البابور الموقع العربي

فلسطين: هل تحقق انفصال الدال عن المدلول؟

112

حجاج نصار

ربما يمكن القول بأن القبول بميوعة الدلالة هو تخل عميق عن المسؤولية، لأن نتيجته هي سيادة النسبية، لاسيما إذا كانت تلك الميوعة تفارق هامش اللغة، وتمتد تداعياتها إلى حياة الناس ومصائرهم. فالميوعة هي صنو السيولة والفوضي والفراغ والتسليم بالوقوف في منطقة بيضاء فارغة فاقدة لأي تاريخ أو مركز؛ ولتي سيملؤها لا محالة من يملك قوة الإملاء وفرض الدلالات بالعنف والتوحش؛ ويحقق عن طريقها أطماعه الدفينة للسيطرة والاستعمار، واستنزاف الطرف الأضعف.
وتتنوع أدوات تمييع الدلالة على أرض الواقع ما بين الإبادة، والتطهير العرقي، والقتل وتدمير كل مظاهر الحياة، والاحتيال بشتى الطرق لمحو ذاكرة شعب ما، والتطبيع كونه تطويعا، وغيرها من الأدوات التي تقوم على استراتيجية تسييل المعنى ومحوه، واستبداله عن طريق مراكمة وفرض الدلالات البديلة، في نسق يتتالى عبر صيغة فجة ومغلقة من متلازمة عنف الفعل وفرض الخطاب والمعنى على الأشياء بالقوة، في عريها الفاضح من الاستباحة وبث الخوف وقتل الناس بدم بارد تحت إطار من المعاني المشكلة من الإضافة إلى رغباتها الدفينة، فيأخذ الحق والباطل معناه من الارتباط بذلك الحيز ولا يتعداه.

مترادفات ميوعة الدلالة

وتترادف ميوعة الدلالة مع انفصال الدال عن المدلول، أي انفصال اللفظ عن المعنى والفكر عن الواقع، والوسائل عن الغايات الإنسانية، وتسييل وإذابة مرجعية الدال، والتشابك اللانهائي للدوال مع دوال أخرى، والإحالة وإرجاء المعنى إلى ما لا نهاية، وفرض اللامعنى كمعنى. كما تترادف ميوعة الدلالة عمليا، مع مفاهيم مثل تدويل المناطق؛ فعندما يتم تدويل منطقة ما تصبح فاقدة للسيادة، ليست ذات دلالة ترتبط بمرجعيتها الجغرافية لدولة ما أو تحت سيادتها أي مشاع للجميع في الظاهر، وضمنيا تخضع للأقوى، فهي استعمار مبطن وما تاريخ الاستعمار الغربي للعالم الإ نموذج من تمييع الدلالة المتجذرة للشعوب، وفرض الدلالة التي أرادها بالقوة لاستعمار تلك الشعوب.
ومن وجه آخر يتماهى المفهوم أيضا مع مفهوم الفراغ العمراني، كما يقول جمال حمدان (1928ـ 1993) «فهو وحده الذي يشجع الجشع ويدعو الأطماع الحاقدة إلى ملء الفراغ» كما يتجسد في وضع القضايا في مناطق تنغل بالخلاف غير المستقر، ويمتد الترادف إلى افتقاد الدال لأصله ومرجعيته المتراكمة بالفعل الإنساني، وافتقاد مرجعيته تعني افتقاد معايير الرؤية الإنسانية المشتركة كما الهوية، وافتقاد الحكم يعني أن الأمور تسير وفق اللامنطق؛ واللامنطق يؤدي إلى الإحباط، والإحباط يؤدي إلى افتقاد المعنى، ومن ثم الانهزام الكلي والخضوع لأي قوة عابرة.
ولتصور ذلك المفهوم ربما يمكننا مشاهدة مثال من «اللاحقيقة» وهو مسلسل «OZARK» الذي يندرج تحت تصنيف نيتشه «إرادة اللاحقيقة» مقابل «إرادة الحقيقة» نقول، ربما المتأمل لنهاية القصة يرى كيف تحول «مارتي بيرد» الذي بدأ كشخص متردد في خرق العقد الاجتماعي بصفته إنسانا يعيش في مجتمع إنساني، إلى شخص يذوب مع ذوبان المدلولات الإنسانية المتجسدة في انحدار أفعاله هو وزوجته «ويندي بيرد» ومن ثم أبناؤه، وكيف انحسر الدال في النهاية إلى كلمة العائلة أو «من أجل العائلة» وهي من أكثر العبارات تكرارا في فم الشخصيات لتبرير الأفعال البشعة التي قاموا بها، والتي وصلت في النهاية إلى دال مائع ومتماهٍ مع سياق حيواني توحد في أفعال الشخصيات، حتى ذاب الإحساس بالذنب الناتج عن الخلل بين المعيار والواقع، الذي كان يمثله الأبناء في هذه الحالة، وتحول بالتدريج إلى النقيض تماما عندما تدخلت السلطة وهي «المباحث الفدرالية» واعتبرت أن ما يقوم به «بيرد وويندي» أفعالا أخلاقية ما دامت بموافقة السلطة، وتقع في دستورها لإضفاء الدلالات على الأشياء، وانتهت القصة بتحرر العائلة من أي مرجعية إنسانية مشتركة أو متجاوزة؛ وتوحدها في سلوك متفق عليه مع السلطة، الذي جسدته الطلقة الأخيرة التي اطلقها ابنه كصوت في خلفية المشهد النهائي الذي انتهى إلى شاشة سوداء تشي بالانفصال التام كما الذوبان بين الدال ومدلوله، واتجاه خلاصة القصة نحو اعتبار الصحيح والخطأ والأخلاقي وغير الأخلاقي هو ما تُعرفه هذه السلطة وتهبه المعنى، بغض النظر عن ماهية أفعالهم وتداعياتها على حياة الآخرين. وهو نسق يبقي الدلالات في حالة ميوعة دائمة ويفارق الإنسانية ويلتصق بالغريزة الحيوانية في أبشع صورة لها.

السؤال والمسار

ومن هنا يأتي السؤال هل حقق الكيان الصهيوني ذلك النموذج على أرض الواقع؟ هل محا فلسطين وامتدادها التاريخي والثقافي ومرجعيتها في نفس كل إنسان ينتمي إلى هذه الدماء؟ هل غير ذلك الكيان دماء التاريخ بالإبادة وبكل ما يمتلك من منظومة دلالية عنيفة وأنثروبولوجية مخترعة؟ هل كل ما يقوم به من أعمال إبادة وتطهير عرقي وتدمير لكل مظاهر الحياة ساهم في مراكمة معنى إسرائيل المخترعة؟ ربما نحتاج في البداية إلى بسط مسار نسق الميوعة لمقاربة مدى تحققه من عدمه، فتقوم ديناميكية تسلسله على: فصل الدال عن المدلول وإدخاله في ميوعة ونسبية وإرجاء لانهائي للدلالة؛ والقبول بالميوعة هو تخل عن المسؤولية تجاه الإنسانية المشتركة يؤدي إلى حدوث الفراغ؛ والدوال الفارغة تغري تيارات القوى الطامعة والمدفوعة بإرادة القوة وغرائزها الدفينة الشرهه إلى ملء هذا الفراغ؛ وملء الفراغ يحيل إلى فرض المعاني والصحيح والخطأ من وجهة نظر هذه التيارات ودستورها الذاتي؛ ومن ثم اختراع المدلولات الجديدة يحتاج استخدام أدوات مثل التطهير العرقي والإبادة الجماعية؛ فالإبادة في معناها الأخير هي عملية محو الدال عن مدلوله، وإنشاء واقع جديد وتغذيته بكل الوسائل. وعند هذه النقطة يتشكل المفهوم في مجال الإحداثيات من منحنى يتجه إلى الأسفل ويجسد انفصال الدال عن مدلوله التاريخي كما حاضره، والدفع بالمستقبل للاتجاه نحو ذلك، ويجسد هذا المنحنى العالم العربي وحاضره المفتقد للحرية والإرادة. ومنحنى آخر يتجه إلى أعلى ويعبر عن ارتباط الدال بمدلوله المخترع ويجسده الكيان الصهيوني وواقعه المفروض بالقوة والعنف؛ ومن ثم دفع الكيان بمنحناه إلى نقاط انعكاس تحقق ما يريده بمعدلات أسرع؛ مثل الإبادة الدائرة حاليا في غزة، وتدمير كل مظاهر الحياة، والتطبيع، ومن جانب آخر فهي نقاط حرجة في مسار المنحنى المقابل تدفع بالعالم العربي إلى الانفصال التام عن تاريخهم وحضارتهم ومرجعياتهم النهائية، التي تشكل هويته، وخضوعه التام لقوى الاستعمار المبطن؛ حتى الوصول إلى حالة الموت الإكلينكي الكاملة وقتل الروح، وتحويلهم إلى جثث هامدة ليس لها أي وزن ولا يأبه بها أحد.
ومن هنا ربما يأخذ هذا النسق شكلا أكثر تجسيدا من ناحية الجغرافيا، فيبدو موقع فلسطين المحتلة على الخريطة في إطار ذلك النموذج؛ كالرأس لكل جسم الوطن العربي الذي يظهر كجناحين كبيرين أو سلتين كبيرتين معلقتين على رأس صغير، فيبدو ذراع الكيان الصهيوني في هذه المنطقة كانحسار للاستعمار القديم وتركزه في منطقة الرأس، الذي يتسلسل من الوجود على الأرض ومن ثم البدء في تغيير دلالة فلسطين والمنطقة كلها، على أساس مهم وخطير يعيه جيدا، وهو أن دلالة فلسطين وارتباطها بالعالم العربي كله نموذج مصغر لقانون الأواني المستطرقة يُختزل فيها كل التاريخ العربي والإسلامي، كما هوية أبنائه، وأي تغيير في أحدهما سينال الآخر لا محالة. وكأن الاستراتيجية تتجه نحو عملية تغيير عميق للعقل، باستبداله بعقل استعماري حديث في رأس المنطقة؛ ثم تطويع الجسد لأفكار الرأس، عن طريق تطويع العالم العربي مع الرأس القابع في فلسطين المحتلة، وتنويع ومد روابط مصالحها الذاتية معه، وهي التي أفضت صورتها النهائية إلى أن تظهر الأنظمة العربية كمن يقف في منطقة محايدة تحسبا للعنة الدمينو؛ وترجمتها الصورة البائسة التي شاهدها العالم اجمع لرمي المساعدات من الطائرات على شعب يباد. ومن هنا تنبثق عملية تطويع الجسم العربي كله عبر تطويع شعوبه، كإجبار مع ما يفكر فيه الرأس الأكبر؛ بكل الأدوات ومنها بث الخوف، والقهر، والأمراض والتجهيل، والتجويع، ومحو الإرادة وإفقاد عقوله الثقة وبتر الأمل، وبث البؤس واليأس في روح شبابه، والتمييع المستمر لأي معني ثابت واستبدالها بمعان مائعة، وإخماد أي مبدأ له صلة بالروح العربية، والمأمول في النهاية كما يريد هو الوصول إلى رأس له جناحان كبيران يسير بهما حيث يشاء، أي الخضوع الكامل. وما التطبيع في نهاية الأمر سوى الوجه الآخر للإبادة، وتفريغ العالم من ثقله وهويته؛ فالنتيجة تطويع لعقل العالم العربي مع الرأس والجسم السرطاني المزروع في رأس المنطقة، والقبول به كجسم طبيعي. وربما يكون من مؤشرات تحقق ذلك النموذج، هو فرض اسم إسرائيل بدلا من فلسطين على خريطة غوغل، ومنها أيضا الخريطة التي رفعها نتنياهو في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 78، وأشار إلى المناطق التي علمها باللون الأخضر عن الدول التي تربطها علاقات تطبيع مع الكيان الصهيوني، ومؤشرات الموت الاكلينيكي للعالم العربي، الذي أصبح مثل حارس البوابة يتحرك بالأمر ليس فيه نأمة لنخوة أو ضمير حي.

تسرب الدلالة

يبقي أن نقول إن الإجابة على السؤال ستشكل المستقبل ومصير المنطقة بأكملها فإما إدراك معنى الكماشة التي تنطق بها الجغرافيا، وقدرتها على عكس هذا النسق وتغيير المصير كله، وربما لن يتحقق ذلك الإ بإدراك تسلسل هذا النسق، والسعي إلى ضده بإدراك العالم العربي لوزنه الحقيقي ورفده بكل عناصر القوة وتغذية الروابط الداخلية وبترها مع ذلك الكيان؛ كما أكده التاريخ القريب وحققته الجغرافيا في أكتوبر/تشرين الأول 1973، التي كشفت عن الروح العظيمة في الأمة العربية وأنظمتها؛ في اتحادها وإدراك وتفعيل وزنها الحقيقي على المستويات كافة، عندما قررت أن لا تترك فراغا يملأه أي مستهتر، وأكدت دلالتها التاريخية وقوة مرجعيتها الخالدة، كما أكدت دلالة فلسطين التاريخية والجغرافية ومعناها العميق. وإما القبول بهذا النسق والخضوع لديناميكياته والتسليم بكون العالم العربي مجرد أجنحه كبيرة تابعة للرأس أو سلال للموارد. ورغم أن أدوات تغيير دلالة فلسطين مستمرة وبعنف، ورغم أن هذا النسق نظام مغلق يتزايد ككرة الثلج، فإن فصل الخطاب هو ما يقوم به الشعب الفلسطيني؛ الذي يختزل الروح والإرادة الباقية في هذه الأمة كلها، وأن ما يحدث في غزة الآن هو عكس ما أراده المحتل من محو شعب وتاريخ وروح أمة كاملة وتثبت دلالة مخترعة بالإجرام والإبادة، فتسربت أفعاله وتحللت وأصبحت تغذي الروح الذي أراد محوها، ففلسطين التي أراد أن يقتلع جذورها التاريخية والثقافية وحاضرها ومستقبلها، تدفقت تنمو بكل قطرة دم يريقها وكل جسد طاهر تحت الأنقاض، فكل ذرة تراب يهدمها تقابلها ألف بذرة لدلالة فلسطين وألف حياة مقبلة، وارتفاع لمنحنى دلالتها في وعي شعوب العالم؛ وانتصاره لما أثبته التاريخ وأكدته الجغرافيا، وأحيته دماء أبناء شعبها، وفي المقابل نقاط انعكاس وانحدار حاد لذاته وليدة الإجرام والاستثناء، وكيانه المخترع، ولشرايينه الكبرى من الدول التي تغذيه بأدوات الإبادة والتوحش، ووكلائها وحراس بواباتها البائسين. وهو مؤشر للنهاية وانتصار لدرس التاريخ؛ إنه لم يثبت أبدا نقش على ماء.

كاتب من مصر

القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار