البابور الموقع العربي

للريح، للجن، للشعر، لأحمد الخطيب

284

غازي الذيبة

القوافي أمل،

والحُداء على مهله كان يمشي

بين الخيام وفوق الأسل.

..

القوافي قُبل

كلما جُن ليل على خافقيه الكلام   

جُن الفتى في ذمار الخيام

وطل.

..

القوافي حجل،

ستشرق يا صوتُه في النداء علينا

وتفتح باب الذرى للصعود

وحين سنلقاك

سننعف أيامنا في القصائد..

نحن القصائد

نحن قوافي الجذل.

**

في الربوة المطلة على وادي عبقر، تأمل أول الهمس، وأول الندى والصدى والكتابة، كان يلتقط الكلمات التي تفرد جناحيها محلقةً خارج حمى الوادي، ينصب لها فخاخه بين عشب السؤال: أيمكنها أن تمضي إلى هناك. هنا، كان يقول: لا أريد التعثر بأوتاد الخيام وأنا عائد إليها بأسراب الطلاقة والغناء.

الفتى المتوجس، الحذر، الصامت، المكتوب على صفحته في السِدرة: شاعر، عاشق، ولِهٌ، معتقٌ بالسؤال، كان ينتظر تعليق وسام الريش على ياقته، لتحلق طيور الكلمات الخارجة من حمى الوادي لتحط على كتفيه.

بعد مكابدة مع البيان والسحر، تشعلقت الأحلام بروحه، فاهتدت خطاه الأولى إلى مجرات الضوء والصور.. هناك وقف يُنشد وسط ربوة الأغاني: أسماء من عبدوا الطريق إليها منذ المهلهل، مرورا بمضارب بني سلامان بحثا عن الشنفرى، وديار العبسيين لرؤية عروةِ بن الورد وأوابد كندة لمنادمة امرئ القيس، ووهاد نجد لمحادثة طرفة، حتى حلب المتنبي، الذي أظل القصيدة بأسطورته البلاغية، فغطى عين الشمس، ليقبض أحمد الخطيب بعدها على صوته، فيحدو وحيدا في براري المعنى، مفارقا ومتفقا مع نواة قلبه، ملوحا بنهر الشدو في سهوب الذرى.

ومنذ “كُنَّا نَغَارُ عَلَى الْعَوَاتِقِ أَنْ تُرَى”، و”قفا نبك” إلى ” لخولة أطلال ببرقة ثهمد” متهاديا بعدها بين “وقوفا بها صحبي على مطيهم”، و”أقسم جسمي في جسوم كثيرةٍ”، تنفس صاحبنا هواءه الأول تحت قبة المرتقى، فـ”على هذه الأرض ما يستحق الحياة” والشعر والأحلام والطيران فوق تل إربد، إلى أن وقفنا معه في هذا اليوم، لنشهد على حضور الشدو، وهو يتناثر بين دفتي المُترحل في بحور الشعر والوجد والتوق للانعتاق الأبدي في القصيدة.

**

من إعادة المعنى إلى المعنى، بدأ..

هذا هو الشعر، أن تتخلقَ المعاني من المعاني، وألا تقف عند حدود القاموس، خارجة على قانون السائد في تعريف الأشياء والكلمات، والنأى بنفسها عن الإقامة فيما هو مستقر، ومتدحرج على الألسنة، لتنبثق الينابيع من العيون، والرؤى من الأشجار، والغابات ُمن الليل.

تلك لحظةٌ فريدةٌ في مغامرتها، لا يحتملها العادي.. اليومي المسجون في قالب جاهز، يتشكل وفق ما درج عليه القول، فالشعر خارج ذلك كله، والشاعر كينونة تكتمل باكتمال الاختلاف عن النمط النائم فوق رفوف تاريخ القول.

ذات مساء، يقول: دهمتني مركبة وأنا أدون استهلال قصيدة تشبثت بي، كنت قد أنهيت كتابتها على طرف من صحيفة، ثم طويتها، حتى وجدتني في المستشفى، لم أسأل عما أصابني، سألت: أين القصيدة؟ فارتبك مَن حولي: مجنون.. أيسأل عن قصيدة وهو في هذه الحال؟ أخبرتهم: إنها مكتوبة على طرف فارغ من صحيفة كانت معي، وعندما أحضروها لي. كان فرحي قهوة اطمئنان صافية، فالقصيدة التي رشقتها فوق ذلك الفراغ، لم تمت، كانت تنبض بحياة ما تزال تسري في عروقي، حياةٍ مختلفة، لا تشبه أي حياة نعرفها، حياةِ السؤال، والبحث عن الذات، والتوغل في إنشاء قاموس، لم يحمله طلبة المدارس في حقائبهم بعد.

أليس هذا هو عين الجنون، الجنون الذي يحمي السؤال من عقلانية التصنم أمام صبورة المدرسة النظامية في الشعر والنثر والقلق؟

**

ما يزال أحمد الخطيب، يضع في نهاية كل جملة علامة استفهام غير مرئية، ويصر على أن السؤال، طريقهُ المُعبد في الحفاظ على القلق.. قلق الشاعر الذي أخلص للشعر، ودون أن يَطْرِفَ له جفن، ترك دراسة الطب، وقبض على شغفه، ذاك الذي قاده في طفولته إلى تل يطل على وادي عبقر، يوم رأى شقيقه يخط على ورقة أبياتا من الشعر، وحين تلمس حروفها خلسة، سأل: هل تُكتب رائحة العطر على الورق؟

ظل هذا السؤال يؤرقه إلى اليوم: هل يكتب ما يسيل من الروح في كل لحظة، لينقيها من ضجيج العالم ولوثته وعاديته واعتياده؟

التجأ الولد المشاكس للهدوء، ليرى الشعر، ومضى يلتقط الكلمات من الهواء والرياح وأوتاد الخيام، وبراكيات الألم، وتروايد الأمهات في الأفراح، وعديديهن في الأتراح، وفي كل مرة يكتشف الشعر، الشذى الذي لا تسجنه الكلمات، والضوء الذي يدخل حتى إلى الزنازن، إنه يتفتح في الروح، ويحتمي بالنقاء، يمنح معنى آخر للحقول، تعرفه الأزهار فقط، ويسيل في عطرها، وينهمل من ملح دمعة على خد طفل جائع، ويشعل جذوته في قلب يحتفي بالحرية، ويخلص لندهة أم على ابنها الغائب، ويقف تحت نافذة حبيبة ستُطل دائما بعد قليل، محملة بصندوق قصص عجيبة، لم يتسع المقام لابن بطوطة روايتها في رحلاته العجيبة حول العالم.

**

بعد قليل..

يترك أحمد الخطيب التل، ويهبط إلى الوادي، يبحث عن مرتقاه هناك، وقريبا من الأعشى والنابغة وابن حلزة وزهير وابن كلثوم وعنترة ولبيد والنابغة، يُمضي سحابة يومه، يسائلهم عن سيولة الكلمات وتدفقها في القصائد، وكيف يمكنه أن يصل إلى خلاصة الرحيق، فتسيل اللوعة على نار التجربة لإنضاج القصيدة، تلك هي التجربة، وذلك ما نسميه نحن الشعراء: التحليق.

وهناك يستمر في تجواله بين الشِعاب، منهمكا في معمل الشعر وكيميائه، دون أن يَقر في وطن للقصيدة، يحبسه بين أربع جدران ودفتي كتاب، لتغدو حياته كلها لحظة واحدة، تبدأ منذ تلمس حروف الورقة الأولى لقصيدة شقيقه، وحتى استرساله في منح الشعر كل هذه الغبطة المتناثرة في مجرات الصفاء.

**

حين أتحدث عن أحمد الخطيب، وهو ينأى بروحه عن اللهاث وراء خلود الشاعر في أبدية الصحارى الغاشمة، أتحدث عن الصخب الذي يعتمل في روحه، وهو يحلق خارج مزارع الدواجن الشعرية، تلك التي تطرب للتصفيق والمدائح الملوثة بالركون إلى أوهام الريادة والسيادة، والوقوف خلف المنابر،  فالشعر عنده مهمة مقدسة، الإخلاص لتحقيقها، يتطلب إقامة دائمة في صومعة الخروج على الجمال المكرس في الاعتياد، إنه مشروع بحث مستمر عن الجمال بما تحققه الحرية للجمال من جمال، وبما تصوغه المحبة من علاقات، تنهض بالروح لتنقذها من علب الهدايا المغلفة بشرائط البلاستيك الملونة، كل ذلك، ليمنح إقامته في الشعر، إخلاص العاشق في حربه مع القبح والمكرس والسائد.

وفي التجربة، يوم كان النشيد للحياة محرما، ويوم كانت أغاني الحرية تُطارَدُ ويُلاحق عشاقها بتهمة سرقة القلوب، والهتاف من أجل تغيير العالم، كانت القصائد المهربة في صناديق الريح ملاذه الأسمى، لبذر قمح التمرد على المتداول والعادي، في إصرار عنيد ومستمر على تغيير العالم فعلا، وكتابة الأشعار على الورق والجدران، لافتات تكسر رتابة اليومي، وتهشم الركون لخديعة الطمأنية في الأشياء والأفعال والأقوال.

**

كان مستهل تسعينيات القرن العشرين، بداية لانفراجات صغيرة، تحاول نقل العالم إلى مساحة أكثر رحابة للتحرر من قيود الممكن، لكنها كانت مجرد انفراجات أصغر من رأس الإبرة. كنا نتوقد في مرجل الجموح لأن نحظى بتخليق قصيدة تخرج على قانون الجاذبية، لتصنع قانونها الخاص، الذي سنغير به العالم.  كانت تلك المسافة التي تقودنا إلى هذه المهمة المقدسة شاقة، وكان أكثر من رأيتهم في جيلي هدوءا، وهم يشتغلون في مختبرها، أحمد الخطيب، الذي سبقنا وصدر له في العام 1985 ديوانه “أصابع ضالعة في الانتشار”، ثم، وبعد خمسة أعوام،  صدر ديوانه الثاني “حاجز الصوت”، ليجتازه بسرعة فرط صوتية في “أنثى الريح” و”اللهاث القتيل” و”مرايا الضرير” و”لايقل الكلام”.. إلى أن وقفنا اليوم لنحتفي بسفره الجامع لاثنين وعشرين ديوانا، لم يكن الزمن بين كل ديوان وآخر فيها، سوى رحابة مترقب لمقدم حبيبته من مجرة الوله، إلى جانب ما لم يعلن عنه في مجلدات أعماله الستة من دواوين، أعلم أنها ما تزال مخطوطة، تنتظر أن ترى النور قريبا.

**

حين التقينا في مطلع الشَهد أول مرة، كانت المناسبة أمسية شعرية في إربد. يومها بدا كل شيء متآلفا لنا. الكلام، الشعر، المهمات المقدسة في التغيير، الإحباطات، الجمال، النساء، الخرافات، القراءات.. كل شيء تقريبا، فتواصلنا وكأننا كنا معا في تلك المنطقة المُعشقة بنهار أبدي في وادي عبقر، ومنذها أصبح المكان والزمان جزءا فقط من مهمة تُرى بالروح فقط، فنحن نعيش صداقتنا بانهماك، تتوضح فيه التجربة لاصطياد القصائد، ومن زوايا كان صعب على العتمة أن تحجبها عنا، لأن القناديل كانت طريقتنا في ابقاء المحبة مستيقظة.

وبقي أحمد الخطيب، شاعرا ممتلئا بحقول الصور ومجرات النشيد، يلاحقه جن الشعر، ليلمس حرير قلبة، صديق عبقر المعشق بقلائد الريح. رأيته وهو يكتب أشعاره، وهو يدندنها، وهو يطبخها على نار الهدوء والتأمل، وتلقيت هداياه الثمينة، دواويين معطرة بتوقيعات، تثير فيّ كل الحواس المذهبة بألماس الألفة والندى والحقول.

وما يزال منهمكا في اجتراح معجزته الشعرية، بعيدا عن النمطي والناجز، مختلفا حتى مع نفسه، ومن لا يعرف أحمد الخطيب، الشاعر الذي ينهمر منه الشعر كما الحياة، ومن لا يعرف شغفه بالهدوء والهمس، ومن لا يعرف أنه ترك كل شيء في عالمنا من أجل أن تنهض القصيدة في الأرواح، وتصوغ معادنها النبيلة في وجداننا، فهو لم يعرف بعد، كيمياء الشعر وهي تتوهج لتبني أجمل المعمارات في مدن الخيال، وأعظم المعابد في سهوب الريح، وأعذب الأغاني في دروب الحرية، لتروي قصة أحمد وهو يزاول نحت أشعاره في باحات الندى وتحت غبطة الضوء المقدس في محراب الشعر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار