البابور الموقع العربي

اليابان عقمت “سرا” آلاف اليابانين لتحسين النسل الياباني على مدى نصف قرن

361

ترك التعقيم القسري، وهو انتهاك خطير لحقوق الإنسان وصمة عار قاتمة في تاريخ العديد من البلدان حول العالم. إحدى هذه الدول هي اليابان، إذ أُجبر عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يعانون أمراضاً وراثية وعقلية على الخضوع إلى التعقيم بموجب قوانين ظلت سارية حتى تسعينيات القرن الماضي تحت ستار “تحسين النسل”.

وكشف تقرير حكومي يتألف من 1400 صفحة، قُدّم إلى البرلمان الياباني هذا الأسبوع، كيف أُجريت عمليات جراحية بين عامي 1948 و1996 لنحو 16500 شخص من دون موافقتهم بموجب القانون الذي يهدف إلى “منع ولادة نسل ذي نوعية رديئة… وحماية حياة الأم وصحتها”، وفقاً لما نقلته صحيفة الغارديان البريطانية، التي قالت إن معظم الضحايا كانوا من النساء.

وقد أثار التقرير، الذي كشف أن أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم تسعة أعوام كانوا من بين آلاف الأشخاص الذين عُقّموا قسراً بموجب قانون تحسين النسل، الكثير من ردود الفعل الغاضبة من النشطاء في اليابان. وسبق أن سلطت الدعاوى القضائية لطلب التعويضات الضوء على هذه الممارسات ونتائجها، كما أثارت أسئلة حول مدى التزام الحكومة بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

أصل الحكاية

يمكن إرجاع أصول برنامج التعقيم القسري في اليابان إلى أوائل القرن العشرين، عندما اكتسب مفهوم تحسين النسل مكانة بارزة في جميع أنحاء العالم. بتأثير من أيديولوجيات تحسين النسل، سنّت الحكومة اليابانية قانون حماية تحسين النسل في عام 1948، الذي سمح بتعقيم الأفراد الذين يُعتبرون “أدنى جينياً” أو أولئك الذين يعانون أمراضاً وراثية.

وبموجب قانون حماية تحسين النسل هذا، استهدفت السلطات في المقام الأول الأشخاص ذوي الإعاقة والأمراض العقلية وذوي الإعاقة الذهنية، إلى جانب أولئك الذين اعتُبروا غير لائقين اجتماعياً للإنجاب.

وقد اتُّخذ قرار تعقيم الأفراد من مجالس تحسين النسل، المؤلفة من مهنيين طبيين، الذين غالباً ما يتمتعون بسلطة كبيرة في تحديد مصير الحقوق الإنجابية للأفراد.

منذ سن قانون حماية النسل إلى إلغائه رسمياً في عام 1996، أُجريت الآلاف من عمليات التعقيم القسري في اليابان. وغالباً ما كان الأفراد يخضعون إلى هذه الإجراءات من دون موافقتهم المستنيرة، بينما أُجبر البعض أو ضُلّلوا لإعطاء موافقتهم بحجج كاذبة.

وأشار التقرير إلى أن التعقيم بموجب قانون تحسين النسل البائد الآن – والذي سمح للسلطات بتنفيذ الإجراء على الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية أو الأمراض العقلية أو الاضطرابات الوراثية لمنع ولادة أطفال “أدنى” – كان شرطاً للقبول في بعض مرافق الرعاية الاجتماعية أو للزواج.

ضحايا “الألم الهائل”

كان للتعقيم القسري تأثير عميق في حياة من تعرضوا له، ما أدى إلى إصابات جسدية وعاطفية ونفسية عميقة. عانى العديد من الضحايا فقدان الاستقلالية، وعانوا اكتئاباً حاداً، ووصموا بالعار الاجتماعي بسبب حالة تعقيمهم. الندوب التي خلفتها هذه الممارسات لا يزال يشعر بها الناجون وعائلاتهم اليوم.

وبعد نشر التقرير، قال كبير أمناء مجلس الوزراء، هيروكازو ماتسونو، إن الحكومة “تفكر بصدق وتعتذر بشدة عن ضحايا “الألم الهائل” الذين عانوا التعقيم القسري”.

بينما أشاد المحامي الذي يمثل الضحايا كوجي نيساتو بالتقرير لكشفه الرعب الكامل للتعقيم القسري، لكنه قال إنه ترك أسئلة مهمة من دون إجابة. ونقلت وكالة كيودو للأنباء عن نيساتو قوله: “لم يكشف التقرير عن سبب وضع القانون، ولماذا استغرق تعديله 48 عاماً أو لماذا لم تُعوَّض الضحايا”.

تجدر الإشارة إلى أن سويسرا وألمانيا اللتين كانتا تمتلكان قوانين مشابهة لم تلغيا العمل بهذه القوانين قبل عقود من اليابان وحسب، لكنهما اعتذرتا إلى الضحايا وقدمتا تعويضات منذ ذلك الحين.

المطالبة بتعويضات

في عام 2018 فقط، اعترفت الحكومة اليابانية رسمياً بالظلم وأصدرت اعتذاراً لضحايا التعقيم القسري. واستجابة للحركة المتنامية من أجل العدالة، أصدرت الحكومة قانوناً لتقديم تعويضات للناجين، مع الاعتراف بالحاجة إلى الإنصاف والدعم للمتضررين من هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان.

في حين أن إلغاء قانون حماية تحسين النسل واعتذار الحكومة يمثلان خطوات مهمة نحو العدالة، إلا أن ذلك لا يكفي من دون دفع تعويضات لتلافي الضرر الجسدي والنفسي للضحايا وعائلاتهم. وعلى مدى عقود، قامت ضحايا برنامج التعقيم بحملات من أجل الحصول على تعويضات مالية والاعتراف بالمعاناة الجسدية والعقلية التي تعرضوا لها.

في عام 2019، أصدر النواب تشريعات تعرض على كل ضحية تعويضاً حكومياً مقداره 3.2 مليون ين (22800 دولار) – وهو مبلغ قال النشطاء إنه لا يعكس المعاناة التي عاناها الضحايا. من المقرر أن ينتهي الموعد النهائي لتقديم الطلبات للدفع في أبريل/نيسان 2024، لكن حتى الآن لم يتلق المبلغ سوى 1049 فقط، وفقاً لما نقلته الغارديان عن وسائل إعلام محلية.

وبحسب الغارديان، قضت أربع محاكم بتعويضات للضحايا حتى الآن، لكن آخرين انحازوا إلى الحكومة، قائلين إن قانون التقادم لمدة 20 عاماً قد مر. بينما جادل المحامون بأن الضحايا علموا بطبيعة الجراحة بعد فوات الأوان للوفاء بالمهلة القانونية لطلب الإنصاف.

شهادات حية

في وقت سابق من هذا الشهر، رفضت محكمة عليا مطالبات بالتعويض من امرأتين، بما في ذلك جونكو إيزوكا، التي كانت تبلغ من العمر 16 عاماً عندما نُقلت إلى عيادة في شمال شرق اليابان وأجبرت على إجراء عملية جراحية غامضة، اكتشفت لاحقاً أنها ستمنعها من إنجاب الأطفال.

وقالت إيزوكا (77 عاماً) للصحفيين هذا الأسبوع “جراحة تحسين النسل حرمتني من كل أحلامي المتواضعة بزواج سعيد وأطفال”. وأضافت: “بمجرد إخبار زوجي، تركني وطالب بالطلاق. أُصبتُ بمرض عقلي ولم أستطع العمل. وشُخِّصت باضطراب ما بعد الصدمة. جراحة تحسين النسل قلبت حياتي رأساً على عقب”.

TRT عربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار