البعد الديني في الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران
تمهيد الطريق لإقامة إسرائيل الكبرى ومعركة "هرمجدون" الفاصلة
سمير الحجاوي
تتجه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في الأسابيع الأخيرة إلى ما هو أبعد من التبريرات العسكرية التقليدية، لتتغذى بصورة متزايدة على لغة رمزية دينية وتاريخية تُحوّل الصراع من نزاعٍ على البرنامج النووي والردع الإقليمي إلى معركة هوية ومعنى.
ويُظهر رصد تصريحات قادة ومسؤولين من واشنطن وتل أبيب، خلال فبراير ومطلع مارس 2026 تحديدًا، كيف يجري تثبيت صورة إيران لا بوصفها خصمًا سياسيًا فحسب، بل باعتبارها “شرًا” ينبغي اجتثاثه، مع توظيف مكثف لسرديات توراتية مثل “إستير والفرس” وإحالات إلى “أرض الميعاد” وما يُسمّى “إسرائيل الكبرى”، بما يضغط على مساحة التسوية ويجعل الحرب قابلة للتسويق الداخلي بوصفها واجبًا أخلاقيًا أو قدرًا تاريخيًا
في واشنطن، يبرز خطاب «الإنهاء والحسم» بوصفه أحد مفاتيح التوسيع الرمزي للحرب. ففي تغطية حديثة للأحداث الجارية، نُقل عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله إن العمليات “تسير بسرعة نحو النهاية الحاسمة”، مع تأكيده استمرار القتال حتى تتحقق الأهداف الأمريكية، ويعتبر ان هذه الحرب هي حرب “الحضارة ضد البربرية والهمجية”
ويضع ترامب الحرب في سياق “الدفاع عن أمريكا والعالم”، ويقول: “هدفنا هو حماية الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الملحة من النظام الإيراني… إن أنشطته المهددة تُعرّض الولايات المتحدة وقواتنا وأسسنا والخُصوم حول العالم للخطر”. وأنّ “الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي مطلقًا، وأنه يعمل لمنع ذلك مهما كلف الأمر”.
ويتعامل ترامب مع الصراع ضد ايران بوصفه مواجهة ضد تهديد للإنسانية ولـ”الحضارة”، وفي رسالة مصوّرة نشرها الرئيس الأمريكي، قال إن الضربات التي تشنّها الولايات المتحدة على إيران جزء من مهمة “أخلاقية” تهدف لحماية العالم من الإرهاب:”هذا واجبنا كمجتمع حر… هذه الإجراءات صحيحة وضرورية لضمان ألا تضطر أمريكا أبدًا لمواجهة نظام متطرف مسلّح بأسلحة نووية ويمثل تهديدًا”. كما أضاف في موضع آخر: “سننتقم من موتهم ونوجّه أشدّ الضربات لأولئك الذين شنّوا حربًا على الحضارة بأسرها”.
ويأتي خطاب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أكثر حدة في تحويل الحرب إلى رسالة ردع ذات طابع عقابي مطلق. ففي 1 مارس 2026 نُقل عنه قوله: “إذا قتلتم أو هددتم أمريكيين في أي مكان في العالم كما فعلت إيران، فسوف نطاردكم وسنقتلكم”
هذا النوع من اللغة يرفع منسوب “الأخلاق العقابية” في القرار السياسي، ويستبدل منطق الاحتواء والتفاوض بخطاب المطاردة والإنزال بالعقوبة، بما يخلق بيئة اجتماعية أقل تقبلًا للتهدئة وأكثر استعدادًا لتوسيع دائرة الاستهداف.
أما نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس فقد حاول تقديم صياغة تُظهر الحرب وكأنها “محددة الهدف”، لكنه في الوقت ذاته كرّس فكرة المواجهة المفتوحة مع “جوهر” الدولة الإيرانية عبر البرنامج النووي. ففي يونيو 2025 نقلت رويترز عنه قوله إن الولايات المتحدة “ليست في حرب مع إيران” لكنها “في حرب مع برنامج إيران النووي”.
وبينما تبدو العبارة تقنيًا أقل حدة من لغة الإنهاء، إلا أنها عمليًا تفتح الباب لتوسيع الضربات طالما أن تعريف «البرنامج» يمكن أن يتسع ليشمل منشآت وبنى ومؤسسات وشبكات مرتبطة به.
وفي الجانب الأشد ارتباطًا بفكرة «إسرائيل الكبرى» وسردية الأرض الموعودة، جاءت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي في فبراير 2026 لتمنح البعد الديني-الترابي صياغة مباشرة. ففي مقابلة أوردتها رويترز، وعند سؤاله عن امتداد “الوعد” من النيل إلى الفرات، ردّ هاكابي: “سيكون أمرًا مقبولًا لو أخذوا كل ذلك”.
هذه العبارة هي من أكثر الاقتباسات حداثة ووضوحًا في ربط السياسة بقراءة توراتية جغرافية، وهي تُستدعى عادة في أدبيات “إسرائيل الكبرى” حتى لو لم تكن سياسة إسرائيلية رسمية معلنة، لكنها تؤدي وظيفة تعبئة رمزية خطيرة: تحويل الحدود إلى قضية لاهوتية لا قابلة للتفاوض، وربط أمن المنطقة برؤية توسعية مؤدلجة.
وفي سياق الحرب على إيران نفسها، نُقل عن هاكابي أيضًا خطاب يضع إيران بوصفها عدوًا مشتركًا يهدد “الحرية” في إسرائيل وأمريكا معًا، إذ قال وفق ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست: «الحرية التي تتمتعون بها هنا… مهددة يوميًا بأعداء مثل إيران… إيران جلبت الموت لأمريكا… وتعمل على بناء تهديد نووي عالمي”.
هذه اللغة، وإن بدت سياسية، إلا أنها تستبطن ثنائية أخلاقية تقسم العالم إلى فضاء “خير” وفضاء “شر”، وهي من البنى التي تسمح للخطاب الديني أو الخلاصي بالتسرب إلى قلب التبرير السياسي.
في تل أبيب، بلغ توظيف السرديات الدينية ذروته مع خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الصادر في 28 فبراير 2026، حيث دمج بين الحرب الجارية وسردية “الفرس” في قصة الملكة إستير ضمن طقوس “عيد البوريم”. وقد قام باطلاق مسمى “زئير الأسد” على الحرب ضد إيران، وهي عبارة توراتية.
وقد جاء في النص المنشور: “قبل 2500 عام، في فارس القديمة، نهض عدو ضدنا بهدف تدمير شعبنا تدميرًا كاملًا… لكن مردخاي اليهودي والملكة إستير… أنقذا شعبنا… وحتى اليوم… فإن نهاية النظام الشرير ستأتي أيضًا. ثم أضاف نتنياهو في السياق نفسه استدعاءً دينيًا صريحًا من سفر عاموس: «زأر الأسد، فمن لا يخاف؟» وختم بإحالة مباشرة إلى البعد الإيماني: “وبعون الله سنضمن أبدية إسرائيل”.
هذا الاقتران بين “إستير والفرس” وبين الحرب الحديثة يقوم بوظيفة مزدوجة: أولًا يصنع استمرارية تاريخية تُحوّل إيران المعاصرة إلى امتدادٍ رمزي لـ”للفارس اليهودي القديم الذي يهزم الفرس”، وثانيًا ينقل الحرب من “إزالة تهديد” إلى “تكرار ملحمة نجاة” يتوقع الجمهور الاسرائيلي اليهودي والانجيلي المسيحي فيها خاتمة خلاصية.
أما زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد فقد أظهر دعمًا للهجمات على إيران من زاوية “وجودية” تُحاول أن تظل سياسية أكثر من كونها لاهوتية، لكنه منحها توصيفًا أخلاقيًا عالي السقف. فقد نقلت رويترز في 28 فبراير 2026 أن لابيد وصف الحملة بأنها “ضرورية وأخلاقية”، ودعا إلى تدمير القدرات الباليستية والنووية وحتى النظام، معتبرًا التهديد “وجوديًا”
هنا يظهر نمط مختلف من التأطير: ليس استدعاء النصوص، بل رفع الصراع إلى مرتبة “الحملة الأخلاقية”، وهي صياغة قد تؤدي عمليًا إلى النتيجة نفسها، أي تضييق مساحة التسوية لأن «الأخلاقي» حين يتحول إلى مطلق يرفض أنصاف الحلول.
الصورة العامة التي ترسمها التصريحات الامريكية والاسرائيلية تشير إلى آلية واحدة متكررة وهي: تحويل إيران إلى “رمز للشر المطلق” و”امتدادٍ لعدو تاريخي”، وربط الحرب بسرديات خلاصية مسيانية و توراتية أو ثنائيات أخلاقية مطلقة. وهذه الآلية هي التي تجعل الحديث عن “إسرائيل الكبرى” و”نهاية الزمان” و”هرمجدون” قابلًا للتسرب في الوعي الغربي، الامريكيك والاوروبي خاصة بين “الانجيليين” و “الصهيونية المسيحية”،حتى عندما لا يُذكر اللفظ صراحة في كل تصريح رسمي، لأن بنية الخطاب نفسها تهيئ الجمهور لتلقي الحرب بوصفها قدرًا دينيًا أو معركة نهائية لا تقبل التسوية.