100 ساعة على الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية.. نقطة تحول تاريخية
طهران تسعى لحرب استنزاف إقليمية طويلة
سمير الحجاوي
بعد مرور نحو مئة ساعة على اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، لا يبدو أن ما يجري مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل أقرب إلى لحظة تاريخية مفصلية قد تعيد تشكيل ملامح الشرق الأوسط لعقود قادمة. فالحروب الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الضربات أو عدد الصواريخ، بل بما تفتحه من تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي والدولي. وفي كثير من الأحيان، تكشف الأيام الأولى من الحرب عن طبيعة المرحلة التاريخية التي دخلتها المنطقة، وما إذا كانت أمام صراع قصير محدود أم أمام نقطة انعطاف كبرى.
لقد اعتادت الاستراتيجية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية في العقود الماضية الاعتماد على الضربة السريعة الحاسمة، التي تهدف إلى شل قدرات الخصم في الأيام الأولى وإجباره على القبول بنتائج الحرب قبل أن تتحول إلى مواجهة طويلة. غير أن مرور مئة ساعة دون انهيار سريع في بنية الدولة الإيرانية أو في قدرتها العسكرية والسياسية يشير إلى أن الحرب لم تحقق حتى الآن هدف الحسم الخاطف، وأن الصراع بدأ يميل تدريجيًا إلى نموذج أكثر تعقيدًا.
وهنا تبرز اللحظة التاريخية الحقيقية للصراع. فالمواجهة مع إيران ليست مجرد معركة حول برنامج نووي أو توازن عسكري تقليدي، بل هي في جوهرها صراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فإيران تمثل – في نظر خصومها – مركز ثقل لمحور إقليمي واسع يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط. ومن هذا المنظور، فإن ضرب إيران يعني محاولة إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة بأكملها.
لكن التاريخ الحديث يبين أن الحروب التي تُشن بهدف إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية غالبًا ما تتحول إلى حروب طويلة، لأن الخصم الذي يشعر بأن وجوده مهدد يميل إلى القتال بمنطق مختلف تمامًا عن الحروب التقليدية. فحين تصبح الحرب حرب بقاء، تتغير قواعدها وتتحول من معركة على الأرض أو المنشآت إلى معركة على الإرادة والقدرة على الصمود.
المزيد من المشاركات
وفي هذا السياق، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يمكن لإيران أن تصمد في مواجهة هذا الضغط العسكري الواسع؟
التجارب التاريخية القريبة تقدم أمثلة لافتة في هذا المجال. فقد خاضت الولايات المتحدة أطول حروبها في أفغانستان، وأنفقت مئات المليارات من الدولارات، واستخدمت أعقد أدوات القوة العسكرية، لكنها في نهاية المطاف انسحبت بعد عقدين من الحرب دون أن تحقق أهدافها السياسية النهائية. كما أظهرت تجربة غزة، على الرغم من الفارق الهائل في موازين القوة، أن القدرة على الصمود والاستمرار في القتال يمكن أن تقلب الحسابات العسكرية التقليدية وتمنع تحقيق الحسم السريع.
ولا يعني ذلك أن إيران تشبه أفغانستان أو غزة من حيث الظروف أو الجغرافيا السياسية، لكنها تشترك معهما في عنصر جوهري: إمكانية تحويل الحرب من مواجهة تقليدية قصيرة إلى صراع طويل معقد. فإيران ليست مجرد هدف عسكري، بل دولة كبيرة ذات بنية مؤسسية، واقتصاد واسع، وشبكة تحالفات إقليمية، وقدرة على إدارة صراع ممتد في أكثر من مسرح.
ومن هنا فإن مرور مئة ساعة دون حسم قد يكون مؤشرًا أوليًا على أن الحرب دخلت بالفعل مرحلة مختلفة عما كان مخططًا لها. فإذا لم تحقق الضربة الأولى أهدافها الاستراتيجية، فإن الحرب تميل عادة إلى التحول إلى حرب استنزاف طويلة، وهي المرحلة التي تصبح فيها القدرة على الصمود والتحمل عاملًا حاسمًا في تحديد نتيجة الصراع.
وعند النظر إلى المشهد الأوسع، يتضح أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام نقطة تحول تاريخية. فإذا تحولت هذه المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة، فإنها قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة. أما إذا نجحت إيران في الصمود وامتصاص الضربة الأولى، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية تختلف جذريًا عن تلك التي سادت المنطقة خلال العقود الماضية.
وهكذا، فإن المئة ساعة الأولى من الحرب لا تمثل نهاية المعركة، بل قد تكون مجرد بداية فصل جديد في صراع أعمق بكثير. صراع لا يتعلق فقط بالسلاح أو الجغرافيا، بل بمستقبل النظام الإقليمي كله، وبالسؤال الكبير الذي يواجه المنطقة اليوم: هل نحن أمام حرب عابرة، أم أمام لحظة تحول تاريخي قد تغير الشرق الأوسط لسنوات