البابور الموقع العربي

كيف تصنع الطاعة؟… ستانلي مليجرام والقتل بضمير مرتاح

117

حجاح نصار

تخلص تجربة الطاعة التي يعرضها ستانلي مليجرام في كتابه «كيف تصنع الطاعة… وجهة نظر علمية عن التسلط» الصادر في عام 1974 والمترجم إلى اللغة العربية في عام 2022. تخلص إلى أن الإنسان العادي يستطيع أن يرتكب الجرائم ويلحق المعاناة بالآخرين، لمجرد صدور الأوامر له من سلطة عليا لها القدرة على إصدار تلك الأوامر. وعلى الجانب المقابل فإن الوعي والضمير والفعل الأخلاقي لهذا الإنسان يصل لدرجة الصفر، لاسيما إذا أُدخل في سياق سلطوي مهيكل؛ له عوامل محفزة للتفاعل، حيث تعمل تلك العوامل السياقية على تذويب الصراع بين الضمير الإخلاقي وطاعة الأوامر اللاأخلاقية؛ بحيث ينتهي الأمر بهولاء الأفراد إلى التمحور حول السلطة المتمركزة حول ذاتها في تماهٍ تام.
فتقوم فكرة التجربة التي يقوم عليها الكتاب، في أن يؤتى بشخص إلى مختبر لعلم النفس في جامعة مرموقة، ويطلب منه أداء سلسلة من الأفعال التي تتعارض بشكل متزايد مع الضمير، والسؤال الرئيسي للبحث كما يوضح مليجرام هو إلى أي مدى سيلتزم المشارك بتعليمات الموجه؟ قبل أن يرفض تنفيذ الإجراءات المطلوبة منه. ومن ثم تعميم النتائج على الواقع الإنساني وتصرفات الأفراد في ظروف مشابهة، بل واستخدامها كأداة لتفسير ظواهر الإبادة الجماعية أو تعذيب وقتل الناس خارج أي أخلاق أو قانون، فضلا عن التوصل إلى أن هذه الصفات الشريرة كامنة داخل الطبيعة البشرية بشكل عام؛ وأنها تفتقر فقط إلى السياق المناسب لإطلاقها من عقالها.

فالاجراءات التي شكلت مسار التجربة يمكن تصنيفها تحت قول المتنبي «وبضدها تتبين الأشياء» والتي انتهت في نتائجها إلى أن 65% من الخاضعين للتجربة المصطنعة أو الكاميرا الخفية بلغة عصرنا، قاموا بصعق الآخرين لدرجة الموت، بسبب صدور الأوامر لهم بذلك؛ داخل بيئة لها عوامل سياقية متفاعلة؛ دفعت السلوك إلى التدفق في هذا الاتجاه الشرير. وعلى الرغم من الانتقادات والشكوك الكثيرة حول التجربة وصاحبها وخاصة الحديثة منها، بقيت التجربة تمارس زخمها على الثقافة العامة حول العالم، فظهرت في أفلام متعددة، وفى الموسيقي مثل we do what we’re told 1986 للموسيقي البريطاني بيتر غابرييل، أما في العالم العربي فالتأثيرات تمتد إلى درجه البلاهة، والتسليم الأعمي بنتائجها وجعلها من المبررات بين قوسين (العلمية) التي تخلي ساحة المجرمين والقتلة المتخرجين من مؤسسات لها مطلقاتها الخاصة، من مسؤولية أفعالهم بحجة طاعة الأوامر، بدلا من التساؤل عن مقدمات التجربة ونتائجها فضلا عن الانطلاق من نتائجها كمقدمات لنتائج أخرى، والتعميم الفاقد للرؤية على الواقع الإنساني.

السياق المُهيأ للتفاعل

ينظم نص مليجرام، مفهوم السياق المهيأ للتفاعل، الذي يؤدي بدوره إلى السلوكيات التي انبثقت من الأفراد الخاضعين للتجربة، وهو مفهوم ينتمي إلى نموذج السلوك لعالم النفس الألماني الأمريكي كورت لوين (1890- 1947) حيث يرى أن السلوك هو تفاعل بين القوى الشخصية، والموقف الذي يجد الناس أنفسهم فيه، وبالتالي فإن العوامل السياقية أو الظرفية، أو الموقفية تلعب دورا في إنتاج سلوك الفرد، حيث تشكل تلك العوامل المنحدرات المخطوطة برغبات السلطة في البيئة التي يوجد فيها الإنسان؛ وتزيد من احتمالية تصرف الأشخاص بطريقة معينة، كما تدفعهم إلى مركز ثقلها والمتمثل في غرائز رأس تلك السلطة ومطلقها الخاص؛ فهي عوامل الجذب التي تسهل إنزلاق الفرد إلى ذلك المركز، ومن ثم التمحور حوله والتماهي معه في عملية تغذية متبادلة يُنتج ترابطها وتفاعلها سلوك بهوية مختلفة عن هوية الأجزاء المكونه له، وهو السلوك اللاأخلاقي، أو كما حدده زيغمونت باومان بمشكلة الطبيعة الإجتماعية للشر.

مسلمات السياق

هي المسلمات التي يفرضها السياق الذي يتحرك فيه الفرد، فهي مثل الأوليات ذاتية البرهان، وكل سياق يفرض مسلماته التي تغزل مع الشخصيات كنتوءات التضاريس التي تحفز السلوك إلى مسار معين، وتثبط توجهه إلى مسار آخر، وتزيد معدل تدفق سلوك ما وتثبت الآخر، وفي ضوء التجربة تتجلي هذه المثبطات في السياق الرئيسي الذي تحرك فيه المشاركين في التجربة، والمتمثل في جامعة ييل المرموقة، الباحث بصفته عالم يبحث عن الحقيقة، خدمة العلم كهدف نبيل، المختبر النفسي وآلة الصدمة وتركيبها الذي يوحي بهيبة العلم، فضلا عن عدم وجود معلومات معيارية تحدد الصحيح من الخطأ سوى توجيهات الباحث، وكلها عوامل ساهمت في الطاعة للأوامر من وجهة نظر مليجرام، مقابل تثبيط التساؤل والمناقشة أو التفكير في الانسحاب.

التمركز والتمحور

ابتداء من هذه المسلمات تبدأ العوامل الأخرى في سياق التجربة ذاتها تتفاعل مع الخاضعين لها، ويعمل نسقها على تكريس غرائز السلطة وصناعة مطلقاتها الخاصة ومرجعياتها الذاتية ومن ثم تمركزها. والبدء في جذب ودمج الأفراد في محورها وتهميش أي شيء يتجاوز رغباتها. ومن هنا يتجسد النظام بدلا من الإنسان، الدال بدلا من المدلول، والكلام بدلا من الفعل، ومحاكمة الضحية بدلا من قاتلها، وممثل القيمة بدلا من القيمة ذاتها، والإرهاب بدلا من صانعه. وتكتمل الحلقة بالتماهي التام بين المركز والأطراف وإذابة الإنسان في إهابه؛ فعلى قدر ابتعاد الإنسانية عن مركز أي نظام، بقدر ما يكون الانحدار نحو مجردات غير إنسانية تستهلك الإنسان وتسخره وتستعبده، بل تقضي عليه؛ على أساس أن ذلك خير له في دستورها الذاتي. ويتجلي نمط التمركز والتمحور، في ظل النظرة النهائية لمليجرام، أو البعد النهائي الذي ينظر منه للإنسان بأنه مجرد مادة فاقدة للوعي تنطبق عليها قوانين الطبيعة، تصلح للتجريب والاختبار ومن ثم التعميم على كل البشر.

ويتحقق هذا النمط بالتفريغ والدمج المستمر للأفراد في هيكل السلطة، وينتهي بالمَحْوَرة الكاملة للأفراد حول سلطة مطلقة لها معاييرها الذاتية للخير والشر. فيبدأ من خلال عملية تفريغ الأفراد من أي بقايا ذاتية أو أخلاقية، ودمجهم في هيكل السلطة. عندها نجد مجموعة من الأشخاص فارغة، يقومون بوظائفهم ويغلب عليهم الأمر الإداري أكثر من النظرة الأخلاقية، ومن أمثلتها التشكيلات التي تتحرك بشكل آلي بالأوامر، وشخصية أدولف أيخمان (1906 – 1962). وتنتهي عملية التفريغ والدمج بتمحور الأفراد حول أوامر السلطة كمرجعية ذاتية مطلقة تحدد ما هو الخير والشر. وبناء على هذه المعايير تنمو داخل هؤلاء الافراد معايير ذاتية للكفاءة والتقاعس. فتنحصر مسؤولية الفرد في طريقة الأداء؛ فإن أدى واجبه على أكمل وجه وفقا للأمر (حتى لو كان الأمر هو إبادة مجموعة من البشر) ، فذلك هو الخير، وإن تقاعس في الأداء وانخفضت الكفاءة فهذا هو الشر.

ولحماية الأفراد من الآثار الأخلاقية لأفعالهم، يتم العمل على تدفق خطاب ملطف للموائمة اللحظية مع الأفعال اللاأخلاقية التي يقوم بها الأفراد بناء على أوامر السلطة، فإذا كانت الآثار الأخلاقية مستمرة داخل الفرد، تفتح السلطة مسارات التفويض للرتب الأعلى. وهي آلية تعمل على التحويل الدائم للمسؤولية لمصدر الأمر، بحيث تقوم بدور التعويض النفسي والفصل بين فعل الفرد وإدراكه الذاتي لعواقب أفعاله على الآخرين. فإذا ظلت الآثار الإخلاقية مستمرة وظهر اعتراض فرد من الأفراد، تضع السلطة معايير لاحتواء الاعتراض، أو تجريم الاعتراض، إذا تجاوز الحدود المرسومة له. أما في حال استقرار العلاقة بين الأفراد والسلطة فإن ميكانيزمات التعديلات النفسية تعمل بشكل تلقائي للموائمة بين الفعل اللاأخلاقي؛ وأي نأمة لصراع بسيط ينشأ بين الفرد وضميره، من خلال الخطاب الأخلاقي من وجهة نظر السلطة ورفد تلك الأفعال بأهداف تراها سامية. ومن هنا تأتي صناعة سلال الأغراض النبيلة لدفن السلوكيات اللاأخلاقية القذرة، في وهم المجردات اللاإنسانية مثل خدمة العلم، أو خدمة النظام وغيرها. وفى النهاية يتحقق التمحور الكامل للأفراد حول السلطة المطلقة، بتحقق إنتاج موظف تم تكليفه بوظيفة وهو يسعي جاهدا لخلق انطباع عن الكفاءة في عمله حتى لو كانت هذه الكفاءة إبادة ملايين من البشر. وعندها تصبح ممارسة الأفراد للشر كالمستنقع لا هروب منه إلا إليه.

الانتقادات الموجهه للتجربة

ومن الملاحظ أن هذا النمط المتكرر على مدار الكتاب، يتوازي مع مفهوم مليجرام للتجريب باعتباره محاكاة للمجتمع البشري، وهو لا يصح من وجهة نظر بعض المنتقدين للتجربة، التي منها أن الطبيعة الاصطناعية للمختبر لا يمكن أن توفر رؤية واضحة لكيفية حدوث طاعة السلطة في الواقع الإنساني، بل واصل العلماء تقييم صلاحية أساليب ميلجرام، وانتهوا إلى نتائج معاكسة تماما. فعلى سبيل المثال، قامت عالمة النفس والصحافية الأسترالية جينا بيري، بتمشيط أرشيف أعمال ميلجرام، وأجرت مقابلات مع العديد من المشاركين في التجربة. وخلصت إلى أن ميلجرام لم يبالغ في النتائج التي توصل إليها وقام بحجب البيانات المتضاربة فحسب، بل سمح أيضا للعديد من المشاركين بمغادرة المختبر معتقدين أنهم قد ألحقوا الأذى بشخص ما. وكانت نتيجة هذا البحث هو كتابها الصادر في العام 2013 :
Behind the shock machine: the untold story of the notorious Milgram Psychology Experiments
وفى مقابلة لها عام 2020 مع جمعية علم النفس الأمريكية، تم سؤالها عن المعلومات الأكثر إدهاشا التي وجدتها في تجربة الطاعة لمليجرام، ذكرت بأنها فؤجئت بأن بحث ميلجرام، تم تقديمه كدليل حول ميلنا إلى الطاعة، في حين تشير البيانات في كثير من الأحيان إلى عكس ذلك تماما؛ حيث إن العصيان أو التحدي كان النتيجة السلوكية الرئيسية للأشخاص في جميع الأوضاع المختلفة للتجربة. وتوصلت إلى أن الدرس الذي يمكن استخلاصه من دراسة ميلجرام، هو الشجاعة على اعتماد منهجية أكثر نقدا في تفسير نتائج البحوث علم النفس الاجتماعي، إنها نتيجة مؤسفة تحثنا على استجواب التأثيرات – الشخصية والاجتماعية والثقافية – التي تشكِّلها هذه الأبحاث ونتائجها.

يمكن القول بأن الطاعة هي نظام لتنفيذ أمر متفق عليه، وليست هي العامل الرئيسي كما توصل مليجرام، بمعنى أن الآمر والمأمور هم شركاء يضمهم مزاج تعاوني، لتحقيق هدف إلحاق المعاناة بالآخرين، فإذا كان هناك مناخ تعاوني في مستشفى لعلاج المرضى، فطاعة المساعدين للطبيب هي شيء حسن متفق عليه لإنقاذ المريض.

الطاعة في إطار العلاقات الاتفاقية

ومن خلال المفاهيم التحليلية التي تم عرضها يمكن القول بأن الطاعة هي نظام لتنفيذ أمر متفق عليه، وليست هي العامل الرئيسي كما توصل مليجرام، بمعنى أن الآمر والمأمور هم شركاء يضمهم مزاج تعاوني، لتحقيق هدف إلحاق المعاناة بالآخرين، فإذا كان هناك مناخ تعاوني في مستشفى لعلاج المرضى، فطاعة المساعدين للطبيب هي شيء حسن متفق عليه لإنقاذ المريض. وعلى صعيد آخر في حال وجود مؤسسة سلطوية هدفها إنتاج الشر وإلحاق الأذى بالآخرين، فإن ما يميزها هو أن هناك اتفاقا ضمنيا على هذا الفعل أيضا، ومن ثم فإن الطاعة تأتي كمنظم لضمان فعالية الإجراءات، التي يقوم بها هؤلاء المتفقون، سواء الآمرين أو المأمورين. وبالتالي لا تصبح الطاعة هي القوة الرئيسية المحركة لإنسان فاقد الإرادة أعمى وأصم وأبكم ينفذ ما يطلب منه، لكن يصبح الاتفاق الواعي، واختيار الدخول في سياق سلطوي له مسلماته التي يفرضها على السلوك هو الأساس، وتصبح الطاعة مجرد آلية متفق عليها للترويض على فعل الشر.

فالعلاقة بين الإدراك والسلوك هي علاقة اتفاقية لا احتمالية ولا إجبارية، كما أنها علاقة اتفاقية بين الشخص والسلطة؛ وفى ظل هذه العلاقة يصبح النمط المتكرر مختلف تماما؛ لأنه قائم على الوعي؛ ويتوالى في ظل مفهوم التمحور الواعي والعلاقات الاتفاقية: فنجد سياق مؤسسي سلطوي، وهذا السياق له مسلماته، وله حلاله وحرامه وصحيحه وخطأه، كما أن له مطلقه الذاتي المتجاوز لأي مطلق ديني أو أخلاقي، متمركز حول غرائزه كقيمة وحيدة وأبدية. ويليه وجود مناخ تعاوني يلاقي بين رغبات الآمر والمأمور على إلحاق المعاناة بالآخرين، يتطور هذا المناخ إلى علاقة اتفاقية بين القائم بدور الآمر والقائم بدور المأمور. ومن ثم صناعة وتكريس خطاب منظم يهدف إلى إضفاء الصفات فوق البشرية على السلطة؛ وأن افعالها مؤيدة من الآلهة، وهي آلية للتعديلات النفسية للكائن المؤمور بتنفيذ الشر، بحيث تصبح السلطة الخاضع لها هي سلطة مطلقة تملك حياته وموته، وبالتالي الاستسلام الكامل لها؛ كما تصل ذروتها بأن يعتبر هذا الفرد المنفذ للشر في حال القتل على سبيل المثال؛ يعتبر نفسه ملك الموت في رحاب آلهة تأمره بذلك.

ويأتي الخضوع للطاعة كواجب إلزامي لتحقيق الهدف وممارستها كوسيلة للترويض والمران على الأفعال المتفق عليها، وبالتالي توزيعها في سلسلة من الإجراءات الكثيرة والخفية للحماية من أي آثار أخلاقية للأفعال. ولا ينفك ذلك عن إضفاء الصفات الفوق بشرية على الآمر، ومن ثم المأمور لدرجة تصل إلى رفعهم لرتبة الآلهة؛ وبالتالي يصبحون معايير الإدراك والسلوك. ويتبع ذلك إضفاء الصفات الحيوانية على الضحايا والتخفيض الشديد لقيمتها، قبل اتخاذ إجراء ضدها في مقابل الأسطرة للقاتل أو المجرم وحقه في فعل ما يريد. ولضمان فعالية تحقيق الهدف تأتي الممارسة لإلحاق المعاناة بالآخرين كواجب أخلاقي من وجهة نظر السلطة كما المتماهين معها، حيث تصبح هي المطلق النهائي. وتتحقق بتمركز السلطة حول ذاتها، فتخلق المعني وتمنحه؛ ويتمحور حولها كل شيء، وهي نبؤة نيتشه التي وصَّفها بـ»الصنم الجديد». وربما في هذا الوقت الذي تُمارس فيه الإبادة الجماعية لأهالي غزة، يفشل مفهوم الطاعة ونمطه الذي قدمه مليجرام في تفسير ما يحدث، فالإبادة تتم باتفاق العالم الأعمي، مع دولة وليدة الاستثناء والإجرام لإبادة شعب بأكمله، فتتلاشي طاعة مليجرام، ويصبح الاتفاق الواعي والتمحور حول سلطة لها مطلقها الخاص الكامن خلفه غرائزها الحيوانية الشرهه للإبادة، هو الأقرب لتفسير ما يحدث؛ كما يفسر حالة التماهي الحيواني للجميع معها، وحالة الموت الإكلينيكي المفرط التي يعيشها العالم العربي.

كاتب من مصر

القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار