البابور الموقع العربي

ياسر عودة… نموذج العمامة التي تربك “حزب الله” (فيديوهات)     

314

القرار الذي اتخذته إدارة التبليغ الديني في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، بتجريد الشيخ ياسر عودة من أهليته الدينية، ينطوي على أبعد من الأسباب المدرجة في القرار المذكور.

طارق إسماعيل – كاتب لبناني

    لم ينتسب الشيخ ياسر عودة يوماً إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. وهو يجاهر بأنه ضد المجالس الملِيَّة. ويجاهر أكثر بأن هذه المجالس تحولت إلى خط دفاع عن الفاسدين.

القرار الذي اتخذته إدارة التبليغ الديني في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، بتجريد الشيخ ياسر عودة من أهليته الدينية، ينطوي على أبعد من الأسباب المدرجة في القرار المذكور.

     خبايا المعايير المدرجة في القرار تفضي إلى ارتباط متين بين الدين والسياسة. والأخيرة تندرج كمعيار حقيقي للقرار الذي غُلّف بالدين.

الشيخ ياسر عودة اذا خلصتم من عمامتي هل ستخلصون مني .. لن يسكتني الا الموت

 جغرافياً، ينتمي الشيخ ياسر عودة إلى البيئة الجنوبية، فهو ابن قرية برعشيت الجنوبية في قضاء بنت جبيل، تشكلت صرخته السياسية والدينية غالباً من تماسه مع البؤس الاجتماعي لهذه البيئة.

من مسجد “الإمام السجاد” في حي السلم، الحي الأكثر فقراً في المناطق الشيعية، يطل الشيخ عودة يومياً على جمهور مثقل بوضع اجتماعي ومعيشي مزرٍ، وتسعفه لا شك وسائل التواصل الاجتماعي.

 

ياسر عودة.. رجل دين يكثر من الإضاءة على وقائع البؤس، والأهم على أسبابه التي لا يواريها بالعموميات

وفرادة إطلالاته أنه رجل دين يكثر من الإضاءة على وقائع البؤس، والأهم على أسبابه التي لا يواريها بالعموميات، أو بالتلميح. يذهب عودة مباشرة إلى التصريح، ويعرّي ثنائية “حزب الله – حركة أمل” في بعديها السياسي والديني بتحميلها أسباب البؤس.

  منذ العام 2017، بدأ الواقع الشيعي يشاهد رجل دين يغرد خارج سرب الثنائية الشيعية. قد لا ينطوي الأمر هنا على فرادة، وإن تبدَّى كإثم في الخروج من بيت الطاعة الدينية والسياسية للشيعة. تكثيف الإثم والفرادة بدآ مع انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، ومباشرة عودة رفع الصوت أكثر في وجه “حزب الله” و”حركة أمل”، وإدانته ممارساتهما في وجه المنتفضين، والتي تنكبها الطرفان بالعصي والسلاح، وبالتورية.

  نحن إذاً أمام رجل دين شيعي معارض، وأمام قطبية سياسية دينية تضيق بالانعتاق عنها، وأمام جمهور شيعي لا تني “العمامة” تشكل هويته السياسية والدينية. 

واقع كهذا افترض بالضرورة أننا أمام نموذج يجب ألا يتمدد في الواقع الشيعي، لا سيما أن الرجل يأتي من مدرسة دينية أُدرجت كضالَّة ومُضلة في الاعتقاد الشيعي، وتزاحِم المدرستين الدينيتين للشيعة في النجف وفي قم، مع ما ينطوي الأمر على بعد سياسي أيضاً.

  عاش عودة غالبية حياته الدينية إلى جانب المرجع الراحل محمد حسين فضل الله، المدرج في الصفة الذمية الآنفة الذكر. وعودة لامس مباشرة ما تنكبه المرجع الراحل وهو يباشر تهفيت كم لا بأس به من “الثقافة” الشيعية السائدة والمستحدثة، والتي سُيلت كطقوس واعتقادات دينية في خدمة المشاريع السياسية والدينية في لبنان والعراق وإيران.

   ولئن مارس فضل الله اغترابه عن الكثير من السائد الشيعي بالتقية في واقع مثقل به، راح عودة يكثفها كإدانة. بدأ عودة الخروج عن الدور التقليدي لرجل الدين الذي يجتنب السياسة إذا لم تخدم ثنائيتها. صار والحال نقيضاً للمُبلِّغ الذي تأطر دوره في المجتمع الشيعي إلى مجرد “ديكور” تمتطيه السياسة، أما استثناءات هذا الواقع فترتبط غالباً بتماهي الأخيرة مع الدين في رجل واحد، والنموذج الأبرز عن هذه المواءمة هو أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله.

    لم ينتسب الشيخ ياسر عودة يوماً إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. وهو يجاهر بأنه ضد المجالس الملِيَّة. ويجاهر أكثر بأن هذه المجالس تحولت إلى خط دفاع عن الفاسدين.

 في إحدى خطبه الأخيرة، والتي عجَّلت على الأرجح قرار التجريد، كان عودة مباشِراً أكثر في الاتهام، وفي إدانة تلك الثنائية السياسية الدينية، وتحديداً في لبنان والعراق، وهو أمر لا يحتمل أصلاً أي اجتهاد عمن يتحكم بمصير البلدين. ربط عودة بين السرقة وببن البؤس، وبلا تورية. إنها الشيعية السياسية والدينية. ويكفي ذكره في الخطبة نفسه انتقال معامل “الكبتاغون” إلى العراق ليصير البحث عن مقاصد الرجل عبثياً.

   للمناسبة، تزامن قرار تجريد عودة من أهليته الدينية مع مشاهدة اللبنانيين وقائع عن البؤس المعيشي للبيئة الشيعية. إذ كان مواطنو بلدة عين قانا الجنوبية يعتصمون ويقفلون الطرق على خلفية انقطاع التيار الكهربائي عن البلدة لأكثر من خمسة أيام. إنها المشهدية التي غالباً ما أدان عودة الثنائية الشيعية بوقائعها.

   الوقائع أيضاً اتسعت لصرخة مواطن يشتم نائبي المنطقة محمد رعد وهاني قبيسي، وصرخة امرأة “تعاير” رئيس كتلة الوفاء للمقاومة بصوتها الذي ذهب إليه، كما الكثيرين مثلها.

  باقي المشهدية صار معروفاً، ويتكرر منذ مباشرته للمرة الأولى من “حي السلم” تحديداً، إلى راهنيته في “عين قانا”. الاعتذار، وفي مشهد يشي بالذل وبضيق الفضاء الشيعي الذي لا يتسع إلا لأمثال محمد رعد وهاني قبيسي، ويتسع “للإكليروس” الشيعي الذي يمنحه القداسة والمناعة المذهبية،  ويضيق بالطبع على صرخة مواطن يائس، وعلى شيخوخة امرأة، وهناك من يريد أن يضيقه  على ياسر عودة.

   والحال، أن المعايير التي أدرجتها إدارة التبليغ الديني في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، كأسباب لتجريد الشيخ عودة من أهليته الدينية، هي معايير يفترض أن تجتنب عودة لتطاول شريحة كبيرة من رجال(الدين) الذين يندرجون كمبلغين دينيين في المجلس المذكور وفي غيره من الأطر الحوزوية.

  لنبيه بري توصيف عن رجال الدين. التوصيف كان متلازماً مع بدايات بري السياسية: “شيوخ الدبس”.

  مع بلوغ بري تخمته السياسية، واستئثاره بالمجلس الشيعي مع شريكه “حزب الله”، تحوّل كثر من رجال الدين عن “الدبس”. إذ إن راهنهم يفضي إلى إدراج الكثير منهم كرواد ولائم دسمة ومحدثي نعمة.

المصدر: درج

نبيه بري وصف رجال الدين في بدايات بري السياسية بانهم: “شيوخ الدبس”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار