قليلة جدا هي الروايات التي اتخذت من مدينة الزرقاء الأردنية وما حولها فضاء مكانيا لها، على الرغم من العدد الكبير للمبدعين الذين أنجبتهم المدينة، أو عاشوا في أزقتها وحاراتها. وتأتي رواية «فاطمة.. حكاية البارود والسنابل» للأردني محمد عبدالكريم الزيود، إضافة جديدة لرواية «المكان الزرقاوي» وأول رواية تتخذ من قرى الزرقاء الغربية، خاصة «العالوك» ميدانا لها. ولئن كان الشاعر حبيب الزيودي قد خلَّد العالوك شعرا، وخاصة في مجموعته «غيم على العالوك» فقد جاء ابن عشيرته ليكمل المهمة روائيا في عمل سردي ينتصر للمكان والزمان والرجال والأعمال والإنجازات والطقوس والتراث والعلاقة التي لا تنفصم مع فلسطين ودرتها القدس.
جرت أحداث الرواية، كما أشار الكاتب بين منتصف أربعينيات وبداية ثمانينيات القرن العشرين، أي أنها رواية تمتح من الذاكرة والذكريات والماضي القريب، والعودة إلى الماضي ليست من باب الحنين فقط – وكلنا يحن إلى ماضيه – لكن للتذكير بجهود وكفاح الآباء والأجداد، رغم قسوة الظروف وصعوبة الحياة، خاصة أن الأجيال الجديدة انقطعت عن حكاياتهم وإنجازاتهم وتضحياتهم، ووقوعهم أسرى أجهزة الاتصال والتواصل وتطبيقاتها، التي استهلكت أوقاتهم، وأنهت المجالس الأسرية الجامعة التي لا تخلو مسامراتها من قصص الماضي وذكريات الأسلاف.

رواية تسجيلية
ولولا أن الكاتب أشار إلى أن أحداث وأشخاص الرواية من وحي الخيال، لما شك أحد في أنها رواية تسجيلية للعالوك وما حولها خلال أربعة عقود، ومع ذلك، فإنها بشكل ما لا تبتعد عن الرواية التسجيلية، فالواقع الذي تصوره الرواية والأحداث التي جرت، هي هي في تلك الفترة، ليس في العالوك فقط، بل في جميع القرى الأردنية التي اعتاش أهلها على الزراعة والرعي والتحاق شبابها بالجيش، لكن العالوك وما حولها امتازت بالأراضي الخصبة والغابات الجميلة وطبيعتها الجبلية. وكل من يقرأ الرواية، خاصة من كبار السن، سيجد فيها ملامحه، أو ملامح شخص يعرفه أو سمع عنه، وستعيده بقوة إلى طقوس اندرست، وعادات بادت، وذكريات تشعل في الروح شعلة الحنين والشوق إلى حياة البساطة والوداعة، والعلاقات القوية والأحلام المتواضعة والهموم الصغيرة.
لم يحفل الكاتب بفنيات الرواية كثيرا، ولا باللغة الشاعرية، أو باستعراض العضلات أمام القارئ، وإنما كان مهموما للانتصار للمكان وأهله، معنيا بالوفاء للعالوك وما حولها، حريصا على تأكيد هوية المكان وأهله، وعظيم تضحياتهم؛ فمن خلال أحداث الرواية، وتنقلات شخوصها وسفرهم، عرف القارئ على العالوك وطبيعتها، وعلى مجموعة كبيرة من القرى المحيطة بها والقريبة منها، والتي يجهلها معظم الناس خارج الزرقاء، وربما خارج المنطقة نفسها؛ مثل السحارة والمسرات والحوايا وأبو خشيبة وخريسان والحصب والمنط وغيرها. والعالوك وما حولها منطقة ذات جذب سياحي كبير، خاصة في فصلي الربيع والصيف.
وفي السياق ذاته، أوردت الرواية عددا من أعلام الرجال الذين تركوا بصمتهم وسمعتهم الطيبة وذكراهم الحميدة في المنطقة خاصة، وفي الأردن بشكل عام، ومن هؤلاء: عواد القلاب وحسن الزيودي وشهاب الزيودي وماجد سلطان العدوان وصايل الشهوان وتمر الغويري ومنصور كريشان، هؤلاء الرجال الذي اشتهروا بالكرم والجود، أو البطولة والفروسية، أو بالشعر، أو بالقضاء وإصلاح ذات البين وغيرها من الخصال الحميدة، وشكلوا نماذج مشرقة يُتغنى ويُقتدى بها.
كما أعادت الرواية إلى الذاكرة كثيرا من العادات والطقوس والأعمال التراثية التي اختفت أو أوشكت، ومنها: الورّادات، الوهد، المطوى، العونة، الشرّة، غسل الصوف على السيل وغيرها، التي تشير في معظمها إلى أخلاقيات وقيم أهل المكان آنذاك، وحرصهم على التعاون والتكافل على الرغم من ضيق ذات اليد. وفي المقابل، أشارت الرواية إلى بعض السلوكيات التي تخالف العقيدة، مثل التبرك بالقبور والدعاء عندها للشفاء أو للحمل أو لتسهيل الأمور وتحقيق المراد، كما كان يفعل أهل المنطقة من زيارة الولي حدد والولي زيدان، وقد اختفت هذه الشعائر بعد أن انتشر التعليم واختفى الجهل وعلم الناس أمور دينهم، بعيدا عن الخرافات والخزعبلات.
أحداث متفرقة
لا يوجد في الرواية حدث رئيس يحرك مسارات السرد، وإنما مجموعة من الأحداث المتفرقة محدودة التأثير، وهذا متوقع في رواية اتخذت من القرية البسيطة الوادعة ميدانا لها، كما أن طبيعة القرى لا تحتمل أحداثا طويلة المدى، وقد قصدت الرواية من الأحداث الذي ذكرتها، التعريف ببعض الحكايات والقصص والنشاطات والقيم والعادات التي كانت سائدة آنذاك، بالإضافة إلى المعاناة وقسوة الظروف، وحكمة الرجال.
على الرغم من أن «فاطمة» الشخصية الرئيسية في الرواية، التي عنونت الرواية باسمها، إلا أنها كانت محدودة التأثير، بل أقرب إلى أن تكون قابعة في الظل تراقب ما يجري، مع أن أحداث الرواية كانت تبشر بأن تكون لها اليد الطولى بما تملك من بركات وقدرات على الشفاء، كما جاءتها البشرى في المنام، لكن لم يظهر ذلك إلا مرة واحدة، بل إن فاطمة نفسها لجأت إلى غيرها للشفاء طلبا للحمل.
والجميل في هذه الرواية أن مشهد البداية وافتتاحيتها كان نهاية الرواية؛ فقد بدأت الرواية من النهاية، ثم استعرضت حياة فاطمة وأهل المنطقة بشكل متسلسل زمنيا منذ طفولتها حتى رحيلها وزوجها إلى حي الغويرية في الزرقاء، واستقرارهم فيه كحال الكثيرين غيرهم؛ طلبا للرزق بعد أن ضاقت عليهم القرى التي لا يجدون فيها موارد كافية، ولذا يضطرون مرغمين إلى تركها والبحث عن بدائل ومصادر للدخل، ولا أفضل من المدن التي توفر كل شيء وتلتهم كل شيء.
اعتمدت الرواية على صوت «فاطمة» لتروي لنا ما يجري في العالوك وما يفعله أهلها في تنقلاتهم خارجها، بالإضافة إلى صوت الراوي العليم لرواية حياة العسكرية لعلي ابن خال فاطمة، وتنقلاته بين جرش والعبدلي والأغوار والقدس.
العلاقة الأردنية الفلسطينية
أكدت الرواية على العلاقة الوثيقة والمصيرية بين الأردن وفلسطين، من خلال شخصية الجندي علي ابن العالوك، الذي التحق بالجيش، وسرعان ما انتقلت كتيبته إلى القدس للدفاع عنها، فشاركت في معاركها، واستشهد مع الكثير من إخوانه فداء للقدس، وهي من الروايات القليلة التي التفتت لتضحيات الجيش الأردني في فلسطين، خاصة القدس.
الرواية ذات حمولة معلوماتية كبيرة من حيث الأمكنة والعادات والطقوس والرجال والتراث الشعبي وغيرها، ومعظمها مجهول، خاصة للأجيال الجديدة أو للقارئ غير الأردني، ولذا لجأ الكاتب إلى الحواشي (الهوامش) للتعريف والتوضيح، ما قد يعتبره البعض تشتيتا للقارئ، لكنه من ناحية أخرى ضروري لإزالة الغموض أمام القارئ، كما أنها سياحة ورقية مجانية للمكان والجغرافيا والتاريخ والتراث.
وبعد؛ فإن رواية «فاطمة.. حكاية البارود والسنابل» عمّان: دار الآن ناشرون وموزعون، 2021، 221 صفحة، إضافة مميزة لرواية المكان في الأردن، وخاصة قرى الزرقاء الغربية التي حظيت بأول رواية نسجت منها ومن أهلها وعاداتهم وتراثهم سردا جميلا. وهي رواية تستدعي أسئلة حول المكان الأردني المهمل روائيا، وخاصة الأرياف والبوادي المليئة بالحكايات والأحداث وبطولات الرجال، وتدعو إلى الالتفات إليها وتنميتها وتطويرها لتبقى حية بأهلها، محافظة على تراثها وأخلاقياتها.
وهذه الرواية هي الأولى للكاتب محمد عبدالكريم الزيودي، وقد صدر له من قبل مجموعتان قصصيتان: «ضوء جديد» 2015، و«وحيدا كوتر ربابة» 2019 بالإضافة إلى مجموعة من النصوص الدرامية. كما أنه ناشط ثقافي ومعد ومقدم برامج إذاعية تعنى بالمكان وروحه. وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين وأكاديمي يعمل في جامعة الزرقاء الخاصة.
كاتب أردني
المصدر: القدس العربي