البابور الموقع العربي

الفلسطيني بوصفة “كائنا فائضا عن الحاجة”

52

سمير الحجاوي

حرب الإبادة التي يشنها العدو الإسرائيلي على غزة ليست حربًا على الأجساد فقط، بل حرب على قدرة الفلسطيني على أن يبقى صاحب معنى: إنسانًا، صاحب أرض، صاحب رواية، صاحب حق، وصاحب ذاكرة.

من منظور المعنى، حرب غزة هي محاولة إسرائيلية لإعادة تعريف الفلسطيني باعتباره كائنًا فائضًا عن الحاجة، بلا أرض، بلا سيادة، بلا رواية. أما مقاومة الشعب الفلسطيني فهي دفاع عن المعنى الأول: نحن بشر، لنا أرض، لنا ذاكرة، لنا حق، ولسنا مادة قابلة للمحو.

 

أولًا: تدمير معنى الإنسان

جوهر الإبادة يبدأ حين يُنزَع عن الضحية معناها الإنساني. لذلك لم يكن القتل والتجويع والتهجير مجرد أفعال عسكرية، بل جزءًا من عملية أوسع لتحويل الفلسطيني من «إنسان صاحب حق» إلى «مشكلة أمنية» أو «عبء سكاني» أو «هدف قابل للإزالة». تقارير أممية ومنظمات حقوقية وثّقت القتل الواسع، التهجير شبه الكامل، تدمير البنية المدنية، وعرقلة المساعدات، وهي عناصر جعلت منظمات مثل العفو الدولية ولجنة تحقيق أممية تخلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة

 

ثانيًا: تدمير معنى المكان

غزة ليست مجرد مساحة جغرافية. هي بيت وذاكرة ومقبرة ومدرسة ومسجد وكنيسة وسوق وبحر وحكايات عائلات. عندما تُدمَّر الأحياء والمستشفيات والجامعات والمنازل، فالهدف لا يكون ماديًا فقط، بل رمزيًا أيضًا: اقتلاع الفلسطيني من شبكة المعاني التي تجعله متجذرًا في المكان. وتشير OCHA إلى أن معظم سكان غزة البالغ عددهم نحو 2.3 مليون إنسان تعرضوا للنزوح ويفتقرون إلى مقومات الحياة الأساسية

 

ثالثًا: تدمير معنى الحقيقة

في هذه الحرب جرى صراع هائل على تسمية الأشياء. هل ما يحدث «دفاع عن النفس» أم «عقاب جماعي»؟ هل الضحايا «أضرار جانبية» أم شعب يتعرض للتدمير؟ هل التجويع «أزمة إنسانية» أم أداة حرب؟ هنا يظهر أن اللغة ليست بريئة؛ لأنها تحدد كيف يرى العالم الجريمة. لذلك فإن معركة غزة هي أيضًا معركة على المفردات: إبادة، احتلال، حصار، تهجير، تجويع، مقاومة، أمن، إرهاب.

 

رابعًا: تدمير معنى القانون

القانون الدولي وُجد ليمنع تكرار الكوارث الكبرى، لكن غزة كشفت أزمة معنى القانون نفسه. محكمة العدل الدولية لم تصدر حكمها النهائي بعد، لكنها أمرت إسرائيل باتخاذ تدابير لمنع أفعال الإبادة والتحريض عليها وضمان دخول المساعدات في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل

هنا يصبح السؤال: ما معنى القانون إذا كان يرى الكارثة ولا يستطيع إيقافها فورًا؟

 

خامسًا: تدمير معنى الذاكرة

الإبادة لا تستهدف الحاضر فقط، بل المستقبل أيضًا. قتل العائلات، تدمير السجلات، محو الأحياء، تفكيك المدارس والجامعات، كلها تضرب قدرة المجتمع على نقل ذاكرته للأجيال. ولذلك فإن بقاء الرواية الفلسطينية فعل مقاومة عميق؛ لأن من ينجو لا يحمل جسده فقط، بل يحمل معنى شعب كامل.

 

مقاومة المعنى

رغم الدمار، يستمر الفلسطيني في غزة بانتاج معان مضادة:  الصمود، الشهادة، التوثيق، رعاية الأطفال، دفن الأحبة، العودة إلى الركام، التعليم تحت القصف، والصلاة وسط الخراب. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل دليل على أن الإبادة فشلت في تدمير المعنى الداخلي للإنسان الفلسطيني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار