البابور الموقع العربي

متلازمة الانفصام … غريب الوجه واليد واللسان

57

د. رامي أبو شهاب

لا تبدو الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الباحثة الأمريكية اليهودية جوديث بتلر بعد تصريحاتها حول أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول سوى جزء من متوالية محاولة إسكات الضمير القيمي والثقافي للأشخاص الوازنين في المشهد الثقافي الإنساني. لقد تجرأت بتلر لتصف ما قامت به حركة حماس صبيحة يوم 7 أكتوبر بأنه يندرج ضمن المقاومة، وهو مفهوم لا يحتاج إلى الكثير من النباهة أو الذكاء، لكنه يحتاج إلى الكثير من الشجاعة التي – ربما- ليست جزءاً أصيلاً من واقع بعض المثقفين، فالأمر ليس سوى نتاج سياقي يتصل بالبيئة والتاريخ والثقافة، لكنه أيضا متصل بالقدرة على أن ترى الأمر بصورة صحيحة، متجرداً من كل شيء سوى الوعي الأخلاقي الحقيقي، قد لا تروق آراء بتلر للكثيرين، في ما يتعلق بقضايا أخرى، لكن هذا ليس سوى جزء من منظومة تشكل وعي المثقف، وهي لا تتجرأ، لأنها تنهض على مبادئ، وقناعات، وفي بعض الأحيان فإن إيمان المثقف بقضية ما تجعله غير قابل للتجزؤ، ومحاولة إعادة الحسابات لأجل أن يسترضي الآخرين.

د. رامي أبو شهاب


لا تختلف وقائع ما حصل مع بتلر عما حصل مع المخرج البريطاني اليهودي جوناثان غليزر الحاصل على جائزة أوسكار عن فيلمه «زون أوف إنترست» أو «منطقة الاهتمام» حين صرح على منصة الأوسكار: «إن فيلمنا، يظهر كيف يؤدي التجرد من الإنسانية إلى أسوأ حالاته.. لقد شكل ماضينا وحاضرنا». وأضاف: «في الوقت الحاضر، نقف هنا كرجال يدحضون يهوديتهم، والمحرقة، التي اختطفها الاحتلال، والذي أدى إلى صراع راح فيه العديد من الأبرياء». إن منطلقات هذا المخرج تتعالى في منطقها على الانتماء، والعمى الذي يمارسه البعض، ولدى العرب نطلق عليه التعامي لا العمى، كون الحقيقة ظاهرة للجميع. هذا المخرج الذي انطلق في فيلمه من قلق الإنسانية، ورفض التغاضي عن الألم، والقتل، ذلك أنّ التجرد من الإنسانية لم يكن ليستقيم مع جائزته التي حصل عليها لو أنه مارس التّعامي عما حصل في غزة.
ولعل هذا ما يجعل من قدرة الفنان والمثقف ضمن حالة انسجام مع وعيه الثقافي أو الفني، وما يكمن خارجه من أحداث يخضعها للقيم التي صنع من أجلها فنه في عالم يحكمه اللوبي الصهيوني، ومن جهة أخرى يتبنى بعض العرب الخطاب الصهيوني، ليشككوا في قيمة المقاومة، والتاريخ الفلسطيني، وهكذا فإن الحرب التي يخوضها الأحرار صعبة، ومؤلمة للغاية، فلا جرم أن نرى أن من يجهر بالقول في هذا الزمن، ليس سوى تجسيد حقيقي للإنسان بغض النظر، أكان مثقفاً أم غير مثقف، فالتجاهل أو الجهل يعني أن الإنساني يعاني من انفصام عن واقعه، وهذا حال الكثير من المثقفين والفنانين المعنيين بتحقيق نجاحات في عالم لن يبقى منه شيء سوى الموقف الإنساني. لا يمكن إلا أن نتأمل مسلكيات بعض كبار المثقفين والفنانين العرب المحايدين، أو من يعبرون على استحياء عن مواقفهم، إذ لا يمكن إلا أن نمارس مقارنة بمن يصرّ على أن يكون نصيرا لوعيه أو ضميره الإنساني، ولا يمكن أن ننكر أن لدينا مثقفين وفنانين كبارا أو عظاما، ولعلهم قد أسهموا في تقديم تصورات فنية ونقدية وأدبية، لكن في جلّ أعمالهم لم نلمح إحساساً عميقاً بالقيمة الإنسانية إنما بدت أعمالهم بقايا من ركام شكلاني لن يمكث في وعي الكثيرين بعد أن يمضي الزمن.
أن تقف في مكان تحكمه الصهيونية، وتجهر بالحقيقة، فإن هذا يعني أنك تغامر، ومع ذلك فجملة واحدة ربما تكفي لأن تبقى حاضراً في وعي التاريخ الإنساني الذي سيُبقي على اسم من انحاز للإنسان – على الرغم من التاريخ المزيف الذي يحيط بنا- ومع ذلك، فثمة دائما تاريخ موازٍ يصنع من قبل الإنسان الحقيقي.
لقد كتبت غاياتري سبيفاك كتاباً بعنوان «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» لكني هنا أتساءل عن وعي الإرادة والقرار في التكلم لا لكونك تابعاً، إنما لكونك إنساناً حراً، فهل نعتقد حقاً بقيمة الحرية! وهل تعبر كتبنا ولوحاتنا وأعمالنا الفنية عن جوهر ذاتنا، أو جزءاً من كينونتنا؟ لا شك بأنها ستحمل قيمة مضاعفة حين تتصل بالصدق الفني والموضوعي والإنساني، فلا شيء يبدو أكثر تعاسة وفراغاً حين تمسي أعمالنا مجرد تهويمات لا تمس عمق الإنسان، وهكذا لا يمكن إلا أن نتوقف ملياً أمام صنيع المخرج البريطاني، الذي انطلق من نقد المحرقة أو الهولوكوست، لكن أنّ له أن يمارس السكوت أو التعامي عن محرقة جديدة يرتكبها أبناء جلدته الذين جسد تاريخهم ومأساتهم؟
إن ذلك يعني وعي القيمة للعمل، في حين أن الكثيرين ممن يقفون على المنصات والمنابر يمارسون التجاهل، وربما في بعض الأحيان يمارسون الكذب لا على العامة فحسب، إنما على الذات، ما يعني أن هؤلاء لا يحملون فكراً ينطلقون منه، فيتهاوى كل ما قاموا به من أعمال، لأن اللحظة المفصلية في الوجود لا يمكن أن تنسلخ عن القيمة الفعلية للذات، وهي تواجه ذاتها.
تتجرد الذات عبر تحليل شبه نفسي إلى نموذج من التشظي والانفصام، ولاسيما حين تصدق أن ما تنطق به، وتمارسه ينسجم من القناعات، وفي معظمها قناعات الخطاب الرسمي للسلطة. ربما يكون الأمر أقل ضرراً حين تتجرد من الصدق -في بعض الأحيان- مضطراً… وهذا ما يمكن لنا أن نغفره في بعض الأحيان، لكن هذا يحتمل تداعيات كبيرة كونه سيبقى جزءاً من دائرة إنتاج المناخ السلبي عينه الذي يمكن أن نعدّه مسؤولاً عما نحن فيه من ضعف، وقلة حيلة، ففي اللحظات المفصلية في التاريخ لا يمكن أن نتجزأ، أو نجزئ قناعاتنا، ولاسيما حين نعلن عن أنفسنا ضمن مجالات الوعي، بما في ذلك مجالا الدين والثقافة.
إن المتأمل في نتاجات الثقافة العربية في اللحظة الراهنة يصدم من الانفصام الذي يعيشه صانعو المحتوى، بمختلف أشكاله، ولاسيما في شهر رمضان، إذ يمكن وصفه بأن غريب الوجه واليد واللسان، فثمة حقيقي وعي عربي يتصل بما يجري في غزة، أم أنه أضحى مُتماهياً من سردية الغريب… تأسيّاً بقصيدة فدوى طوقان حين قالت:
كان هناك جمعُ البوم والأشباحْ
غريب الوجه واليد واللسان وكان
يحوّم في حواشيها
يمدُّ أصوله فيها
وكان الآمر الناهي
وكان.. وكانْ..
وغصَّ القلب بالأحزانْ

كاتب أردني فلسطيني

القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار