 1986، استهدفت رموز هذه الحركة من قيادات وعناصر حركة فتح والجبهة الشعبية والحزب الشيوعي الفلسطيني (الشعب لاحقًا)، ولم يقف الأمر عند ذلك، حيث سبقها حرق مبنى الهلال الأحمر الفلسطيني لقطاع غزة الذي ترأسه الراحل الوطني د. حيدر عبد الشافي سنة 1981، وكذلك تم الاعتداء على جمعيته العمومية وفضها بالقوة، بالإضافة لما كانت تشهده الجامعات من مشاحنات واعتداءات أثناء إجراء انتخابات مجالس الطلاب والاضرابات الاحتجاجية وغيرها، في ظل الغياب الفعلي لمفاهيم الاختلاف الصحي وعدم توفر البيئة الديمقراطية التي ما تزال تفتقدها جامعاتنا، كما فقد قطاع غزة إجراء انتخابات مجالس الطلاب منذ سنة 2007، مما يؤكد النسق العام والحصيلة الإجمالية لتجربة الجامعات الفلسطينية؛ حصيلة لا بد وأن تعود لسبب عابر لمختلف المسميات والأيديولوجيات، التي تتالت على التجربة الواحدة، طالما أن هذه الجامعات، تأسست على فكرة مسؤوليتها الوطنية والاجتماعية، وإن توزعت بين وطنية وإسلامية! لنصل إلى سؤال مفصلي: هل المأزوم حقًا قادر على الاضطلاع بمسؤوليته الاجتماعية غير المفصولة عن مسؤوليته الوطنية؟

قد يكون أسهل جواب على هذا السؤال، هو تأثير العامل الإسرائيلي ومعه تعاون السلطة، ومن ثم الحصار والإجراءات الأمنية المرعيّة وشح الإمكانات المالية، وغير ذلك من المبررات التي تحمل بعضًا من الصحة بالطبع، لكنها لا تملك كل الصحة؛ ففي سياق فهم أزمة الجامعات الفلسطينية، علينا أن ندرك التحولات التي مرت بها هذه الجامعات على مستوى البنية المؤسسية، والتي لا يمكن قراءتها إلا ضمن التقاطعات بين ثلاثية: السياسة، المعرفة، والاقتصاد، حيث يمثل العنصر الأول – السياسة مدى تدخل الدولة – الاحتلال – السلطة السياسية في الجامعات، من خلال أدواتها وأجهزتها الأمنية الاستحواذية والقمعية والسياسات المتعلقة بالإنفاق الحكومي على قطاع التعليم العالي، والتي تعمل من خلالها على إعادة صياغة هذا التعليم باتجاه صياغة العقول أو كما يعبر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو؛ صناعة العقول، وفي حالتنا الفلسطينية، تعني “أسلوة العقول”، بمعنى اخضاعها لذات الشروط التي ولّدت نهج التسوية ومفاوضاتها واتفاقها الرئيسي: اتفاق أوسلو، وهذه الصياغة/الصناعة، مدخل لاحتلال الإرادة وتعميم فكرة حتمية الهزيمة، كنقيض لفكرة وثقافة المقاومة. أـما العنصر الثاني؛ المعرفة – فينصب في سياسات الإنفاق على البحوث العلمية وتوجهاتها، أي يرتبط بالسياسات الداخلية للجامعة أو المؤسسة الأكاديمية وعلاقات القوة التي تحمي هذا القطاع، والتي بحكم أهداف الإنتاج المعرفي، والمقصود بذلك المعرفة لذاتها أو لخدمة المجتمع، والتي نطمح، بل بالضرورة أن تكون المعرفة النقدية التي تبدأ بمساءلة المسلمات والغيبيات ونقاشها بأفق بنّاء؛ معرفي تحرري ونقدي ومنفتح. أما العنصر الثالث والأخير – الاقتصاد، يدرس علاقة الجامعة بالسياق العالمي وتوجهاتها للاندماج في المجتمع المعرفي العالمي، وإصلاحاتها الداخلية على المستوى المؤسسي جراء ضغوط قوانين السوق، ومدى تماشيها مع هذه القوانين[16]. وهذا الأخير نقيض لفكرة الدور التنموي الذي يجب أن تقوم به الجامعات الفلسطينية في السياق الفلسطيني المستعمَر؛ فلا يمكن للنموذج النيوليبرالي أن يكون حلًا، بل عبئًا كارثيًا جديدًا، يضاف لأعباء جمة على كاهل الشعب الفلسطيني، فالتنمية الشعبية المقاومة هي المطلوب تَمَثُلِهَا ولنا في تجربة بقرات بيت ساحور التي نشأت في الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987؛ نموذجًا يحتذى[17].

إن صحة الجواب على سؤال أزمة الجامعات يُؤمّن بداية وضع أقدامنا على الطريق السليم، ليس على مستوى الجامعات فحسب، بل وعلى المستوى الوطني والاجتماعي العام، مع ضمان امتلاك رؤية واضحة عند هذه البداية، بحيث تكون الاستراتيجيات والسياسات والممارسات محسوبة.

ملاحظة ختامية: عن مستقبل الجامعات والمسؤولية الاجتماعية؟

إن الجانب الذي يجب أن يحظى بالأهمية الكبيرة هو البعد الوطني والاجتماعي في تجربة الجامعات، سواء تلك التي نشأت قبل قيام السلطة الفلسطينية أو بعدها، وبقرار منها، ربطًا بالدور النهضوي الذي على الجامعات الاضطلاع به، وتأسيسًا على ذلك، دورها التاريخي في المستقبل، ولها دور مصيري فيه، انطلاقًا من المنهج والمعايير الوطنية والتخطيط الاجتماعي الشامل وبناء الواقع المرجو، خاصة وأن هناك من يرسم ملامح مخاض سياسي فلسطيني مقاوم، في سياق الرد على الهزيمة الوطنية/السياسية المحققة، والتي طالت نتائجها السلبية الجميع، وهنا لا إعفاء لأحد من المسؤولية الوطنية والاجتماعية وفي مقدمتها الجامعات ارتباطًا بدورها المُشخَص على طول وعرض هذه المقالة. وعليه؛ فالخطيئة الكبرى أن تتنصل الجامعات من دورها، خاصة وأن شروط رسم المستقبل رهن قيامها بمسؤوليتها بالتكامل والتناغم مع المؤسسات الوطنية التي تتمسك بنهج التحرير ورفض المساومة والاستسلام للعدو وشروطه، وهذه ليست مسؤولية اجتماعية فحسب، بل في وجهها الآخر مسؤولية تاريخية للجامعات، وصولًا لتحقيق التنمية المجتمعية الشاملة[18]، من خلال وضع التعليم كجزء أساسي من خطة وطنية شاملة، عنوانها الصمود والمقاومة ورفض تعميم الهزيمة، ومحتواها تغليب الإنتاجي وحاجاته من الكادر البشري على الخدماتي، وهنا يصبح التعليم العالي خصوصًا مستجيبًا لمستوى تطور المجتمع من ناحية القاعدة الإنتاجية والثقافية، لذلك فإن التعليم يجب أن يكون دافعًا للتنمية، ومستجيبًا للحاجات الوطنية، وهنا تحضر مسألة نوعية التعليم؛ حيث أن استجابته لحاجة السوق – كما يروج – لا تعني استجابته لحاجة المجتمع؛ وفي فلسطين يضاف إلى التنمية التحرر من الاحتلال، حيث يمكن دمج المفهومين بما يعرف بالتنمية التحررية الشاملة، أي بناء رؤية تنموية وطنية واضحة[19].   

وفق ما سبق، يتحدد دور الجامعات ارتباطًا بالخصوصية الفلسطينية وتقف على أرضية صلبة نحو مسؤوليتها الاجتماعية وتبني المستقبل الذي تنتظره الأجيال الفلسطينية بشغف، سواء تلك التي ولدت ونمت تحت الاحتلال المباشر بأشكاله المتعددة، أو تلك الأجيال التي ولدت ونمت في مخيمات اللجوء والشتات القسري خارج فلسطين، وجميعهم ينتظر أن يرى مستقبلًا حرًا وديمقراطيًا.

* نشر في مجلة المواطنة، العدد السابع، السنة الثانية، سبتمبر 2023.

د. وسام الفقعاوي – كاتب وباحث فلسطيني


[1]. صالح، عبد الجواد: المشكلات الذاتية لمؤسسات التعليم في الضفة الغربية وقطاع غزة، نيقوسيا، دار الصمود العربي، 1982، ص 7.

[2]. الصوراني، غازي: أزمة التعليم في الجامعات الفلسطينية، 2022، ص 6.

[3]. في هذا العام تأسست جبهة العمل الطلابي التقدمية (الإطار الطلابي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، ومن ثم حركة الشبيبة التابعة لحركة فتح وفي فترات متقدمة، الكتلة الإسلامية التابعة ل حركة حماس ، وغيرها من الأطر الطلابية الأخرى المرتبطة بالفصائل السياسية.

[4]. محمد، جبريل وبطة، هند: التعليم العالي الفلسطيني بين الحق وفوضى السوق، رام الله، مركز بيسان للبحوث والإنماء، 2018، ص 22.

[5]. للتوسع أُنظر: أبو عامر، عدنان عبد الرحمن: مراكز البحث العلمي في إسرائيل: السياسات، الأهداف، التمويل، غزة، مركز نماء للبحوث والدراسات، ط.1، 2013.

[6]. فرايري، باولو: تعليم المقهورين، ترجمة وتحقيق: يوسف نور عوض، بيروت، دار القلم، (د.ت)، ص 35.

[7]. الصوراني، غازي: المشهد الفلسطيني الراهن، القاهرة، مكتبة جزيرة الورد، ط.1، 2010، ص 364.

[8]. رفيدي، وسام: المنهاج الفلسطيني/المحتوى والخصوصية، الحوار المتمدن، العدد 4780، 17/4/2015:

[9]. شعار ومطلب رفعته جبهة العمل الطلابي التقدمية في الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كافة.

[10]. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: الفقر في فلسطين، أبريل/نيسان، 2022، ص 5 – 6.

[11]. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني: حوالي ربع المشاركين في القوى العاملة في فلسطين عاطلين عن العمل في الربع الثاني 2023 (دورة نيسان – حزيران 2023):

[12]. المرجع نفسه.

[13]. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني: الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع الشباب في المجتمع الفلسطيني

بمناسبة اليوم العالمي للشباب، 12/08/2023:

[14]. الصوراني، غازي: أزمة التعليم، مرجع سبق ذكره، ص 9 – 10.

[15]. بمراجعة ميثاق حركة حماس التي هي امتداد لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين، الصادر عام 1988، نجده يعد منظمة التحرير الفلسطينية حركة علمانية، والعلمانية وفق تراث هذه الحركة ومنبعها؛ كافرة هي ومن يأخذ بها. يضاف لذلك، تدريس مساق (متطلب جامعة)، في الجامعة الإسلامية، بعنوان: واقعنا المعاصر والغزو الفكري، صدرت طبعته الأولى عام 1988 أيضًا! يتهم فيه جورج حبش ومجموعة أخرى من الوطنيين والقوميين العرب بالماسونية والكفر.

[16]. مصطفى، مهند: المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية: المعرفة، السياسة، الاقتصاد، رام الله، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، حزيران 2014، ص 18 – 19.

[17]. خلال الانتفاضة الشعبية (1987 – 1993) شكّل أهالي بيت ساحور لجانًا شعبية مهمتها توفير البدائل المناسبة لاحتياجات البلدة، والتوقف عن استهلاك أي بضاعة إسرائيلية، ومنها البحث عن مصدر بديل للحليب، ومن هنا فقد تم طرح فكرة تربية مجموعة من الأبقار في البلدة مع إبقاء مكان وجودها سرًا والعمل على رعايتها وتوزيع الحليب على الأهالي من منتجاتها، وهذا ما حصل بالفعل، إلى أن كشف العدو مكانها بعد مطاردته لها، انطلاقًا من كونها تهدد أمنه القومي!

[18]. جرادات، ناصر وأبو الحمام، عزام: المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للمنظمات، الأردن، إثراء للنشر والتوزيع، (د.ت)، ص 39.

[19]. محمد، جبريل وبطة، هند: مرجع سبق ذكره، ص 55 – 56.

المصدر: الهدف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار